أخبار اليمن

الجمعة - 03 أبريل 2026 - الساعة 12:01 م بتوقيت اليمن ،،،

د. عبدالله عبدالصمد


تاريخ الشعوب مليء بلحظات صدمة كبرى، تلك اللحظات التي يفقد فيها الناس رموزهم أو قادتهم أو حتى أوهامهم حول إمكانية عودة ما مضى. وفي كل مرة تتكرر ذات الحالة النفسية: الإنكار أولًا، ثم التمسك بالأمل، ثم اختلاق الروايات التي تؤجل الاعتراف بالحقيقة. لا يتعلق الأمر بحادثة بعينها، بل بنمط متكرر يكشف عن أزمة عميقة في الوعي الجمعي، حيث يتم ربط مصير القضايا الكبرى بأشخاص، بدل ربطها بمشروع وطني قابل للاستمرار.

حين يختفي قائد أو يرحل أو يُقتل، يبدأ البعض في نسج قصص بديلة: مرة هو جريح وسيعود، ومرة معتقل ينتظر لحظة الإفراج، ومرة يعيش في مكان بعيد يتهيأ للعودة المفاجئة. هذه الروايات لا تعكس حقائق بقدر ما تعكس حاجة نفسية للهروب من الواقع. فالحقيقة تكون قاسية إلى درجة أن العقل يرفض تقبلها، فيلجأ إلى خلق احتمالات تبقي الأمل حيًا، حتى وإن كان وهميًا.

لكن المشكلة لا تكمن في لحظة الإنكار بحد ذاتها، فهي رد فعل بشري مفهوم، بل في الاستمرار داخل هذه الحالة لسنوات، وتعليق مصير شعب كامل على عودة فرد. هنا تتحول المسألة من حالة نفسية إلى أزمة وعي سياسي. فالقضية التي تعتمد على شخص واحد هي قضية هشة، سرعان ما تنهار برحيله، بينما القضايا الحقيقية هي التي تُبنى على مؤسسات وأفكار وأهداف واضحة تتجاوز الأفراد.

لقد أثبت الواقع مرارًا أن من يغادر، لأي سبب كان، لا يعود ليصنع التاريخ من جديد، وأن الزمن لا يسير إلى الخلف. ومع ذلك، يظل البعض أسير فكرة “العودة”، وكأن الحل مؤجل بانتظار لحظة درامية تعيد كل شيء إلى ما كان عليه. هذا النوع من التفكير لا يعيق التقدم فحسب، بل يبدد الطاقة ويمنع إنتاج بدائل حقيقية قادرة على التعامل مع الواقع كما هو، لا كما يُتخيل.

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الشعوب هو تقديس الأشخاص وربط مصيرها بهم. فالأشخاص يرحلون، يتغيرون، يضعفون أو يختفون، بينما القضايا الحقيقية يجب أن تبقى حية، متجددة، وقادرة على التكيف مع التحولات. التمسك بالماضي، أو انتظار عودة من رحل، يعني ببساطة العجز عن صناعة المستقبل.

المرحلة التي تتطلب النضج هي تلك التي يدرك فيها الناس أن التغيير لا يأتي من شخص، بل من وعي جماعي، ومن أدوات جديدة تُبنى على فهم الواقع لا الهروب منه. لا يمكن استعادة وطن بعقلية تنتظر، بل بعقلية تُبادر وتُنتج وتتحرك. فالأجيال تتعاقب، والوجوه تتبدل، لكن من ينجح هو من يحول قضيته من حالة عاطفية مرتبطة بأفراد إلى مشروع مستمر تقوده الأفكار والإرادة.

الاعتراف بالحقيقة ليس هزيمة، بل بداية الطريق الصحيح. أما الاستمرار في إنكارها، فهو استنزاف طويل لا يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع. وبين وهم الانتظار وواقع الفعل، تُحدد الشعوب مصيرها: إما أن تبقى أسيرة الماضي، أو أن تفتح لنفسها باب المستقبل.