منوعات

الإثنين - 13 أبريل 2026 - الساعة 12:29 ص بتوقيت اليمن ،،،

العرب


لم تكن حبيبة ذات الأربعين عاما تريد لقصة الحب التي جمعتها بزوجها أن تنتهي ببرود عاطفي وجفاء أديا إلى انفصال صامت. فكر الزوجان كثيرا في الطلاق الرسمي لكن وجود الأبناء عرقل هذه الخطوة. كذلك تردد الزوج في إنهاء العلاقة رسميا، كان بدافع مادي بحت، فهو لا يريد دفع نفقة الزوجة والأبناء من جهة والعودة إلى عيش حياة العزوبية من جهة أخرى.

وقصة حبيبة هذه تنطبق على كثير من الزوجات في تونس وخارجها. فالزواج الصامت يكاد يكون ظاهرة تميز المجتمعات العربية حيث يعتقد خطأ أنه قرار في صالح الأبناء وأنه سيحميهم من عواقب الطلاق الرسمي، ويجهل الآباء أو يتجاهلون أن الأطفال هم أكبر ضحايا الاستمرار في زواج فاشل يتم “ترميمه” ليظهر من الخارج أنه زواج ناجح وفي محاولة لتجنّب حرج الطلاق الرسمي.

في العام 2023، أظهرت دراسة سعودية بعنوان “تأثير الطلاق العاطفي على الصحة النفسية للنساء المتزوجات في المملكة”، أن 78 في المئة من المشاركات أظهرن مستويات متوسطة إلى عالية من الطلاق العاطفي، الذي لا يتحول غالبا إلى طلاق رسمي لأسباب أبرزها القيود الثقافية والاجتماعية، إذ ينظر إلى الطلاق في مجتمعات عديدة بوصفه وصمة، فيدفع ذلك الأزواج إلى الاستمرار في علاقات منتهية حفاظا على الصورة الخارجية.

كما أن من أسباب الطلاق العاطفي، الأعباء الاقتصادية المترتبة على الطلاق، وافتقار كثير من النساء المطلقات إلى الاستقلال المادي، وكذلك الاعتقاد بأن بقاء العلاقة شكلا تضحية من أجل الأبناء والحفاظ على أسرة كاملة ولو على الورق.

إضافة إلى الصعوبات القانونية التي تواجهها بعض النساء في الحصول على الطلاق، مما يجعل الانفصال الصامت مخرجا شبه وحيد. ويشير خبراء العلاقات الأسرية إلى أن الطلاق العاطفي، ليس في صالح الأطفال بأي شكل، بل هو في الواقع أنانية شديدة.

وقالت استشارية الأمراض العصبية والنفسية الدكتورة رشا عبد الباري زكي إن المشكلات المتراكمة التي تترك لسنوات دون حلول تعد السبب الرئيسي وراء الطلاق العاطفي، حين يعجز الزوجان عن مواجهة أزماتهما أو لا يملكان الشجاعة لاتخاذ قرار واضح.

وأضافت أن الانفصال الصامت قرار مشترك بأن يأخذ كل طرف مساحته دون صدام أو احتكاك، ومن دون طلاق، ثم يبدأ الزوجان في تبرير هذا الوضع بأسباب مختلفة، من بينها مصلحة الأولاد، لكنها في الواقع أنانية مطلقة ولا علاقة لها بمصلحة الأطفال.

وتابعت “الزوجة من ناحية لا ترغب في خسارة الدعم المادي والاجتماعي، خاصة مع التقدم في العمر وتراجع فرص الزواج، ولا يرغب الزوج في خسارة وضعه كرَبّ أسرة مستقر. وغالبا ما يكون لديه سبب خفي من اثنين: إما محبة باقية تمنعه من الطلاق، أو أنانية شديدة تدفعه إلى الإبقاء على الزوجة تجنبا لخسائر مادية كالنفقات أو السكن وغيرهما”.

وبحسب الدكتورة عبد الباري زكي، فإن هذا الوضع لا يخدم الأبناء بأي حال، وقالت “نرى اليوم عددا كبيرا من الأسر وصل إلى هذا النمط، أب غير سعيد لأنه ليس زوجا حقيقيا، وامرأة محبطة وغير سعيدة، وعلاقة عجيبة بلا اسم ولا معنى، تعكس في الأغلب شخصيات غير سويّة”.

