أخبار اليمن

السبت - 03 أكتوبر 2026 - الساعة 12:38 م بتوقيت اليمن ،،،


تعود محافظة تعز جنوب غربي البلاد إلى واجهة المشهد العسكري في اليمن، حيث أعلن الجيش اليمني، السبت، تنفيذ 71 عملية استهداف ضد تجمعات وتحشيدات وتعزيزات لجماعة الحوثي.

وجاء الإعلان في بيان للمتحدث العسكري باسم القوات الحكومية ماجد النزيلي، نشره عبر حسابه على منصة إكس، ليؤكد أن تعز تحولت إلى ساحة الاختبار الرئيسية للتصعيد الراهن.

وقال النزيلي "نفذت قواتنا المسلحة 71 عملية استهداف دقيقة ضد تجمعات وتحشيدات قتالية وتعزيزات تابعة لميليشيا الحوثي الإرهابية".

وأوضح أن العمليات تركزت في الأقروض وسامع والأحكوم والأكبوش وجبل راسن وجبل جرداد وبني عمر وبني بكاري والكعاوش والأثاور.

وأضاف أن العمليات "أسفرت عن تدمير عدد من وسائل النقل والإسناد المعادية، وتحييد عناصر الميليشيا، وإفقاد تشكيلاتها القدرة على مواصلة القتال"، دون أن يحدد عدد العناصر.

وختم بأن القوات "تواصل أداء مهامها بثبات وإرادة قتالية عالية"، وأن تعز "ستظل عصية على ميليشيا الحوثي الإرهابية".

يكشف تعداد المواقع المذكورة عن اتساع رقعة العمليات، فهي تمتد من مناطق جبلية وعرة مثل جبل راسن وجبل جرداد، إلى قرى وعزل ريفية في الريف الجنوبي والغربي للمحافظة.

وتكتسب الجبال أهمية خاصة في حرب تعز، لأن السيطرة على المرتفعات تمنح أصحابها أفضلية في الرصد والقصف، وتتيح التحكم بخطوط الإمداد المؤدية إلى المدينة.

وبحسب ما أعلنه المتحدث، فإن التركيز انصب على تجمعات وتعزيزات قبل أن تبلغ خطوط الاشتباك، وهو ما يوحي بمحاولة إجهاض أي هجوم محتمل قبل انطلاقه، لا الاكتفاء بالرد عليه.

لم يأت الإعلان من فراغ، فقد سبقته جمعة ثقيلة. إذ أصيب ستة مدنيين، بينهم طفلان وامرأة، جراء قصف مدفعي حوثي استهدف أحياء سكنية وسط مدينة تعز، بحسب وكالة الأنباء اليمنية الرسمية "سبأ".

وفي اليوم نفسه أعلن الجيش اندلاع مواجهات عنيفة مع الحوثيين في الجبهة الشمالية للمدينة دون تفاصيل، وشن عشرات الغارات على تحركات وتعزيزات ومواقع للجماعة في مناطق عدة بالمحافظة.

وأعلنت وزارة الداخلية اليمنية، الجمعة، مقتل محمد الخولاني، قائد أركان حرب قوات لواء الطوارئ بالوزارة، خلال مواجهات مع الحوثيين في جبهة الكدحة بتعز.

ويحمل مقتل ضابط بهذه الرتبة دلالة على أن المواجهات لم تعد مناوشات محدودة، بل اشتباكات تطال مستويات قيادية، وتفرض على القوات الحكومية كلفة بشرية يصعب إخفاؤها.

كما يضيف مقتل قائد ميداني إلى حصيلة اليوم بعدا معنويا، إذ تحرص الجهات الرسمية عادة على إبراز نتائج عملياتها، بينما تظل خسائرها حاضرة في الخلفية، ما يجعل المقارنة بين الروايتين أمرا بالغ الصعوبة.

تندرج هذه التطورات ضمن تصعيد عسكري بدأ في يوليو الماضي، وهو الأوسع منذ الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة أبريل 2022. وقد منحت تلك الهدنة اليمنيين أشهرا من التراجع في وتيرة العنف، لكنها لم تتحول إلى تسوية سياسية شاملة، فبقيت خطوط التماس قائمة والملفات الكبرى معلقة.

ومنذ ذلك الحين ظلت تعز، ذات الموقع الاستراتيجي والكثافة السكانية العالية، من أكثر الجبهات حساسية، إذ تتداخل فيها خطوط التماس مع الأحياء المأهولة، ما يجعل كلفة أي تصعيد مدنية بامتياز. ولهذا تتكرر في تقارير الجهات الرسمية الإشارة إلى إصابات بين السكان جراء القصف.

يكشف حجم الأرقام المعلنة رغبة حكومية في إظهار المبادرة الميدانية، بعد أسابيع من التصعيد. فالحديث عن "71 عملية دقيقة" موجه إلى الداخل لرفع المعنويات، وإلى الخصم لإثبات القدرة على الردع.

غير أن البيان لم يحدد عدد القتلى في صفوف الحوثيين، ولم يصدر تأكيد مستقل لحجم الخسائر أو الأضرار، ولم تعلق الجماعة عليه في ما نُقل.

وتتقاطع هذه التطورات مع التصعيد الحوثي الأوسع، بما في ذلك الهجمات الصاروخية على جنوب السعودية، ما يوحي بأن الجماعة تضغط على أكثر من جبهة في آن واحد، في مواجهة قوى ترى أن مرحلة الهدوء النسبي انتهت.

ويبرز في خطاب النزيلي استخدام مفردات مثل "ستظل عصية"، وهي لغة تعبئة تستهدف تثبيت صورة تعز رمزا للصمود، بعد سنوات من الحصار والمعارك التي جعلتها عنوانا لمعاناة المدنيين وصمود المقاتلين معا.

حين تتحول الجبهات إلى سباق بيانات، تغدو الأرقام جزءا من المعركة، ويبقى المدنيون وحدهم من يدفع ثمنها الفعلي.

تقف تعز اليوم أمام مسارين: تصعيد مفتوح يوسع دائرة الخسائر المدنية، أو تدخل وساطات تعيد إحياء روح الهدنة المتآكلة. وبين البيانات العسكرية المتبادلة وقذائف تصيب الأحياء السكنية، يبدو أن المسار الأول هو الأقرب في المدى المنظور، ما لم يطرأ تحول سياسي يغيّر الحسابات.

وفي الأثناء، يبقى سكان المدينة، الذين اعتادوا على إيقاع الحرب، أول من يتحمل أعباء كل جولة جديدة، بينما تتبادل الأطراف الروايات حول من يتقدم ومن يتراجع.