الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - الساعة 03:16 م
• أمرٌ مؤلم أن يجد اليمنيون أنفسهم اليوم بين أمرين: وحشية وتخلف وعبودية جماعة الحوثي، وبين شرعية "ملطشة" ودولة بلا ملامح، وسلطة تآكلت هيبتها لتتحول إلى مادة للسخرية والتندر في الجلسات ودردشات "الواتساب"، بسبب هشاشة القائمين على الشرعية وانشغالهم بإشكاليات شخصية أو نسائية. والمفارقة أن هذا الشعب المُحاصر بين رصاص الحوثي وجوع لا ينتهي، ما زال يُطالَب بتصديق أن ثمة "شرعية" تحكمه، فيما لا يرى منها سوى ظلٍّ يتوارى خلف شاشات الفنادق.
• الحوثي يقصف الجبهات، ورجالات مجلس القيادة منشغلون بتعيينات العليمي الفردية، لا تأكيدًا لمبدأ النظام بقدر ما هو غضب (ونحن نريد حصتنا في التعيينات). ميناء المخا يدمر بصواريخ الحوثي، ودائرة مكتب الرئاسة منشغلة بالذود عن مديرها وموظفيه واستذكار تاريخهم.. اخفاءً للعشرات من القصص المشابهة، التي لم تعد خافية على أحد وأصبحت محل تندر وسخرية من قبل كبار وصغار الشرعية وخصومهم، لنجد أن "الشرعية" تقف اليوم على أطلال ما كان يُسمى "دولة"، لتنسج واحدة من أكثر الدرامات الهزلية لوطن يضيع في دهاليز قيادة بلا ملامح.
• ذات مرة كان مجموعة من الأصدقاء يتندرون على ضعف وهشاشة رجال الشرعية، بما فيهم الرئيس وبعض وزرائه. قلت لهم حينها: ألم يكن العليمي من رجالات الدولة الذين كان يُنظر إليهم بثقل؟ ما الذي حدث له الآن؟ توالت التحليلات، والتفسيرات حتى قال أحدهم - وربما أقنعني قوله-: كانت هيبة الدولة، برغم كل المآخذ عليها، حاضرة من خلال شخصية الرئيس القوية و كنا نشعر أن خياراته بنفس قوته، واعتقدنا حينها أنهم "رجال دولة"... وما إن ارتفع غطاء "صالح" حتى تآكلت تلك الهاله، وهوت درجة بعد أخرى وصولا الى عهد الرئيس هادي، الذي أشعرنا أن كل رجالاته بنفس ضعف شخصيته، لتهبط هالة الدولة اليوم إلى القاع السحيق في عهد العليمي ورجالاته.
• كيف لرئيس دولة يخوض بلده حربًا ، يتمزق الوطن في عهده إلى كانتونات مصغّرة، يعيش شعبه مجاعة طاحنة وينهار اقتصاد بلده ، أن يجد الوقت ليعيش لحظات لنفسه.. ناهيك عن فراغٍ يهوي بوطن الى قاع الجحيم !.
رئيسٌ يجلس مع ناشط أربع ساعات، ومع آخر ثمان ساعات ـ كما وثّقها وكتبها بعض المتباهين بلقاء فخامته ـ ويقضي نصف يوم مع صحفي .. لا لتدارس خطة إنقاذ أو حل أزمة خدمات ، بل للتحقيق والمحاولة القائمة على استمالة كل من يكتب ضده بالمال أو الوعود .. حتى لو كان احد رواد صفحات التواصل الاجتماعي ! .. وبينما ينتظر الملايين قراراته التي تُعيد للبلد أنفاسه، يغرق الرئيس وفريقه في تتبع المنشورات والتغريدات، وكأن مقاليد الحكم أصبحت تُدار بعقلية "مدير القروب" ليُطارد الناقدين بدلاً من إدارة أزمات وطنه المحتضر.
• لا أجد نفسي هنا قادرًا على الحياد. سأقولها بصراحة ودون مواربة: للعليمي ومكتبه وحاشيته،.. والله إننا أصبحنا نشعر بالعار منكم ومن قصصكم التافهة التي لا تنتهي، وبأنكم أصبحتم أضحوكة في التنافس على الصغائر. ... حتى أعياد الميلاد تتابعونها في صفحات الفيسبوك لتتسابقوا على تقديم التهاني، الوعود التي لا تنتهي بالمنح وتوزيع المناصب وتفصيلها للمستحقات وغيرهن ..
