عرب وعالم

الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 12:02 م بتوقيت اليمن ،،،

العرب


في أعقاب التحولات المتسارعة التي شهدها المشهد السوري خلال المرحلة الأخيرة، بات واضحًا أن البلاد دخلت طورًا جديدًا من إعادة ترتيب الأولويات، داخليًا وإقليميًا، بعد طيّ صفحة شمال شرق سوريا وإنهاء المواجهة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وفتح مسار الاندماج.

ومع انحسار هذا الملف، انتقلت الأنظار سريعًا نحو الجنوب السوري، وتحديدًا إلى محافظة السويداء، بالتوازي مع تبلور مسار تفاوضي على اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية، في سياق إقليمي شديد الحساسية تتداخل فيه الحسابات السورية مع احتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن المشهد الإقليمي الأوسع، إذ إن أي تصعيد محتمل بين واشنطن وطهران ستكون له انعكاسات مباشرة على توازنات الشرق الأوسط، من سوريا إلى لبنان.

وفي هذا الإطار، يكتسب التنسيق الأميركي – السوري أهمية خاصة، ليس فقط لجهة إعادة ضبط الجنوب السوري، بل أيضًا لما يمكن أن يترتب عليه من آثار مباشرة على الوضع اللبناني، في ظل تشابه المسارات التفاوضية المطروحة على البلدين، سواء من حيث الآليات أو النتائج المتوقعة.

وفي الداخل السوري، تبرز محافظة السويداء بوصفها العقدة الأهم أمام استكمال هذا المسار. فطريقة معالجة هذا الملف ستحدد إلى حد بعيد توقيت وشكل الانتقال إلى الإعلان عن الاتفاق السوري – الإسرائيلي.

وتشير المعطيات إلى أن دمشق تفضّل مقاربة هادئة تقوم على تفكيك البنية الداخلية للمحافظة، وإحداث انشقاقات وازنة داخل البيئة السياسية والدينية المحيطة بالشيخ حكمت الهجري، بما يسمح بإعادة الإمساك بالوضع من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية واسعة قد تكون كلفتها السياسية والأمنية مرتفعة.

غير أن هذا الخيار يبقى مرهونًا بمدى نجاح الأدوات السياسية والأمنية غير المباشرة. ففي حال تعذّر تحقيق اختراق داخلي، يبقى الخيار العسكري مطروحًا، لكن وفق مبدأ �القضم البطيء�، أي عمليات محدودة ومدروسة تهدف إلى تغيير الوقائع تدريجيًا، مع الحرص على تجنب انفجار شامل قد يعقّد مسار التفاهمات الإقليمية الجارية.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن إنجاز الاتفاق مع قسد على الاندماج، ثم معالجة معضلة السويداء، يشكلان محطتين إلزاميتين قبل الانتقال إلى الإعلان عن ملامح الاتفاق السوري – الإسرائيلي.

ويعكس هذا التسلسل حرص دمشق، بدعم أميركي، على تثبيت الجبهة الداخلية وضبط الجنوب، قبل الانتقال إلى تفاهمات حساسة مع إسرائيل، بما يضمن بيئة أكثر استقرارًا لتنفيذ أي اتفاق محتمل.

ويُتوقع أن يقوم الاتفاق السوري – الإسرائيلي على مجموعة من الركائز الأساسية، في مقدمتها التوصل إلى تفاهم حول ترتيبات أمنية واضحة بين الطرفين، تحدد طبيعة الانتشار العسكري للجيش السوري في الجنوب، ونوعية الأسلحة المسموح بوجودها، وآليات الرقابة والمتابعة. كما يتضمن الاتفاق إنشاء آلية عمل مشتركة لإدارة الوضع في الجنوب السوري، بما يضمن خفض مستوى التوتر ومنع الاحتكاك المباشر.

وفي هذا السياق، يبرز اقتراح إنشاء غرفة عمليات في الأردن للتعامل مع ملف السويداء، بما يعكس دورًا إقليميًا في إدارة هذا الملف الحساس، ويوفر قناة تنسيق دائمة بين الأطراف المعنية، بعيدًا عن التصعيد الميداني. كما يشمل المسار المقترح وضع إطار تعاوني على المستوى الأمني، يقوم على تبادل المعلومات والتنسيق، في خطوة تهدف إلى بناء حد أدنى من الثقة المتبادلة.

ولا يقف الاتفاق عند البعد الأمني، بل يتوزع على مراحل متلاحقة. ففي المرحلة الأولى، يجري تثبيت الترتيبات الأمنية، بما يشمل نقاط الانتشار العسكري وضبط السلاح. أما المرحلة الثانية، فتتناول مسألة الانسحاب الإسرائيلي من النقاط التي احتلتها تل أبيب بعد سقوط نظام الأسد، مع بقاء الخلاف قائمًا حول نقطة مرصد جبل الشيخ.

وفي هذا الإطار، تسعى واشنطن إلى بلورة صيغة توفيقية، قد تشمل رعاية أميركية مباشرة، أو اقتراح دوريات مشتركة، أو آليات تنسيق أمني خاصة.

وتنتقل المفاوضات في المرحلة الثالثة إلى البعد الاقتصادي، عبر البحث في إنشاء منطقة اقتصادية في الجنوب السوري، ولا سيما في المناطق التي احتلتها إسرائيل، وجزء من المناطق المتنازع عليها، خصوصًا في الجولان.

وتُطرح في هذا السياق أفكار تتعلق بإقامة مشاريع مشتركة في مجالات إنتاج الطاقة الهوائية، أو إنشاء مناطق صناعية وزراعية، وربما حتى مشاريع سياحية، بما يحوّل الجنوب من ساحة توتر مزمنة إلى مساحة تعاون اقتصادي.

واللافت أن هذا المسار المطروح على سوريا يكاد يكون مطابقًا لما يُعرض على لبنان. فالعناوين واحدة: اتفاق أمني، آلية لإدارة الوضع في الجنوب، تنسيق أمني وعسكري عبر لجنة مشتركة قد تكون شبيهة بلجنة مراقبة اتفاق الهدنة، إضافة إلى الطرح الإسرائيلي المستمر حول التعاون الاقتصادي.

وفي المقابل، يتمسك لبنان بمطالب أساسية تتعلق بعودة الأهالي إلى قراهم، وإعادة الإعمار، ومنع التهجير، رافضًا ربط هذه الملفات بتفاهمات أمنية أو اقتصادية مفروضة.

غير أن نجاح المسار السوري – الإسرائيلي، في حال تحقق، سيشكّل عامل ضغط كبير على لبنان. فتطبيق هذا النموذج على الحدود السورية – الإسرائيلية، ولا سيما في المناطق الملاصقة للجنوب اللبناني، سيعزز من قدرة واشنطن وتل أبيب على الدفع باتجاه تعميمه على الجنوب اللبناني.

وفي ظل اختلال موازين القوى، وغياب قدرة لبنانية على مواجهة هذا المسار منفردة، يجد لبنان نفسه أمام تحدٍّ استراتيجي بالغ التعقيد.

وعليه، تبدو سوريا اليوم في قلب تسويات إقليمية تعيد رسم خرائط النفوذ والأمن في المنطقة، فيما يقف لبنان على تخوم هذه التحولات، متأثرًا بنتائجها من دون أن يكون شريكًا كاملًا في صياغتها.

وبينما تتقدم التفاهمات على وقع الضغوط الدولية والإقليمية، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة الأطراف المعنية على تحقيق استقرار فعلي، لا يكون على حساب التوازنات الداخلية ولا حقوق السكان، في منطقة لم تخرج بعد من ظلال الصراعات الطويلة.