عرب وعالم

السبت - 15 أغسطس 2026 - الساعة 01:11 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


عاد زلزال إندونيسيا إلى الواجهة باعتباره تذكيرًا جديدًا بالقوة الهائلة التي تختزنها الأرض تحت أقدام البشر. ففي الساعات الأولى من صباح السبت، ضرب زلزال بلغت قوته 7.7 درجات منطقة قبالة سواحل جزيرة فلوريس شرقي إندونيسيا، وأسفر، وفق حصيلة أولية، عن مقتل 20 شخصًا وإصابة ستة آخرين، بينما ظلت عمليات البحث والإنقاذ مستمرة للعثور على شخصين تحت الأنقاض.

حدد المرصد الأميركي مركز الزلزال قبالة الساحل الشمالي لجزيرة فلوريس، على بعد نحو 68 كيلومترًا شمال غرب مقاطعة أندي، وعلى عمق يقدر بنحو عشرة كيلومترات فقط. وهذا العمق المحدود يفسر جانبًا من خطورة الزلزال، إذ إن الزلازل القريبة من سطح الأرض يمكن أن تنقل طاقة قوية إلى المناطق القريبة من مركزها، ما يزيد من احتمال تعرض المباني والمنشآت لأضرار كبيرة، خصوصًا عندما تكون البنية العمرانية غير مهيأة لمقاومة الهزات الأرضية.

ولم يكن الزلزال الرئيسي حدثًا منفردًا، إذ أعقبته هزتان ارتداديتان بلغت قوتهما 5.6 و5.9 درجات. والهزات الارتدادية ظاهرة مألوفة بعد الزلازل الكبيرة، وقد تستمر لبعض الوقت، وهو ما يجعل عمليات الإنقاذ أكثر صعوبة، ويجبر فرق الطوارئ على العمل وسط خطر انهيارات جديدة.

كما أثار الزلزال مخاوف من احتمال وقوع تسونامي، بعدما أصدرت السلطات الإندونيسية تحذيرًا من موجات مد عاتية قبل أن ترفعه بعد فترة قصيرة. وتكشف هذه الخطوة أهمية أنظمة الإنذار المبكر في المناطق الساحلية المعرضة للزلازل؛ فالهزة الأرضية لا تمثل الخطر الوحيد في مثل هذه المناطق، وإنما يمكن أن تتبعها سلسلة من المخاطر الثانوية، من بينها أمواج التسونامي والانهيارات الأرضية والحرائق وانقطاع شبكات الكهرباء والاتصالات.

لكن لماذا تتعرض إندونيسيا تحديدًا لهذا العدد الكبير من الزلازل؟

الإجابة ترتبط بموقعها الجغرافي. فإندونيسيا تقع ضمن ما يعرف بـ"حلقة النار" في المحيط الهادئ، وهي واحدة من أكثر المناطق نشاطًا زلزاليًا وبركانيًا في العالم. وتمتد هذه المنطقة عبر نطاق واسع يحيط بالمحيط الهادئ، مرورًا باليابان وجنوب شرق آسيا وصولًا إلى مناطق أخرى من حوض المحيط.

وتنشأ غالبية الزلازل الكبرى من حركة الصفائح التكتونية التي تشكل القشرة الأرضية. هذه الصفائح ليست ثابتة، بل تتحرك ببطء شديد فوق طبقات أكثر ليونة في باطن الأرض. وعندما تتقابل الصفائح أو تنزلق إحداها تحت الأخرى أو تتحرك بمحاذاة بعضها، تتراكم ضغوط هائلة في الصخور. وعندما تتجاوز هذه الضغوط قدرة الصخور على التحمل، تتحرر الطاقة بصورة مفاجئة، فتنتشر الموجات الزلزالية في الأرض.

ومن هنا يمكن فهم لماذا لا ترتبط خطورة الزلزال بقوته وحدها.

فزلزال قوي يقع في منطقة نائية قد يسبب أضرارًا محدودة، بينما يمكن لزلزال أقل قوة أن يتحول إلى كارثة إذا وقع بالقرب من مدينة مكتظة بالسكان، أو في منطقة تعاني ضعف معايير البناء، أو على عمق ضحل. ولذلك فإن تقييم الخطر الزلزالي يعتمد على مجموعة من العوامل، بينها قوة الزلزال، وعمقه، وموقع مركزه، وطبيعة التربة، وكثافة السكان، وجودة المباني وقدرة أجهزة الطوارئ على الاستجابة.

