عرب وعالم

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 11:41 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


رفعت السعودية مستوى جاهزيتها الأمنية والعسكرية تحسبًا لهجمات جديدة قد تستهدف أراضيها ومنشآتها الحيوية، في ظل تصاعد نشاط جماعة الحوثي في اليمن، وتزايد المخاوف من تحرك جماعات مسلحة عراقية مدعومة من إيران بصورة منسقة ضد أهداف سعودية، بما يفتح جبهة جديدة من التوتر في منطقة تعيش أصلًا على وقع الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

وجاءت هذه المخاوف بعد هجوم حوثي استهدف منطقة نجران جنوب السعودية، وأسفر، وفق ما أعلنه المتحدث باسم التحالف العسكري بقيادة السعودية، اللواء الركن تركي المالكي، عن إصابة 11 مدنيًا، بينهم سبعة سعوديين ويمني ومصريين اثنين وباكستاني. وكان بين المصابين امرأة وطفل سعودي يبلغ من العمر أربع سنوات، أصيب بحروق من الدرجة الثانية.

ويعكس الهجوم انتقال التهديد الحوثي إلى مستوى أكثر حساسية بالنسبة للرياض، خصوصًا أن استهداف المناطق المدنية يضع السعودية أمام تحدي حماية عمقها الداخلي في وقت تتسع فيه ساحات المواجهة المرتبطة بالحرب الإقليمية.

واتهم المالكي الحوثيين بقصف المناطق المدنية بصورة عشوائية، مؤكدًا أن التحالف سيواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين.

ولا تقتصر المخاوف السعودية على الحوثيين، إذ تشير تقديرات أجهزة استخبارات سعودية وأميركية ودول أخرى في المنطقة، وفق مسؤول سعودي كبير، إلى احتمال تنفيذ الحوثيين وجماعات مسلحة عراقية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني هجمات منسقة ضد أهداف داخل المملكة.

وتشمل الأهداف المحتملة، بحسب المسؤول، منشآت للطاقة وموانئ ومطارات، وهي قطاعات تمثل أهمية استراتيجية للاقتصاد السعودي ولشبكة التجارة والطاقة الإقليمية.

ومن شأن استهداف هذه المنشآت أن يتجاوز البعد الأمني المباشر، ليطال حركة الطاقة والشحن والاستثمار ويزيد المخاطر على الملاحة في المنطقة.

وتتعامل الرياض مع هذا الاحتمال باعتباره تهديدًا متعدد الجبهات، إذ يمكن أن يأتي الضغط من الجنوب عبر الحوثيين، ومن الشمال عبر جماعات مسلحة عراقية، في وقت تتداخل فيه هذه التهديدات مع التوتر الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها.

ويمثل أمن منشآت الطاقة أولوية خاصة بالنسبة للسعودية، بعد تعرض منشآت نفطية ومواقع حيوية في المملكة خلال السنوات الماضية لهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة.

وتزداد حساسية هذا الملف في ظل اعتماد الأسواق العالمية بدرجة كبيرة على استقرار صادرات الطاقة السعودية.

وفي 29 يوليو، أعلنت السعودية شن غارات بالتعاون مع القيادة المركزية الأميركية ضد جماعات مدعومة من إيران في العراق، بعد اتهامها بشن هجمات بطائرات مسيرة على منشآت نفطية في المملكة.

وردت الجماعات المسلحة العراقية بالتهديد بالانتقام، ما رفع احتمالات انتقال المواجهة من الأراضي العراقية واليمنية إلى أهداف داخل السعودية.

ومن هنا، لا تنظر الرياض إلى الهجمات المحتملة باعتبارها حوادث منفصلة، وإنما كجزء من مسار تصعيد يمكن أن يستخدم فيه حلفاء إيران أدوات مختلفة للضغط على السعودية وإرباك أمنها الداخلي.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تصعيد حوثي متزايد. فقد أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن هجوم على مطار نجران، إلى جانب هجمات قالت إنها استهدفت مواقع عسكرية وبنية تحتية وشحنًا في السعودية.

كما أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن هجمات صاروخية وبطائرات مسيرة قالت إنها استهدفت تجمعات للقوات الحكومية اليمنية، في تطور يوضح أن النشاط العسكري الحوثي لم يعد محصورًا في الجبهة اليمنية، بل يتقاطع بصورة متزايدة مع أمن السعودية والممرات البحرية في المنطقة.

