أخبار وتقارير

الخميس - 27 أغسطس 2026 - الساعة 12:16 م بتوقيت اليمن ،،،

د. عبدالله عبدالصمد


لم تكن أحداث حضرموت مجرد محطة عسكرية أو أزمة سياسية عابرة، بل مثلت، في تقديري، نقطة تحول أعادت تشكيل المشهد الجنوبي بأكمله. فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد معادلات النفوذ كما كانت، ولم تعد القوى الإقليمية تدير الملف الجنوبي بالأدوات نفسها التي استخدمتها خلال السنوات الماضية. وما بدا في حينه خلافاً ميدانياً محدوداً، تحول مع مرور الأشهر إلى بداية مرحلة جديدة، لا تزال تداعياتها تتكشف حتى اليوم.

على مدى سنوات الحرب، تشكلت في الجنوب معادلة معقدة قوامها حضور إماراتي واسع في الملفات العسكرية والأمنية، مقابل دور سعودي يتركز بدرجة أكبر في إدارة التحالف والملفات السياسية. إلا أن هذه المعادلة بدأت تتغير تدريجياً، حتى جاءت أحداث حضرموت لتمنح الرياض دوراً أكثر مباشرة في إدارة الملف الجنوبي، سياسياً وعسكرياً، لتصبح خلال الأشهر السبعة التالية الطرف الأكثر تأثيراً في رسم السياسات اليومية داخل الجنوب.

غير أن انتقال مركز إدارة الملف إلى الرياض لم يؤدِ تلقائياً إلى تحقيق الاستقرار. بل على العكس، دخل الجنوب في مرحلة أكثر تعقيداً. فالخدمات تراجعت بصورة غير مسبوقة، والاقتصاد واصل الانهيار، والحكومة بدت أكثر ضعفاً، بينما اتسعت الهوة بين السلطة والمواطن، وتزايدت الانتقادات لأداء مجلس القيادة الرئاسي، في ظل استمرار الخلافات داخله، وتصاعد الحديث عن تركّز القرار في يد رئيس المجلس، رشاد العليمي، بما في ذلك التعيينات وإدارة كثير من الملفات السياسية والإدارية.

وفي الوقت نفسه، لم يتحقق الوعد الذي انتظرته قوى جنوبية كثيرة بإطلاق حوار جنوبي–جنوبي وبدلاً من ذلك، استمرت إدارة الأزمة عبر إجراءات مرحلية لم تنجح، في نظر كثيرين، في بناء الثقة أو احتواء حالة الاحتقان التي أخذت تتسع مع مرور الوقت.

ومن أبرز الرهانات التي اعتمدت عليها الرياض خلال هذه المرحلة، توسيع دائرة التأثير السياسي والإعلامي، عبر استقطاب شخصيات سياسية وإعلامية ومؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي، انطلاقاً من قناعة بأن إعادة تشكيل الخطاب العام يمكن أن تفتح الطريق نحو إعادة تشكيل المزاج الشعبي. لكن هذا الرهان واجه واقعاً أكثر تعقيداً. فالقضية الجنوبية، بالنسبة للاغلبية من المجتمع، ليست مجرد خطاب إعلامي يمكن تغييره، بل قضية تشكلت عبر تاريخ طويل من الصراع، وترتبط بالهوية والذاكرة السياسية، وهو ما جعل تأثير هذه السياسة محدوداً، بل أدى في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية عززت مشاعر الرفض والتمسك بالمواقف السابقة.

وفي الجانب العسكري، برز تحول لا يقل أهمية. فالقوات المسلحة الجنوبية، وقوات المجلس الانتقالي الجنوبي، التي كانت طوال سنوات من أبرز القوى المشاركة في مواجهة الحوثيين، دخلت بعد أحداث حضرموت مرحلة مراجعة عميقة. فقد رأت قطاعات واسعة داخل الجنوب أن ما جرى في حضرموت غيّر قواعد العلاقة مع الرياض، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الشراكة وحدودها. ومنذ ذلك الوقت، أخذت تتسع الأصوات التي ترى أن أي مشاركة عسكرية مستقبلية يجب أن تكون مرتبطة بالدفاع عن الجنوب وحدوده، لا بالانخراط في معارك خارج هذا الإطار.

وفي المقابل، فإن الاعتقاد بأن تراجع الحضور الإماراتي المباشر يعني انتهاء نفوذ أبوظبي في الجنوب يبدو، في ضوء كثير من الدراسات والتحليلات، استنتاجاً متسرعاً. فالنفوذ لا يقاس فقط بعدد القوات أو حجم الوجود العسكري، بل أيضاً بالشبكات السياسية والاجتماعية والمؤسساتية التي تُبنى على مدى سنوات، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً من مجرد انتقال النفوذ من عاصمة إلى أخرى.

إن الجنوب اليوم لا يعيش فقط أزمة إدارة أو أزمة خدمات، بل يعيش مرحلة إعادة تشكيل كاملة للتوازنات السياسية والعسكرية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يدير الجنوب اليوم؟ وإنما: من يمتلك القدرة على إدارة الجنوب في السنوات القادمة؟ وهل تكفي أدوات النفوذ التقليدية للإجابة عن هذا السؤال، أم أن الوقائع التي فرضتها السنوات الماضية ستقود إلى معادلة مختلفة تماماً؟

هذه الأسئلة ستكون مدخلنا لفهم ما جرى ويجري في الجنوب، لأنها لا تتعلق فقط بمستقبل حكومة أو مجلس سياسي، وإنما بمستقبل قضية ما زالت تمثل أحد أكثر ملفات المنطقة تعقيداً وحساسية.

وفي الجزء الثاني، سنتوقف عند سؤال لا يقل أهمية: إذا كانت الإمارات قد خففت حضورها العسكري والسياسي المباشر، فلماذا لا يزال كثير من الباحثين ومراكز الدراسات الدولية يرون أن نفوذها في الجنوب لم ينتهِ، وأن اجتثاثه أصبح أكثر تعقيداً من مجرد انسحاب عسكري أو قرار سياسي؟