عرب وعالم

الأربعاء - 03 يونيو 2026 - الساعة 03:11 م بتوقيت اليمن ،،،

صلاح الهوني


عندما يربط الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، التوترات الراهنة بـ”مسار طويل من الصراعات الإقليمية”، فإنه يقدم تشخيصًا بنيويًا لأزمة ممتدة الجذور، لا تبدأ اليوم ولا تنتهي غدًا.

جوهر الرسالة الإماراتية، أن المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من ردود الفعل الانفعالية. ما تطرحه أبوظبي ليس حلًا تكتيكيًا، بل مراجعة شاملة للعلاقات الإقليمية على أسس واضحة: “احترام السيادة، حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية”.

لفهم الموقف الإماراتي، لا بد من العودة إلى جذور الخلل. فمنذ عقدين على الأقل، انخرطت إيران في مشروع توسع منظم، لم يهدف إلى حماية حدودها، بل إلى إعادة رسم خرائط النفوذ بالوكالة. من الميليشيات الشيعية في العراق بعد 2003، إلى حزب الله في لبنان الذي تحول من حزب سياسي إلى جيش داخل دولة، إلى الحوثيين في اليمن الذين استخدموا كأداة لتهديد أمن الخليج الجنوبي. هذا النموذج، القائم على نشر وكلاء مسلحين وربطهم بإرادة مركزية في طهران، هو ما جعل المنطقة تعيش في حالة زلزالية دائمة.

انعكاسات هذه السياسات لم تكن نظرية. الملاحة البحرية في مضيق هرمز والخليج العربي تحولت إلى ساحة اختبار للمناوشات. استهداف ناقلات النفط، الهجمات على منشآت أرامكو عام 2019، ومحاولات اعتراض سفن تجارية، كلها حلقات في سلسلة واحدة: رسالة بأن أمن الطاقة العالمي يمكن أن يصبح رهينة يوميًا. لدول الخليج، التي أنفقت تريليونات الدولارات على تحويل صحرائها إلى مراكز لوجستية ومالية، فإن هذه البيئة تجعل الاستثمار الطويل الأجل غير قابل للحساب.

المقارنة التاريخية هنا ضرورية. ما نراه اليوم هو استمرار لمسار بدأ مع الثورة الإيرانية عام 1979، ثم تغذى على الحرب العراقية-الإيرانية، ثم وجد في فراغات حروب أميركا في أفغانستان والعراق تربة خصبة. الإمارات، التي كانت حتى الأمس القريب نموذجًا لدولة صغيرة تنجح خارج سباقات التسلح، وجدت نفسها مضطرة للدفاع عن سيادتها بأدوات لم تكن بحاجة إليها قبل عقد.

هنا تكمن المفارقة. بينما اختارت قوى إقليمية أخرى (منها إيران نفسها وحلفاؤها) التصعيد كأسلوب حياة، دعت أبوظبي إلى ما يمكن وصفه بـ”المراجعة الباردة”. هذا لا يعني التراجع أو الاستسلام، بل إعادة تقييم السياسات التي ثبت أنها عمّقت الانقسامات بدلًا من حلها. فالحروب بالوكالة لا تنتج فائزًا واضحًا، بل تنتج دولًا محطمة وشعوبًا نازحة ومجتمعات لا تستطيع التئام جراحها.

القواعد التي تطرحها الإمارات ليست جديدة في النظرية السياسية، لكنها ثورية في سياق الشرق الأوسط: “السيادة تعني عدم وجود ميليشيات تعمل خارج إطار الدولة؛ حسن الجوار يعني أن أمنك لا يُبنى على حساب عدم استقرار جارك؛ عدم التدخل يعني أن خيارات الشعوب تخصها هي وحدها”. لو طُبقت هذه القواعد قبل عشرين عامًا، لكان شكل المنطقة مختلفًا تمامًا.

لكن الإمارات ليست مثالية ساذجة. إنها تدرك أن هذه القواعد لا يمكن فرضها بالقوة وحدها. ما تفعله بدلًا من ذلك هو حماية مكتسباتها التنموية أولًا. دولة بنت مدينة مثل دبي كوجهة عالمية للاستثمار والسياحة والخدمات لا يمكنها أن تسمح لنفسها بالانجرار إلى مواجهات مباشرة قد تمحو في أسابيع ما بنته في عقود. هذا ليس جبنًا، بل عقلانية. القوة الحقيقية لدولة كالإمارات ليست في صواريخها، بل في استمرار ازدهارها بينما تحترق الجوار.

إذا كان الموقف الإماراتي يبدو إقليميًا في ظاهره، فإن جذوره تمتد إلى تحولات عالمية عميقة. خذوا مضيق هرمز كمثال: كل أوروبا تعتمد على مروره الآمن للطاقة والتجارة. أي تسييس لهذا الممر، وتحويله إلى ورقة ضغط في لعبة إقليمية، سيترجم مباشرة إلى فواتير طاقة أعلى في برلين وباريس ولندن، ثم إلى تضخم، ثم إلى اضطرابات اجتماعية. الإمارات ليست متسولة للمساعدة الأوروبية، بل هي من يذكر الأوروبيين بأن أمن الخليج هو أمنهم هم أولًا.

