منوعات

السبت - 03 أكتوبر 2026 - الساعة 12:42 م بتوقيت اليمن ،،،


تبدأ قصة الدماغ قبل الولادة بوقت طويل من ظهور ملامحه المعروفة، وفي هذه المرحلة المبكرة تتخذ الخلايا الجذعية قرارات متتابعة تحدد نوع الخلايا العصبية التي ستنشأ منها والمناطق التي ستسهم في بنائها.

وتكشف أبحاث حديثة أن هذه القرارات لا تعتمد على الجينات وحدها، بل تتأثر أيضًا بما يصل إلى الخلايا من إشارات غذائية وفيزيائية من البيئة المحيطة بها.

وتركز دراسات أجراها باحثون في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس على الخلايا الدبقية الشعاعية، وهي من أهم الخلايا الجذعية التي تسهم في بناء قشرة الدماغ خلال مراحل التطور الجنيني.

واستخدم الباحثون نماذج مخبرية للدماغ البشري، إلى جانب أنسجة بشرية ونماذج ثلاثية الأبعاد، لمحاولة فهم الكيفية التي تختار بها هذه الخلايا المسار الذي يقودها إلى إنتاج أنواع مختلفة من خلايا الدماغ.

إحدى النتائج اللافتة تتعلق بطريقة تعامل الخلايا مع المغذيات، إذ وجد الباحثون أن عملية الأيض داخل الخلايا لا توفر الطاقة اللازمة للنمو فقط، وإنما يمكن أن تؤثر أيضًا في القرار المتعلق بنوع الخلايا العصبية التي ستنتجها.

وتفتح هذه النتيجة بابًا مختلفًا لفهم نمو الدماغ، لأن الغذاء والمواد التي تصل إلى الخلايا لا تبدو مجرد وقود لعملية البناء، بل تدخل بصورة غير مباشرة في تنظيم مسارات تكوين الخلايا العصبية.

العامل الآخر الذي ظهر في البحث يرتبط بالمكان الذي توجد فيه الخلية. فقد أظهرت التجارب أن الاتصال الجسدي والإشارات القادمة من منطقة المهاد يمكن أن تدفع الخلايا الجذعية في القشرة إلى إنتاج أنواع معينة من الخلايا العصبية، بينها خلايا موجودة بكثرة في الدماغ البشري.

وهذا يعني أن الخلية الجذعية لا تتخذ قرارها بمعزل عن محيطها، وإنما تستجيب باستمرار للإشارات التي تصل إليها من الخلايا والمناطق المجاورة.

وبهذا المعنى، فإن تكوين الدماغ يشبه عملية بناء شديدة التنظيم تتداخل فيها المعلومات الوراثية مع الظروف المحيطة بالخلايا.

وتأتي هذه النتائج ضمن مسار علمي أوسع يحاول رسم خريطة أكثر دقة للمراحل الأولى لنمو الدماغ البشري.

فقد كشفت دراسات سابقة عن تغيرات في نشاط الجينات وإمكانية الوصول إلى أجزاء معينة من الحمض النووي خلال الأشهر الأولى من التطور الجنيني، وهي مراحل ترتبط بظهور أنواع مختلفة من الخلايا العصبية.

كما أظهرت أبحاث أخرى أن اضطراب البيئة المناعية أثناء الحمل يمكن أن يؤثر في نمو القشرة الدماغية.

وفي دراسة نشرتها مجلة “نيتشر نيوروساينس”، وجد الباحثون أن جزيئًا التهابيًا يعرف باسم “إنترلوكين-17 إيه” يمكن أن يغير عمليات تكوين القشرة ونضج الخلايا العصبية في نماذج من أنسجة دماغ جنيني بشري.

ولا تعني هذه النتائج أن عاملًا واحدًا يحدد شكل الدماغ أو مستقبل الخلايا العصبية، بل تشير إلى شبكة معقدة من التعليمات والإشارات تعمل في مراحل متداخلة.

الجينات تحدد إمكانات الخلية، بينما تسهم عمليات الأيض والاتصالات بين الخلايا والإشارات القادمة من مناطق أخرى في توجيه تلك الإمكانات نحو مسارات محددة.

وتكتسب هذه الصورة أهمية خاصة في دراسة الاضطرابات التي تبدأ خلال مراحل نمو الدماغ قبل الولادة. ففهم الطريقة الطبيعية التي تتشكل بها الخلايا يمكن أن يساعد الباحثين على تحديد المرحلة التي يبدأ فيها الخلل، وما إذا كان مرتبطًا بخلل جيني أو بتغير في الإشارات الخلوية أو بالبيئة المحيطة بالخلايا.

كما قد تساعد هذه المعرفة في تحسين استخدام الخلايا الجذعية في المختبر، إذ يسعى العلماء إلى إنتاج خلايا عصبية تشبه تلك الموجودة في الدماغ البشري بدرجة أكبر. ومعرفة الإشارات التي تحتاجها الخلايا في المراحل المبكرة يمكن أن تجعل عملية تحويل الخلايا الجذعية إلى أنواع عصبية محددة أكثر دقة.

وتكشف هذه الأبحاث في النهاية أن تكوين الدماغ عملية أكثر تعقيدًا مما توحي به الصورة التقليدية التي تضع الجينات في مركز كل شيء. فالخلية الجذعية تقرأ مجموعة من التعليمات في الوقت نفسه، بعضها يأتي من داخلها وبعضها من محيطها.

وبينما لا تزال هذه النتائج في إطار البحث العلمي، فإنها تمنح العلماء تصورًا أوسع عن الكيفية التي يتشكل بها أحد أكثر أعضاء الجسم تعقيدًا قبل الولادة، وتوفر أدوات جديدة لدراسة الأمراض العصبية واضطرابات النمو من جذورها الأولى، بدل الاكتفاء بدراسة آثارها بعد ظهورها.