عرب وعالم

الثلاثاء - 06 يناير 2026 - الساعة 12:03 م بتوقيت اليمن ،،،

العرب


يراهن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بوصفها فرصة سياسية نادرة لإعادة فتح أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات التركية–الأميركية، وهو ملف إعادة أنقرة إلى برنامج مقاتلات إف-35.

وبالنسبة للقيادة التركية، لا يتعلق هذا الملف فقط بالحصول على منظومة تسليح متطورة، بل يشكل اختباراً حقيقياً لإمكان إعادة بناء الثقة مع واشنطن بعد سنوات من التوتر، وإعادة تعريف موقع تركيا داخل حلف شمال الأطلسي في ظل تحولات عميقة في النظام الدولي.

ومنذ استبعادها من برنامج إف-35 عام 2019، تعتبر أنقرة أن القرار كان سياسياً أكثر منه تقنياً، وأنه ألحق ضرراً مباشراً بمكانتها كحليف استراتيجي للولايات المتحدة وشريك صناعي في أحد أهم برامج التسليح الغربية.

ولم تكن تركيا مجرد زبون يسعى لشراء المقاتلة، بل شاركت شركاتها في تصنيع مكونات أساسية للطائرة، واستثمرت موارد مالية وبشرية كبيرة في البرنامج، إضافة إلى دفعها ثمن الطلبيات المتفق عليها.

ولذلك يكرر أردوغان في تصريحاته أن إعادة تركيا إلى البرنامج ليست منّة أميركية، بل تصحيح لخطأ استراتيجي يجب معالجته.

ويعكس الرهان على ترامب قراءة تركية مفادها أن عودة الرئيس الجمهوري قد تعني انتقال واشنطن إلى مقاربة أكثر براغماتية في التعامل مع الحلفاء، تقوم على المصالح المباشرة لا على الاعتبارات القيمية أو الضغوط السياسية.

وفي نظر أنقرة، كانت الإدارات الديمقراطية أكثر ميلاً لاستخدام أدوات العقوبات والملفات الحقوقية للضغط على تركيا، في حين أن ترامب يُنظر إليه كشريك يفضل الصفقات الثنائية والحلول العملية، حتى في الملفات المعقدة.

وتدفع هذه القناعة أردوغان إلى الاعتقاد بأن ملف إف-35 يمكن أن يتحول إلى ورقة تفاوضية لإعادة إطلاق العلاقات على أسس جديدة.

غير أن جذور الأزمة تعود إلى قرار تركيا شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400، وهو القرار الذي فجّر الخلاف مع واشنطن وأدى إلى استبعادها من البرنامج وفرض عقوبات عليها بموجب قانون “كاتسا”.

ومن وجهة النظر الأميركية، تشكل المنظومة الروسية تهديداً مباشراً لأمن تكنولوجيا إف-35، إذ يمكن أن تسمح لروسيا بجمع بيانات حساسة عن قدرات الطائرة الشبحية.

وأما من منظور أنقرة، فقد جاء القرار بعد سنوات من محاولات فاشلة للحصول على منظومات دفاع جوي غربية بشروط مناسبة، ما دفعها إلى البحث عن بدائل تلبي احتياجاتها الأمنية الملحة.

واليوم، يحاول أردوغان إعادة طرح هذا الخلاف ضمن سياق سياسي أشمل، لا يقوم على التراجع العلني عن صفقة إس-400، بل على تجاوزها كعقبة تعرقل العلاقات الاستراتيجية.

وفي هذا الإطار، يربط الرئيس التركي بين عودة بلاده إلى برنامج إف-35 وتعزيز قدرات حلف شمال الأطلسي، معتبراً أن استبعاد تركيا أضعف الجناح الجنوبي للحلف في لحظة تتصاعد فيها التهديدات الأمنية من البحر الأسود إلى الشرق الأوسط.

وبحسب هذا الطرح، فإن إعادة إدماج أنقرة في البرنامج ستخدم المصالح الجماعية للناتو بقدر ما تخدم المصالح التركية.

ويكتسب هذا الرهان زخماً إضافياً في ظل الحرب الروسية–الأوكرانية، التي أعادت تسليط الضوء على أهمية تركيا الجيوسياسية. فأنقرة، التي نجحت في الحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع موسكو وكييف في آن واحد، تقدم نفسها اليوم كوسيط محتمل لا غنى عنه في أي مسار تفاوضي مستقبلي.

ويؤكد أردوغان أن بلاده هي الطرف الوحيد القادر على التحدث مباشرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مستنداً إلى تجربة سابقة في رعاية اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود.

وفي هذا السياق، يحرص الرئيس التركي على إبراز استعداد بلاده لاستضافة مفاوضات سلام محتملة أو دعم مراقبة أي وقف لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا.

ويمنح هذا الدور الوسطي أنقرة ورقة إضافية في تعاملها مع واشنطن، إذ يمكنها تقديم نفسها شريكاً أساسياً في إدارة واحدة من أخطر الأزمات الدولية الراهنة.

ومن وجهة النظر التركية، فإن الولايات المتحدة، في حال سعت إلى ترتيبات أمنية جديدة في أوروبا الشرقية، لا يمكنها تجاهل دور تركيا أو الاستمرار في عزلها عن برامج التسليح المتقدمة.

ومع ذلك، فإن طريق العودة إلى برنامج إف-35 لا يبدو ممهداً، حتى في ظل رهان أردوغان على ترامب.

وإلى جانب موقف البيت الأبيض، يظل الكونغرس الأميركي لاعباً حاسماً في هذا الملف، حيث تسود نظرة متشككة تجاه السياسة التركية، خاصة في ما يتعلق بعلاقاتها مع روسيا واستقلالية قرارها الدفاعي.

وحتى إذا أبدى ترامب استعداداً سياسياً لإعادة فتح الملف، فإن ترجمة ذلك إلى قرار عملي ستتطلب تفاهمات تقنية وأمنية معقدة، قد تشمل تقديم ضمانات بشأن عدم تشغيل منظومة إس-400 أو إيجاد صيغة تفصل بينها وبين منظومات الناتو.

وفي المقابل، يدرك أردوغان أن استمرار استبعاد تركيا من برنامج إف-35 يدفعها إلى تسريع مساعيها لتطوير صناعاتها الدفاعية المحلية، بما في ذلك مشروع المقاتلة الوطنية. غير أن هذا الخيار، رغم أهميته الاستراتيجية، لا يعوض على المدى القصير الفجوة التكنولوجية التي خلّفها الخروج من البرنامج الأميركي، ولا يلغي حاجة أنقرة إلى الحفاظ على تكاملها مع منظومات الناتو.

ولذلك يبقى هدف العودة إلى إف-35 حاضراً بقوة في الخطاب السياسي التركي، بوصفه رمزاً لشراكة أوسع مع الغرب.

وفي المحصلة، يعكس رهان أردوغان على ترامب محاولة تركية لاستثمار التحولات السياسية في واشنطن لإعادة ضبط العلاقات الثنائية عبر بوابة إف-35. وهو رهان يقوم على مزيج من البراغماتية السياسية، واستغلال الدور الجيوسياسي لتركيا، والرهان على تغير الأولويات الأميركية. لكن نجاح هذا الرهان سيظل مرهوناً بقدرة أنقرة وواشنطن على تجاوز إرث الخلافات العميقة، وتحويل الرغبة المتبادلة في تحسين العلاقات إلى قرارات ملموسة تعيد رسم ملامح التحالف بينهما في مرحلة دولية شديدة التقلب.