أخبار اليمن

الأحد - 13 سبتمبر 2026 - الساعة 12:10 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


يضع الموقف الأميركي من التصعيد في اليمن إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام سؤال يتجاوز حدود المعركة الجارية بين الحوثيين والسعودية: لماذا تترك واشنطن باب المندب للحوثيين لماذا تقبل بالأمر الواقع؟

فبينما تتقدم الجماعة على الساحل اليمني، اختار ترامب حتى الآن عدم الانخراط عسكرياً، رغم طلب سعودي واضح، قبل أن يكشف أن الحوثيين اتصلوا بإدارته وأبلغوها أنهم لا يريدون القتال ضد الولايات المتحدة، فهل تقف واشنطن على الحياد أم تضغط على السعودية بالوقوف خارج التصعيد ومراقبيته.

المؤشر الأوضح على طبيعة الحسابات الأميركية جاء الخميس، عندما طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من ترامب، خلال اتصالين، توجيه ضربات أميركية إلى الحوثيين مع تقدمهم نحو باب المندب. لكن ترامب رفض الطلب، فيما نقلت مصادر أميركية أن إدارة واشنطن لا تخطط في الوقت الحالي لعمل عسكري مباشر ضد الجماعة.

ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة انسحبت من المشهد. فواشنطن تعرض على الرياض دعماً استخبارياً ومعلومات استهداف، كما أجرى قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر محادثات في السعودية بشأن التطورات. لكن الفارق واضح بين دعم العمليات السعودية وبين إرسال قوات أميركية لضرب الحوثيين.

وتقول إدارة ترامب، وفق مسؤول أميركي نقلت عنه أكسيوس، إن أولويتها هي حماية المصالح الأميركية الأساسية، وفي مقدمتها حرية الملاحة في البحر الأحمر، مع ترك الشركاء الإقليميين لقيادة التعامل مع التحديات الأمنية في المنطقة.

هنا تبرز المفارقة: واشنطن تقول إن حرية الملاحة مصلحة أميركية، لكنها لا تبدو مستعدة في الوقت نفسه لخوض مواجهة مباشرة مع القوة التي باتت تملك موقعاً متقدماً عند أحد مفاتيح هذه الملاحة.

وزاد تصريح ترامب في دبلن من غموض الموقف. فقد قال إن الحوثيين «اتصلوا» بالإدارة الأميركية وأبلغوها أنهم لا يريدون القتال مع الولايات المتحدة، وأنهم يفضلون ألا تتدخل واشنطن ضدهم. وأضاف أنهم يسمحون لمعظم السفن بالمرور، مع وجود استثناءات مرتبطة بسفن من دولة لم يسمها.

ولا يقدم ترامب تفاصيل عن طبيعة الاتصالات أو توقيتها أو الجهة الحوثية التي أجرتها، ولذلك سيكون من السابق لأوانه اعتبارها تفاهمات أمنية أو ضمانات بشأن الملاحة. لكن مجرد كشف الرئيس الأميركي عنها، في هذا التوقيت، يفتح احتمال أن تكون واشنطن قد وجدت في القناة الحوثية وسيلة لتجنب مواجهة مباشرة، طالما بقيت المصالح الأميركية والملاحة الدولية خارج مستوى التهديد الذي يستدعي تدخلاً عسكرياً.

والأهم أن التصريح لا يعني بالضرورة أن إدارة ترامب تثق بالحوثيين. فقد يكون الأمر أقرب إلى اختبار لتعهداتهم: هل يستطيعون السيطرة على باب المندب من دون تحويله إلى منطقة إغلاق شامل؟ وهل يمكن فصل سيطرتهم على الساحل اليمني عن تهديد حركة التجارة الدولية؟

لا يمكن فصل الموقف الأميركي عن السعودية. فرفض طلب الرياض التدخل عسكرياً جاء في الوقت الذي كانت فيه القوات الحوثية تحقق مكاسب ميدانية على الساحل، فيما كانت القوات المدعومة سعودياً تتراجع. وبحسب مصادر أميركية، تريد إدارة ترامب تجنب فتح جبهة عسكرية جديدة بينما تظل قواتها مركزة على الحرب مع إيران ومضيق هرمز.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة موقف ترامب باعتباره رسالة إلى الرياض أكثر منه تخلياً عن أمن البحر الأحمر: واشنطن مستعدة للمساعدة، لكنها لا تريد أن تتحول إلى طرف مباشر في الحرب السعودية-الحوثية.

ويعزز ذلك أن ترامب، عندما سئل عن اتصاله الأخير بولي العهد السعودي، وصفه بأنه «صديق جيد»، قبل أن يؤكد أن الأمور ستنتهي بصورة جيدة. وفي المقابل، أبدى اعتقاداً بأن إيران تقف على الأرجح وراء الهجوم الذي استهدف خط الأنابيب السعودي.

يبقى السؤال الأصعب: هل تراهن واشنطن على أن الحوثيين سيكتفون بالمكاسب الجغرافية، ويحافظون على حد أدنى من انسياب الملاحة، أم أنها تؤجل مواجهة لا تريد خوضها الآن؟

المؤكد أن السيطرة الحوثية على مواقع قريبة من باب المندب تضع واشنطن أمام معادلة أكثر تعقيداً. فالممر البحري لا يخص السعودية وحدها، بل يرتبط بتدفقات الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، ويصبح أكثر حساسية في ظل استمرار أزمة هرمز.

لذلك قد يكون ما يفعله ترامب اختباراً للرسائل الحوثية أكثر منه تسليماً لهم بباب المندب. فإذا حافظت الجماعة على الملاحة ولم تستهدف المصالح الأميركية، يمكن لواشنطن مواصلة سياسة الاحتواء غير المباشر. أما إذا تحولت السيطرة الجغرافية إلى ورقة لإغلاق المضيق أو ابتزاز حركة السفن، فإن المسافة بين الدعم غير المباشر والتدخل الأميركي قد تضيق سريعاً.

وفي هذه النقطة تحديداً تكمن دلالة تصريح ترامب: إن واشنطن لا تقول إنها تثق بالحوثيين، لكنها تبدو مستعدة في الوقت الراهن لاختبار ما إذا كان بإمكانهم السيطرة على باب المندب من دون تحويله إلى جبهة أميركية جديدة.