بدورها، أكدت الإعلامية سارة رزق، أن البعض يظن أن ترعرع الأبناء في بيت لا يتواجد فيه كلا الأبوين سيعرضهم إلى مشكلات نفسية وتربوية منقطعة النظير، مما يدفعهم إلى استكمال معيشتهم سويًا كأجساد خاوية من روحها في منزلٍ واحد كطلاق حواري وجسدي ومعنوي فقط لإبقاء الأبناء يرون آباءهم معًا تحت السقف نفسه.

وتتجلى آثار الطلاق العاطفي في سلوكيات غير متوقعة لدى الأطفال، مثل العزلة الاجتماعية أو الانعزال عن الأصدقاء، كما قد يظهر العدوان أو التمرد في محاولة للتعبير عن مشاعرهم المكبوتة بسبب عدم قدرة الوالدين على تلبية احتياجاتهم العاطفية، وهذه الاضطرابات تكون غالبًا نتيجة للبيئة المشحونة التي يعيش فيها الطفل، حيث يشعر بالضياع وعدم الاستقرار.

ومن أبرز التأثيرات السلبية للطلاق العاطفي هو تراجع الأداء الدراسي للأطفال، وفي بيئة تفتقر إلى الدعم العاطفي من الوالدين، يعاني الأطفال من صعوبة في التركيز والتحصيل الدراسي، وهذا التراجع ليس فقط بسبب غياب الاهتمام، ولكن بسبب الانشغال العاطفي الذي يؤثر على قدرتهم على التفاعل مع دراستهم بشكل طبيعي.

كما تنعكس آثار الطلاق العاطفي على العلاقات المستقبلية للأطفال، حيث يعانون من صعوبة في بناء علاقات صحية عندما يكبرون، حيث أن الأطفال الذين نشأوا في بيئة لا توجد فيها تفاعلات عاطفية صحية بين الوالدين غالبًا ما يجدون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم أو بناء علاقة قائمة على الثقة، وهذا يؤدي إلى مشكلات في العلاقات العاطفية في مرحلة البلوغ.

وقالت داليا شيحة، المستشارة الزوجية والأسرية بدبي، إنه من المحزن للغاية أن تعيش الزوجة بوضع مطلقة مع زوجها الذي من المفترض أن يكون هو الأقرب إليها. والشعور نفسه بالنسبة للزوج الذي يشعر بغربة شديدة بين أحضان زوجته.

وبحسب شيحة، تتعدد أسباب الطلاق العاطفي، وقد تختلف بحسب الظروف المحيطة بالزوجين. ورغما عن ذلك توجد بعض الأسباب الشائعة التي تؤدي إلى هذه الحالة، وهي نقص التواصل أو انعدامه.

وترى شيحة أن غياب الحوار الفعّال بين الزوجين أحد أسباب الطلاق العاطفي المهمة. فمع مرور الوقت، قد يفقد الزوجان القدرة على التواصل بشكل صحيح، مما يؤدي إلى تراكم المشاعر السلبية وسوء الفهم. هما لا يدركان أهمية التواصل بينهما في توطيد العلاقة وتحقيق ترابط أسري يدوم.

كما لا يمكن إهمال أثر الضغوط الحياتية الصعبة، والمسؤوليات، والأعباء على علاقة الزوجين ببعضهما البعض، وبخاصة مع تشعبها، فمنها ما يتعلق بالعمل، ومنها ما يدخل ضمن المشاكل العائلية بما في ذلك احتياجات الأطفال، والمشاكل المالية والظروف الحياتية الطارئة. كل هذه الضغوط تتسبب في حدوث توتر كبير في العلاقة بين الزوجين إذا انعدم التواصل بينهما.

وفي بعض الحالات، قد يشعر أحد الزوجين أو كلاهما بالإهمال العاطفي. قد يكون ذلك نتيجة لانشغالهما بأمور أخرى مثل الأطفال أو العمل أوالأعباء، مما يؤدي إلى تدهور العلاقة العاطفية بينهما.

والطلاق العطفي أو الصامت هو حالة من الانفصال العاطفي والنفسي بين الزوجين دون الانفصال الفعلي. إذ يظل الزوجان تحت سقف واحد، يتشاركان الحياة اليومية، لكن بدون حميمية أو تواصل عاطفي حقيقي. فتغدو الحياة الزوجية قائمة شكلًا فقط بينما تخلو في جوهرها من الدفء والمودة والرحمة، وتتحول إلى علاقة باردة يهيمن عليها الصمت. فلا تواصل، ولا مشاركة، ولا دعم، إلى أن يتحول التواصل إلى حد أدنى من الضروريات المرتبطة بالحياة اليومية، كالأحاديث المتعلقة باحتياجات الأطفال ومشكلاتهم، وهو ما قد يجمع بينهما للحظات عابرة لا أكثر.