ويأتي عمق الزلزال في مقدمة هذه العوامل. فالزلزال الذي يقع على عمق ضحل يمكن أن تكون آثاره أكثر وضوحًا على سطح الأرض مقارنة بهزة مشابهة القوة تقع على أعماق أكبر. وهذا ما يجعل الزلزال الذي ضرب منطقة فلوريس مصدر قلق كبير، بالنظر إلى أن مركزه حُدد على عمق عشرة كيلومترات فقط.

أما قوة الزلزال، فتُقاس اليوم عادة بمقدار العزم الزلزالي، وهو مقياس يأخذ في الاعتبار حجم منطقة الانزلاق والطاقة التي تحررت خلال الزلزال. وكلما ارتفعت قيمة الزلزال، زادت الطاقة المنطلقة منه بصورة كبيرة، وليس بطريقة خطية بسيطة؛ لذلك فإن الفارق بين درجات الزلازل على المقياس يعكس فروقًا كبيرة في الطاقة المحررة.

وتبقى موجات التسونامي أحد أكثر التداعيات إثارة للخوف عندما يقع الزلزال تحت البحر أو بالقرب من السواحل. ولا تؤدي كل الزلازل البحرية إلى تسونامي، إذ يعتمد ذلك على طبيعة الحركة التي تحدث في قاع البحر ومدى إزاحة المياه. لكن عندما تؤدي حركة مفاجئة إلى دفع كتلة كبيرة من المياه، يمكن أن تتشكل موجات تنتشر بسرعة هائلة باتجاه السواحل.

ولهذا السبب، فإن التحذير من التسونامي بعد وقوع زلزال قوي في منطقة بحرية لا يعني بالضرورة أن كارثة بحرية ستقع، بل يمثل إجراءً احترازيًا يمنح السلطات والسكان وقتًا لاتخاذ التدابير اللازمة. وفي حالة زلزال فلوريس، أُصدر التحذير ثم رُفع بعد وقت قصير، في مثال على الدور الذي تلعبه أنظمة الرصد في تقليل المخاطر.

غير أن التكنولوجيا لا تستطيع منع الزلازل. ما تستطيع فعله هو تقليل خسائرها.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية بين الزلزال والمجتمع. فالبشر لا يستطيعون إيقاف حركة الصفائح التكتونية، لكنهم يستطيعون بناء مبانٍ أكثر مقاومة، وتطوير شبكات إنذار، وتدريب فرق الإنقاذ، ووضع خطط للإخلاء، وتعليم السكان كيفية التصرف أثناء الهزات وبعدها.

وتكشف تجارب الدول المعرضة للزلازل أن الاستثمار في الوقاية يمكن أن يكون أكثر أهمية من انتظار الكارثة ثم محاولة التعامل معها. فالمبنى المصمم وفق معايير مقاومة للزلازل لا يمنع حدوث الهزة، لكنه يمكن أن يقلل احتمال انهياره، ويمنح الموجودين داخله فرصة أكبر للنجاة.

كما أن الثواني والدقائق الأولى بعد وقوع الزلزال قد تكون حاسمة. فالانهيارات، وانقطاع الكهرباء، وتعطل الاتصالات، والحرائق، والهزات الارتدادية، كلها تحديات تحتاج إلى استجابة منظمة وسريعة. وكلما كانت خطط الطوارئ واضحة، وفرق الإنقاذ مدربة، والمستشفيات مستعدة، أمكن تقليل الخسائر البشرية.

ولذلك فإن زلزال إندونيسيا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد كارثة طبيعية جديدة، بل باعتباره تذكيرًا بحقيقة أكثر اتساعًا: الخطر الزلزالي لا تحدده الطبيعة وحدها، وإنما تحدده أيضًا درجة استعداد المجتمعات لمواجهته.

إندونيسيا، بحكم موقعها داخل حلقة النار، تعرف أنها تعيش في واحدة من أكثر مناطق العالم نشاطًا زلزاليًا. ولذلك فإن التحدي أمامها لا يتمثل في منع الزلازل، وهو أمر مستحيل، بل في جعل مدنها وقراها ومؤسساتها أكثر قدرة على الصمود أمامها.

وفي النهاية، تظل الزلازل واحدة من أكثر الظواهر الطبيعية قسوة وغموضًا. فهي تحدث في دقائق، لكنها قد تغير حياة مجتمعات بأكملها لسنوات. وبينما لا يستطيع الإنسان التحكم في حركة الأرض، فإنه يستطيع التحكم في مقدار استعداده عندما تتحرك.

وهذه هي الرسالة الأهم التي يحملها زلزال فلوريس: الزلزال قد يكون طبيعيًا، لكن حجم الكارثة ليس قدرًا محتومًا.