وتكتسب هذه التحركات أهمية أكبر بسبب الموقع الجغرافي للسعودية، التي تمثل حلقة رئيسية بين الخليج والبحر الأحمر، ما يجعل أي تصعيد في اليمن أو العراق قادرًا على التأثير في أمن الطاقة والملاحة والتجارة.

وفي مواجهة هذه التهديدات، تؤكد السعودية استمرار مستوى مرتفع من التعاون الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة، بما في ذلك التعاون العملياتي مع القيادة المركزية الأمريكية.

وتحاول الرياض من خلال هذا التعاون تعزيز قدراتها على رصد الهجمات الصاروخية والمسيرة والتعامل معها قبل وصولها إلى أهدافها، إلى جانب حماية المنشآت الحيوية والمطارات والموانئ والمنشآت النفطية.

لكن الاعتماد على القدرات الدفاعية وحدها قد لا يكون كافيًا إذا اتخذت الهجمات المحتملة طابعًا متزامنًا ومتعدد الاتجاهات.

ولذلك تبدو السعودية معنية أيضًا بتعزيز التنسيق الاستخباراتي مع حلفائها، ورفع القدرة على اكتشاف التحركات التي قد تسبق أي هجوم.

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووصول رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى السعودية، أهمية أمنية خاصة، مع الحديث عن توقيع اتفاقية دفاعية بين السعودية وتركيا وباكستان.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تسعى فيه الرياض إلى توسيع شبكة شراكاتها الأمنية وعدم حصر ترتيباتها الدفاعية في تحالف واحد. كما أن امتلاك السعودية بالفعل اتفاقية تعاون دفاعي مع باكستان يوفر أساسًا يمكن البناء عليه في مواجهة التهديدات المتزايدة.

وقد تعكس هذه التحركات إدراكًا سعوديًا بأن طبيعة المخاطر تغيرت؛ فالمملكة لا تواجه تهديدًا تقليديًا من دولة واحدة، وإنما شبكة من الجماعات المسلحة التي تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة وقدرة على العمل عبر حدود متعددة.

المفارقة أن رفع السعودية جاهزيتها يأتي في وقت تبذل فيه الرياض جهودًا دبلوماسية لخفض التصعيد والتوصل إلى تسوية تفاوضية للحرب مع إيران. ويرى المسؤول السعودي أن الهجمات المحتملة قد تستهدف عرقلة هذه الجهود وإبقاء المنطقة في دائرة التصعيد.

وهنا تواجه السعودية معادلة صعبة: فمن جهة، تحتاج إلى إظهار قدرة ردع واضحة لمنع استهداف أراضيها ومصالحها؛ ومن جهة أخرى، لا تريد أن يؤدي الرد العسكري إلى فتح مسار تصعيد أوسع ينسف جهود الوساطة ويجر المملكة إلى مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع إيران ووكلائها.

ولهذا تبدو الاستراتيجية السعودية قائمة على الجمع بين اليقظة الأمنية والانخراط الدبلوماسي. فرفع الجاهزية لا يعني بالضرورة أن الرياض تتجه إلى التصعيد، بقدر ما يعكس محاولة لامتلاك هامش أوسع للتحرك في حال تعرضت لهجوم، مع الحفاظ على قنوات التفاوض مفتوحة.

ويضع التهديد الحوثي والعراقي المتزامن السعودية أمام اختبار جديد لقدرتها على حماية منشآتها الحيوية ومواصلة دورها الإقليمي في الوقت نفسه. فنجاح أي هجوم واسع على منشآت الطاقة أو الموانئ أو المطارات لن تكون تداعياته محلية فقط، بل يمكن أن تمتد إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة والملاحة في المنطقة.

وبالتالي، فإن رفع الرياض جاهزيتها الأمنية يحمل رسالة مزدوجة: الأولى إلى الجماعات المدعومة من إيران بأن استهداف الأراضي السعودية سيقابل برد حازم، والثانية إلى الحلفاء بأن المملكة تتحرك لتعزيز منظومة أمن إقليمية قادرة على مواجهة تهديدات متعددة المصادر.

ومع استمرار الحرب الإقليمية وتصاعد التوتر بين إيران ووكلائها من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، يبدو أن السعودية تستعد لأسوأ الاحتمالات، لكنها في الوقت ذاته تحاول منع تحول الاستعداد العسكري إلى حرب مفتوحة.

وتبقى المعادلة الأكثر صعوبة أمام الرياض هي حماية أمنها وردع الهجمات دون السماح للتهديدات القادمة من اليمن والعراق بتحويل المملكة إلى ساحة جديدة للحرب الإقليمية.