على صعيد أوسع، تنظر الإمارات إلى المشهد العالمي بعيون واقعية: نحن نتجه نحو عالم متعدد الأقطاب. أميركا لم تعد الحارس الوحيد، والصين تمد عضلاتها اقتصاديًا، والهند تظهر كقوة موازنة، وأوروبا تبحث عن دورها في محيط غير مألوف. في هذا العالم الجديد، لن تنجح منظومات الأمن القديمة القائمة على حلفاء ضد أعداء. المطلوب هو بناء منظومات تعاون مرنة، تتداخل فيها المصالح بدلًا من أن تتصادم.

هذه الرؤية تشرح لماذا استثمرت الإمارات بكثافة في علاقاتها مع بكين ونيودلهي، ولماذا حافظت على شراكتها الإستراتيجية مع واشنطن، ولماذا تنظر إلى أوروبا كشريك لا كحامٍ. الهدف هو شبكة أمان متعددة الأطراف، لا تعتمد فيها أي دولة على شريك واحد. هذا ليس انتهازية، بل تأقلم مع الحقيقة الجديدة.

ربما الابتكار الإماراتي الأهم هو محاولة تغيير طبيعة اللعبة نفسها. بدلًا من التنافس على من يملك أكبر ترسانة أو أكثر الميليشيات ولاءً، تدعو أبوظبي إلى “منظومة إقليمية قائمة على التنمية المشتركة”. ماذا يعني هذا عمليًا؟ يعني مشروعات ربط كهربائي بين الخليج والعراق والأردن، يعني ممرات غذاء تربط الهند بالخليج عبر موانئ إماراتية، يعني استثمارات في الطاقة المتجددة تخدم المنطقة بأسرها، يعني تحويل العبء الجيوسياسي إلى أرباح اقتصادية.

هذه الرؤية تواجه مشكلة واحدة: لا يمكن فعلها بمفردك. أمن المنطقة، كما تكرر الإمارات، هو “مسؤولية جماعية”. لا يمكن لدولة أن تشعر بالأمان بينما جارها يحتضن ميليشيات تهدد جارًا ثالثًا. لا يمكن للتنمية أن تزدهر في بيئة تشبه صندوقًا من الأفاعي. لذلك، فإن ما تسعى إليه أبوظبي هو إعادة صياغة العلاقات الإقليمية بأكملها: من علاقات قائمة على الريبة والتدخل، إلى علاقات قائمة على قواعد واضحة ومصالح متبادلة.

هل هذا ممكن؟ التاريخ القريب يثير الشكوك. لكن الإمارات تراهن على أن التعب من الصراعات، والأعباء الاقتصادية للحروب بالوكالة، والتحول العالمي نحو سلاسل التوريد الآمنة، كلها عوامل قد تجعل حتى خصومها يعيدون الحساب. وإذا لم يحدث ذلك، فإنها على الأقل تكون قد بنت لنفسها موقعًا كصوت العقل، بينما يصوت الآخرون بالصواريخ.

في النهاية، ما تقدمه الإمارات ليس مثالية ساذجة، ولا خطة إنقاذ سحرية. إنها تقدم نفسها كصوت عقلاني وسط فوضى إقليمية. هذا الصوت يوازن بين حماية السيادة الوطنية وبين تجنب المغامرات العسكرية غير المحسوبة. إنه ليس صوت الضعيف، بل صوت القوي الذي يدرك أن القوة الحقيقية تكمن في الازدهار المستدام، وليس في القدرة على التدمير.

التحذير الاستراتيجي الذي ترفعه أبوظبي يستحق أن يُسمع: أي تصعيد غير مدروس في الخليج، أي مغامرة جديدة في مضيق هرمز، أي افتراض بأن النار يمكن احتواؤها، سيؤدي إلى مزيد من التعقيدات التي سيدفع ثمنها الجميع. الحل، كما تراه الإمارات، ليس في المزيد من التصعيد، بل في العودة إلى الأساسيات: معالجة جذور الأزمات، لا أعراضها.

الأفق المستقبلي الذي تطمح إليه هو شرق أوسط مختلف: لا يخلو من الخلافات، لكنه يستطيع احتواؤها دون أن تنفجر حروبًا. أفق يقوم على احترام السيادة، والتعاون الاقتصادي، والتنمية المشتركة. هو ليس حلمًا بعيد المنال، لكنه يتطلب شركاء. السؤال المفتوح الآن: هل باقي القوى الإقليمية والعالمية مستعدة للانضمام إلى هذا المشروع؟ أم أن المنطقة مقبلة على مزيد من الصراع الذي لم يعد أحد يذكر لماذا بدأ؟

في كلتا الحالتين، الإمارات وضعت أوراقها على الطاولة. والخيار الآن للآخرين.