منوعات

السبت - 05 سبتمبر 2026 - الساعة 12:46 م بتوقيت اليمن ،،،


يُعد الأديب والصحفي والمناضل العدني محمد سعيد مسواط واحداً من أبرز الشخصيات الثقافية والوطنية في تاريخ عدن الحديث، فقد جمع بين الإبداع الأدبي والعمل الصحفي والنشاط النقابي والسياسي، وترك بصمة خالدة في مسيرة الحركة الفكرية والثقافية في المدينة.

وُلد محمد سعيد مسواط في مدينة الشيخ عثمان بعدن عام 1930م، ونشأ في مرحلة شهدت فيها عدن تحولات سياسية واجتماعية كبيرة، ما أسهم في تشكيل وعيه الفكري والثقافي، ودفعه إلى الانخراط في قضايا المجتمع والدفاع عن تطلعات أبنائه.

بدأ مسيرته المهنية في مجال التعليم، حيث عمل معلماً في مدرسة النهضة العربية بالشيخ عثمان، ثم ابتُعث إلى معهد بخت الرضا في السودان وحصل على دبلوم في التربية، ليواصل بعدها رسالته التعليمية، قبل أن ينتقل إلى الصحافة والعمل النقابي.

برز اسمه في الصحافة العدنية من خلال كتاباته في عدد من الصحف، من بينها العامل والحقيقة والعمال، غير أن حضوره الأبرز كان عبر صحيفة البعث التي تولى فيها منصب السكرتير ومدير التحرير، وقدم من خلالها زاويته الشهيرة "شابوك مارو" التي عُرفت بجرأتها في تناول القضايا السياسية والاجتماعية.

حملت مقالاته صوتاً وطنياً واعياً، فقد ناقش قضايا التحرر، والحركة الوطنية، ومستقبل المجتمع، بأسلوب جمع بين التحليل والطرح الجريء، ليصبح واحداً من الأقلام المؤثرة في الصحافة العدنية خلال خمسينيات القرن الماضي.
وفي الجانب النقابي، كان محمد سعيد مسواط من الشخصيات الفاعلة في الحركة العمالية، إذ شارك في تأسيس الجبهة الوطنية المتحدة عام 1955م، وكان له دور في إعداد مشروع تأسيس حزب الشعب الاشتراكي المنبثق عن الحركة النقابية، كما تولى رئاسة نقابة البنوك، ثم نقابة التربية والمهن التعليمية، مدافعاً عن حقوق العمال والمعلمين.

أما في الأدب، فقد سجل اسمه كأحد رواد القصة القصيرة في عدن واليمن، حيث أسهم في ترسيخ هذا الفن بأسلوب واقعي ارتبط بحياة الناس وتفاصيل المجتمع العدني. ومن أبرز قصصه: "سعيد المدرس"، "أنا الشعب"، "الحصاد"، "صفعة وخد"، و"الرفيق".

تميزت قصصه بقدرتها على تصوير الواقع الاجتماعي والإنساني، واستخدام مفردات البيئة العدنية الأصيلة، فكانت أعماله مرآة للحياة اليومية في المدينة، وجمعت بين جمال اللغة العربية وروح المكان.

وكانت قصة "سعيد المدرس" محطة بارزة في مسيرة القصة القصيرة اليمنية، إذ مثلت انتقالاً مهماً نحو البناء الفني والنضج الأدبي، بعد أن كانت البدايات الأولى لهذا الفن يغلب عليها الطابع الوطني والسياسي المباشر.

كما كان مسواط مثقفاً واسع الاطلاع، يجيد اللغتين العربية والإنجليزية، وهو ما ساعده على متابعة الأدب العالمي وترجمة بعض المقالات الأجنبية ونشرها في الصحافة العدنية ضمن زاوية "ماذا يقولون عنا".

مكتبة مسواط.. ذاكرة عدن الثقافية

ارتبط اسم محمد سعيد مسواط لاحقاً بأحد أبرز المعالم الثقافية في عدن، وهي مكتبة مسواط الواقعة في شارع محمد علي لقمان بمدينة كريتر. ويعود المبنى في الأصل إلى عام 1919م، حيث كان مقراً لبلدية عدن، قبل أن يتحول إلى مكتبة عامة حملت اسم "مكتبة ليك" التي افتتحت عام 1951م.

كانت المكتبة آنذاك من أهم المنارات الثقافية في المدينة، واحتوت على نحو 30 ألف مجلد باللغات العربية والإنجليزية والأردية، إضافة إلى 10 آلاف كتاب ضمن مكتبتها العامة المتنقلة التي كانت تخدم المناطق التي لا تتوفر فيها مكتبات، مثل التواهي وخورمكسر والمعلا والشيخ عثمان والمنصورة ودار سعد وعدن الصغرى.

وكانت المكتبة المتنقلة، وهي عربة مخصصة لنقل الكتب، تزور تلك المناطق أسبوعياً، في صورة تعكس المكانة الثقافية التي تمتعت بها عدن كمدينة للعلم والمعرفة. كما اعتمدت المكتبة نظام إعارة الكتب للقراء، حيث خصصت آلاف الكتب لخدمة الباحثين والمهتمين بالقراءة.

وفي عام 1963م أُطلق على المكتبة اسم "مكتبة مسواط" تخليداً للأديب والمناضل العدني وتقديراً لدوره الثقافي والوطني، ثم نُقلت محتوياتها لاحقاً إلى المكتبة الوطنية عند تأسيسها عام 1980م. وفي مراحل لاحقة أُعيد إحياء المبنى ليواصل رسالته الثقافية تحت مسمى مكتبة عدن للأطفال ثم مكتبة مسواط للأطفال، لتظل شاهداً على تاريخ عدن الثقافي وإرث أحد أبرز رجالاتها.

وفي 28 أبريل 1962م، رحل محمد سعيد مسواط في مستشفى الملكة (الجمهورية حالياً) بعد معاناة مع المرض، عن عمر لم يتجاوز الثانية والثلاثين عاماً، وكانت وفاته خسارة كبيرة للحركة الثقافية والنقابية في عدن، حيث شيّعه أبناء الشيخ عثمان في جنازة شعبية مشهودة.

ورغم رحيله المبكر، بقي اسم محمد سعيد مسواط حاضراً في ذاكرة عدن، بوصفه أديباً رائداً وصحفياً جريئاً ومناضلاً جعل من الكلمة وسيلة للدفاع عن الوعي والحرية والإنسان.

#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة