عرب وعالم

الثلاثاء - 07 أبريل 2026 - الساعة 06:16 م بتوقيت اليمن ،،،

العرب


مع دخول الحرب في إيران مرحلة متقدمة، تبرز تساؤلات جوهرية حول كيفية إنهاء هذا الصراع، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستكتفي بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية أم ستسعى إلى تحقيق هدف استراتيجي أوسع يتمثل في تغيير موازين القوة داخل إيران نفسها.

وفي هذا السياق، يواجه الرئيس دونالد ترامب لحظة حاسمة قد تعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.

ولم تعد الحرب، التي اندلعت بعد تصعيد غير مسبوق بين واشنطن وطهران، مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى اختبار شامل لطبيعة النظام الإيراني، وقدرته على الصمود، وحدود القوة الأميركية في فرض معادلات جديدة في المنطقة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الضربات الأميركية والإسرائيلية ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية، بما في ذلك قواعد الصواريخ وشبكات القيادة والسيطرة، ما أضعف بشكل ملحوظ قدرة طهران على تنفيذ عمليات واسعة النطاق.

لكن، وعلى الرغم من هذا التراجع العسكري، لا يزال النظام الإيراني يحتفظ بعناصر قوة مهمة، أبرزها قدرته على إعادة التموضع، وتوظيف شبكاته الإقليمية، واستغلال الجغرافيا—خاصة في مضيق هرمز—كأداة ضغط استراتيجية.

وهنا تكمن الإشكالية الأساسية: هل يكفي إضعاف القدرات العسكرية لإيران، أم أن ترك النظام قائمًا سيمنحه فرصة لإعادة بناء نفسه بشكل أكثر خطورة؟.

ويرى العديد من المحللين أن أخطر سيناريو قد تواجهه الولايات المتحدة هو إنهاء الحرب دون تحقيق حسم سياسي واضح. ففي هذه الحالة، يمكن للنظام الإيراني أن يروّج لبقائه على أنه انتصار، حتى لو تكبد خسائر كبيرة.

ويقول المحلل أحمد الشرعي في تقرير نشرته مجلة ناشونال أنتريست إن هذا النمط من "الانتصار الرمزي" ليس جديدًا في سلوك طهران، إذ سبق أن استخدمته لتعزيز شرعيته الداخلية وإعادة تعبئة قواعده الشعبية.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن بقاء النظام الإيراني بعد تعرضه لضربات قوية قد يدفعه إلى تبني سلوك أكثر عدوانية، بهدف استعادة الردع المفقود.

وهذا يعني أن التهديدات لن تختفي، بل قد تتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، مثل تكثيف الهجمات عبر الوكلاء، أو توسيع نطاق العمليات غير المتكافئة في المنطقة.

وتدرك دول الخليج، مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين، طبيعة هذا التهديد أكثر من غيرها، بحكم تعرضها المباشر للهجمات الإيرانية خلال مراحل مختلفة من التصعيد.

وقد أظهرت الحرب الأخيرة أن طهران مستعدة للانتقال من الحرب غير المباشرة إلى استهداف مباشر لدول ذات سيادة، وهو تحول نوعي في قواعد الاشتباك.

ويضع هذا التصعيد المنطقة أمام واقع جديد، حيث لم يعد الصراع محصورًا بين الولايات المتحدة وإيران، بل أصبح يشمل شبكة واسعة من الفاعلين الإقليميين، ما يزيد من تعقيد أي محاولة لاحتواء الأزمة. كما أن استهداف البنية التحتية الحيوية—مثل منشآت الطاقة والموانئ—يهدد ليس فقط الأمن الإقليمي، بل أيضًا استقرار الأسواق العالمية.

ويظل مضيق هرمز أحد أهم عناصر القوة في يد إيران، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط والغاز العالمية.

وقد أثبتت طهران قدرتها على تهديد الملاحة في هذا الممر الحيوي حتى في ظل الضغوط العسكرية، ما يجعل أي صراع معها ذا أبعاد اقتصادية عالمية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي نهاية غير حاسمة للحرب ستبقي هذا التهديد قائمًا، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من "اللايقين المزمن" في أسواق الطاقة، ويضع الاقتصاد العالمي تحت رحمة التوترات الجيوسياسية.

والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه هو: ما الهدف النهائي للحرب؟ إذا كان الهدف هو فقط تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، فإن ذلك قد يتحقق جزئيًا، لكنه لن يعالج جذور المشكلة.

وأما إذا كان الهدف أوسع—ويشمل تغيير سلوك النظام أو حتى إعادة تشكيله—فإن ذلك يتطلب استراتيجية أكثر تعقيدًا تجمع بين الأدوات العسكرية والسياسية.

وفي هذا السياق، تبرز فكرة "إنهاء المهمة" التي تعني الانتقال من مجرد إضعاف النظام إلى تقويض قدرته على الاستمرار كقوة مهددة للمنطقة. لكن هذا الهدف يطرح تحديات كبيرة، أبرزها كيفية تحقيقه دون الانزلاق إلى حرب طويلة أو فوضى إقليمية أوسع.

وعلى الرغم من أهمية العامل العسكري، فإن مستقبل الصراع قد يتحدد في الداخل الإيراني أكثر مما يتحدد في ساحات القتال. فالنظام يواجه ضغوطًا داخلية متزايدة نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والقيود السياسية، وتراجع الثقة الشعبية.

وقد كشفت السنوات الأخيرة عن وجود حراك اجتماعي وسياسي داخل إيران، يعكس رغبة قطاعات واسعة من الشعب في التغيير. ومع تصاعد الضغوط الخارجية، قد يجد هذا الحراك فرصة أكبر للتأثير في مسار الأحداث، خاصة إذا ترافق مع دعم دولي محسوب.

لكن هذا السيناريو ليس مضمونًا، إذ إن الأنظمة التي تواجه تهديدًا وجوديًا غالبًا ما تلجأ إلى تشديد قبضتها الأمنية، ما قد يؤدي إلى تصعيد داخلي يزيد من تعقيد المشهد.

وفي المقابل، فإن السعي إلى "حسم كامل" يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى انهيار مفاجئ للنظام دون وجود بديل واضح، ما يفتح الباب أمام حالة من الفوضى وعدم الاستقرار.

كما أن أي تصعيد إضافي قد يدفع إيران إلى استخدام أدوات أكثر خطورة، سواء عبر استهداف واسع لدول المنطقة أو عبر تعطيل شامل للملاحة في مضيق هرمز.

وهنا تكمن المفارقة: فبينما يبدو الحسم العسكري خيارًا جذابًا من منظور استراتيجي، فإنه قد يحمل في طياته مخاطر تفوق فوائده إذا لم يتم ضمن إطار سياسي واضح ومحدد الأهداف.

وبناءً على ما سبق، يبدو أن الخيار الأمثل أمام الولايات المتحدة لا يكمن في الاكتفاء بالضربات العسكرية، ولا في الانزلاق إلى حرب مفتوحة، بل في تبني استراتيجية شاملة تجمع بين الضغط العسكري المدروس والتحرك السياسي والدبلوماسي.

وهذه الاستراتيجية يجب أن تهدف إلى تحقيق توازن دقيق: إضعاف قدرات النظام الإيراني إلى الحد الذي يمنعه من تهديد المنطقة، وفي الوقت نفسه خلق ظروف تسمح بحدوث تغيير داخلي تدريجي دون انهيار مفاجئ.

كما يتطلب ذلك تنسيقًا وثيقًا مع الحلفاء الإقليميين، خاصة دول الخليج، لضمان استقرار المنطقة ومنع أي فراغ أمني قد تستغله أطراف أخرى.

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كان على دونالد ترامب "إنهاء المهمة" في إيران، بل بكيفية تعريف هذه المهمة وحدودها. فالحرب الحالية تمثل لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط، لكن نتائجها ستعتمد على القرارات التي ستُتخذ في المرحلة المقبلة.

إذا تم الاكتفاء بنصر عسكري جزئي، فقد تعود إيران كتهديد أكثر تعقيدًا. أما إذا تم السعي إلى تغيير جذري دون خطة واضحة، فقد تنزلق المنطقة إلى فوضى أوسع. وبين هذين الخيارين، تبرز الحاجة إلى مقاربة متوازنة تأخذ في الاعتبار الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية للصراع.

وبينما تظل كل السيناريوهات مفتوحة، يبقى المؤكد أن نهاية هذه الحرب لن تكون مجرد حدث عسكري، بل لحظة تحول تاريخية ستحدد ملامح النظام الإقليمي لعقود قادمة.