... وأقسم إن قصصكم كثيره وغريبة،وقد اعجزتنا صغائركم عن التعبير والكتابه .. ولو أني أظن أن فيها الكثير من خيال المُبغِضين، لكن لا دخان من غير نار.
• فقد أضحت قصصكم الهزيلة حديث العام والخاص، ومادة خصبة للنكات اليومية والضحك المُرّ بين أبناء الشعب الذين يقتلهم الجوع، وحتى لدى المتخمين من رجالات الدولة وأحزاب الشتات.. بات الجميع يتحسرون وهم يرون التعيينات الحكومية مأسورة بالقرابة والمصاهرة .. وتلك الوساطة التي تظهر فجأة .. لنجد شخصاً يهبط بباراشوت على رأس وزارة سيادية ..
• وفي مشهد يختصر حجم الضآلة التي وصلت إليها قيادة الشرعية، نستيقظ يومًا على تصريح مخلٍّ لوزير، وبيان نصفه امتنان ونصفه شكر لدولة ما، فيما وزير آخر يشكر ويتذلل لدولة ثانية، وحزب كبير يوجّه قطيعة بالذود عن دولة ثالثة. ومع اختلافاتهم وخلافاتهم إلا أن ما يجمعهم هو التنافس في صب عبارات الشكر المبتذلة، والتفريط في السيادة الوطنية ، حتى بات الجميع في هرم الدولة عاجزون عن اتخاذ قرار أو خطوة قبل أن يستشفوا أمنيات "الأشقاء".
• ولم تقف المهزلة عند حدود القرار المنزوع، بل امتدت لتشمل "القيادة بالوكالة" والغيبوبة السياسية التامة؛ إذ أصبحت المحافظات المحررة تُدار عبر توجيهات خارجية ورسائل "الواتساب"، بينما يقيم الرئيس ومجلسه الموقر في أروقة فنادق الشتات، منفصلين تمامًا عن واقع الأرض ومعاناة الناس... وحتى "مجلس الثمانية" الذي بَشّروا به كخشبة نجاة، تحوّل إلى ساحة صراع بين أطرافه على المحاصصة والنفوذ و الولاءات وتوزيع المصالح ، وحينما أضحى فيه رئيس المجلس معتقدا بقدرته على اتخاذ القرار المنفرد -بعد خروح عيدروس- اتضح ان ارادته ناقصة بدون دعم خارجي.. الامر الذي جعل المجلس غارقًا في شلل تنفيذي وعجز سيادي .. لا يخدم سوى استطالة أمد الانهيار.
• هذا الانفصال عن الأرض لم يبق في حدود الفنادق البعيدة، بل يتكرر مشهده في عدن نفسها، حيث تكتمل هذه التراجيديا المضحكة بأداء "شرعية الفنادق" وظاهرة الهروب المستمر من مواجهة الناس؛ فقد أضحت العاصمة المؤقتة للشرعية مجرد محطة "ترانزيت" يزورها الرئيس لأيام قليلة لالتقاط الصور الرسمية، قبل ان يسرع بالفرار مجددًا ليعيش حياة الاغتراب السياسي الدافئة.
• لسنا هنا استثناءً عصيًّا على التاريخ؛ فالشرعيات الهاربة من مواجهة شعوبها ليست بدعة يمنية خالصة، فكم من "حكومة عربية او افريقية عاشت في المنفى" بينما كانت شعوبها تحترق بنيران الصراع ، لتنتهي إلى النسيان أو الاستبدال. لكن الفارق بيننا وبينهم أن شعوبهم كانت تنتظر منهم شيئًا؛ أما نحن فقد بلغنا مرحلة لم يعد فيها أحد ينتظر، بل صرنا نتندر ونضحك فقط لأن البكاء وحده لم يعد يكفي.
• الآن، ونحن نتحسر على هيبة دولة، نرى أن أولئك الذين كانوا يملأون الشاشات ضجيجًا، وعلى صدورهم النياشين ببدلاتهم الأنيقة ومناصبهم الرفيعة، ليسوا سوى "رجالات من ورق"..، تساقطت أوراقهم مع أول هبّة نسيم، ليقتصر دورهم على التملق والتسبيح بحمد الكفيل .. وحينما نقرأ بياناتهم .. نشعر اننا نقرأ .. نعي الكرامة الوطنية.
هكذا أثبتت الأيام أن شعبًا يئن تحت الحرب والمجاعة، يُدار برئاسة تحترف الهروب وتقتات على التفاصيل الصغيرة، وتبحث عن مصالحها الكثيرة .. لتظل هيبة الدولة غائبة، وحضورها مجرد صدى ضاحك ومؤلم في آن واحد.
#صحيفة_النداء