أخبار رياضية

الجمعة - 19 يونيو 2026 - الساعة 06:09 م بتوقيت اليمن ،،،

عدن


بالتفصيل .. من مكيراس إلى ميفعة: حكاية "القصبة" التي نقلت أبناء ميفعة الى ملاعب إسبانيا في مونديال 1982

ربما يسأل البعض: لماذا الكتابة تحديداً عن كأس العالم 1982 التي أقيمت في اسبانيا صيف ذلك العام؟ وللإجابة على هذا التساؤل، ثمة ثلاثة أسباب جوهرية تجعل من تلك البطولة حدثاً لا ينسى في ذاكرة أبناء ميفعة، أولها أنها صنفت كواحدة من أعظم البطولات العالمية إثارة، وثانيها أنها كانت آخر بطولة يتابعها أهالي ميفعة خارج بيوتهم في ظل ندرة أجهزة التلفزيون وضعف الإرسال الشديد حينها ، حيث كان جهاز التلفزيون موجود في ثلاثة بيوت فقط، أما "ثالثة الاثافي، صادفت نهائيات كأس العالم 1982 حلول شهر رمضان المبارك، لتمتزج الأجواء الرياضية بالروحانية الرمضانية. كما لم تخلو تلك الفترة من الزخم السياسي الخارجي ، إذ تزامنت البطولة مع الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، وهو الحدث الأليم الذي تفاعل معه الوجدان العربي، والمحلي في ميفعة بشكل كبير.

استضاف نادي الكفاح الرياضي الثقافي في مقره الكائن حينها في مبنى المستشارية المطل على ملعب النادي، الجمهور الرياضي بتقديم خدمة مشاهدة عامة وجماعية للمونديال ، حيث كان أبناء البلدة يتوافدون كل مساء لمتابعة مباريات البطولة.

ولم تقتصر مشاهدة المباريات على أبناء بلدة ميفعة فحسب، بل امتد شغف المتابعة إلى أبناء القرى والبلدات المجاورة، مثل: (كورة آل حمد، كورة آل علي، المنصورة، مكساه، بلعساف، جول عقيل، جول الريدة، السلامة، والظاهرة) وغيرها. حيث كان الأهالي والشباب يتوجهون أفواجاً بعد تناول وجبة الإفطار من قراهم صوب ميفعة، والهدف واحد: مواكبة السحر الكروي للمونديال.

البنية التحتية وجهود القيادة المحلية:

في تلك الحقبة، كانت ميفعة تنعم بنعمة التيار الكهربائي بفضل مشروع الكهرباء الحيوية الذي تأسس في بداية الستينيات إبان عهد السلطنة الواحدية، وكان التيار يشتغل من الساعة الخامسة عصراً وحتى منتصف الليل.

وأمام هذا الشغف الجماهيري، بادرت قيادة المديرية حينها—ممثلة بالسكرتير الأول لمنظمة الحزب الفقيد أحمد حميد سويد رحمة الله عليه، ومأمور المديرية الفقيد محمد سالم الفانوص بن رشيد رحمة الله عليه، بإبداء اهتمام كبير لتوفير أجواء المشاهدة لأبناء البلدة، حيث تم توفير جهاز تلفزيون ملون (سانيو) بهيكل خشبي لصالح النادي، مع ضمان استمرار التيار الكهربائي طيلة فترة المباريات.

تحدي الإرسال والابتكار الذاتي:

كان الإرسال التلفزيوني ضعيفاً ومتقطعاً إجمالاً، إذ كان البث يأتي من محطة جبال مكيراس بمحافظة أبين (قبل أن يفتتح البث المحلي لاحقا من جبل الحالة والحوطة عام 1984). ولكن بجهود ذاتية مخلصة من بعض أبناء ميفعة، تم التغلب على هذه العقبة؛ حيث قاموا برفع قصبة حديدية طويلة جداً للأعلى، وثبّتوا عليها جهاز تقوية الإشارة (بوستر) قوي لتأمين لقطة صافية وإشارة مقبولة، مستغلين صفاء الأجواء والطقس المستقر في فصل الصيف.

"الريم" وحوش الدكتور الهندي.. مدرجات شعبية:

تحول سطح مبنى نادي الكفاح (المستشارية) إلى مدرج شعبي يتسع لمئات المشاهدين من أبناء ميفعة وضواحيها. ونتيجة للزحام الشديد وتدافع الجماهير، كان البعض يضطر للذهاب والمشاهدة في حوش الفقيد الدكتور أحمد الهندي (رحمة الله عليه)، والذي كان يقع على مسافة قريبة من مبنى المستشارية، ليتحول الحوش إلى ساحة تشجيع بديلة تفوح بأصالة المكان.
وما زاد من بهجة المونديال، تلك الليالي الرمضانية الصافية، حيث كانت المقاهي الشعبية، لا سيما مقهى "الخس" ومقهى "الزبيدي" ومشرب الهندي تعج بالشباب من أبناء المنطقة وضواحيها، يتسامرون ويتناولون القهوة والشاي والحلويات والعصائر، قبل أن ينطلقوا في موكب واحد نحو مبنى الكفاح مع اقتراب صافرة البداية.

حماس الجماهير ومكانة خاصة لـ"الأزرق الكويتي"
اتسمت البطولة بمستوى فني رفيع بوجود منتخبات عريقة ونجوم تاريخيين حفروا أسماءهم في الوجدان؛ كالإيطالي باولو روسي هداف البطولة، والظهور المونديالي الأول للأسطورة الأرجنتيني دييغو مارادونا، إلى جانب الفرنسي بلاتيني، الألماني رومنيغيه، وعباقرة السامبا البرازيلية زيكو وسقراط وباتيستا، وغيرهم كثير .

وانقسم جمهور ميفعة في تشجيعه الحماسي بين العمالقة: البرازيل، الأرجنتين، ألمانيا الغربية، وإيطاليا. غير أن منتخب الكويت الوطني حظي بمكانة وتشجيع استثنائي وخاص جداً من جماهير نادي الكفاح، كونها المشاركة الأولى لـ"الأزرق" في المونديال، كأول فريق عربي يتأهل عن قارة آسيا، وكوكبة من نجومه امثال فيصل الدخيل وجاسم يعقوب وفتحي كميل والعنبري وحمود فليطح والطرابلسي، وغيرهم ، وجاء هذا التعاطف الجماهيري الكبير نظراً للعلاقات الطيبة والمتميزة التي كانت تربط جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بدولة الكويت الشقيقة، وما قدمته الكويت من دعم تنموي سخي وبصمات مشاريع مشهودة في مناطق الجنوب، كما تفاعل الجمهور الميفعي مع المنتخب الجزائري الذي كان يشارك لأول مرة في المونديال .
وفي نهاية المطاف، أسدل الستار على تلك البطولة الأرقى والأجمل بفوز إيطاليا بكأس العالم، وحلول ألمانيا الغربية وصيفاً، لتنتهي البطولة وتظل تفاصيلها وقصصها في ميفعة حكاية من زمن البساطة والتلاحم الاجتماعي الذي لا يمحوه
الزمن.

الاستاذ الصحفي جمال شنيتر

...

ملاحظة تاريخية حول نقل كأس العالم في تلفزيون عدن:

· 1978 (الأرجنتين): كان النقل محدوداً جداً، اقتصر على مباريات منتخب تونس (أول مشاركة عربية) بالإضافة إلى مباراة البرازيل والأرجنتين فقط.

· 1981 (الأوروغواي – كأس الذهب): تم نقل بطولة كأس الذهب في مونتيفيديو، بمشاركة البرازيل، الأوروغواي، إيطاليا، وهولندا (بدلاً من إنجلترا المعتذرة).

· 1982 (إسبانيا): كانت أول بطولة كأس عالم يُنقلها تلفزيون عدن بشكل شبه كامل، وهو ما مثّل نقلة نوعية في التغطية الرياضية.

قبل 1982، لم تكن البثوث مباشرة بالمعنى الحرفي، بل كانت المباريات تُعرض مسجلة على أشرطة فيديو تصل متأخرة، وكان المشاهدون يتابعونها وكأنها حية، في مشهد يعكس شغف الجمهور رغم شح الإمكانيات التقنية آنذاك.

المكتبة العامرية للتوثيق

#ذاكرة_وطن