عرب وعالم

الأربعاء - 05 أغسطس 2026 - الساعة 08:21 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


لم تعد تداعيات الصراع في المناطق الحدودية بين لبنان وسوريا وإسرائيل تقتصر على العمليات العسكرية والخسائر البشرية، إذ برز ملف جديد يتعلق بالأضرار البيئية والزراعية، بعد تقرير لصحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" الألمانية تحدث عن استخدام طائرات صغيرة لرش مبيد "الغليفوسات" عالي التركيز فوق أراضٍ زراعية في جنوب سوريا ومناطق حدودية من لبنان، ما تسبب، وفق شهادات وتقارير محلية، في أضرار واسعة طالت المحاصيل والأشجار ومصادر رزق المزارعين.

وبحسب التقرير الألماني، فإن عمليات الرش أدت إلى توقف نمو عدد من المحاصيل الزراعية الأساسية، من بينها القمح والعدس والباذنجان، إضافة إلى تضرر أشجار الزيتون التي تمثل مورداً اقتصادياً مهماً لسكان المناطق الجنوبية والحدودية.

وأشار التقرير إلى أن تأثيرات هذه العمليات لم تقتصر على موسم زراعي واحد، بل امتدت إلى قدرة الأراضي على الإنتاج، ما دفع عدداً من المزارعين إلى البحث عن أراضٍ بديلة أو التفكير في ترك النشاط الزراعي الذي اعتمدوا عليه لعقود.

وفي جنوب سوريا، نقل التقرير شهادات عن مزارعين أكدوا أن أراضيهم فقدت قدرتها على الإنتاج بعد عمليات الرش. وقال مختار قرية صمدانية السورية هايل العبدالله إن حقول عائلته التي تمتد على نحو 30 هكتاراً توقفت عن العطاء، ما تسبب له بخسائر كبيرة وضعته أمام أزمة مالية صعبة.

ويرى عدد من المتضررين أن استهداف الأراضي الزراعية لا يمثل مجرد خسارة اقتصادية، بل يهدد بقاء السكان في مناطق تعتمد بشكل أساسي على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.

ووفق التقرير، امتدت آثار الرش إلى نحو 70 قرية سورية، فيما تضررت مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية، الأمر الذي دفع الجهات المختصة إلى التحذير من تداعيات إضافية على الثروة الحيوانية، بعدما أصبحت مساحات من المراعي غير صالحة للاستخدام، ما يهدد مربي المواشي بفقدان مصادر العلف ورفع تكاليف الإنتاج.

وفي لبنان، اتخذ الملف بعداً رسمياً، بعدما تحدث التقرير عن خسائر زراعية كبيرة في الجنوب اللبناني جراء استخدام مبيد الغليفوسات.

ونقل عن وزير الزراعة اللبناني نزار هاني تقديره للخسائر بنحو 800 مليون دولار، مشيراً إلى أن تركيزات المبيد المستخدمة تجاوزت المستويات الطبيعية بما بين 30 و50 ضعفاً، وهو ما يزيد المخاوف من آثار طويلة الأمد على التربة والمحاصيل والصحة العامة.

ووصف الرئيس اللبناني جوزيف عون الواقعة بأنها "جريمة بيئية وصحية"، معلناً التوجه إلى تقديم شكوى رسمية أمام الأمم المتحدة، في خطوة تعكس انتقال القضية من مستوى الأضرار الزراعية المحلية إلى ملف سياسي وقانوني دولي.

كما أشار التقرير إلى أن قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "أندوف" أكدت أن الطائرات التي نفذت عمليات الرش جاءت من الجانب الإسرائيلي.

ويأتي الجدل حول الغليفوسات في ظل تاريخ طويل من الانتقادات الموجهة لهذا المبيد، الذي يستخدم عالمياً لمكافحة الأعشاب الضارة، لكنه أثار مخاوف بيئية وصحية بسبب آثاره المحتملة عند استخدامه بكميات كبيرة أو بتركيزات مرتفعة.

وقد أصبح اسم المادة مرتبطاً بالعديد من النزاعات القضائية والبيئية، خصوصاً بعد استحواذ شركة "باير" الألمانية على شركة "مونسانتو" المنتجة الرئيسية لمبيدات قائمة على الغليفوسات.

وسلط التقرير الضوء كذلك على اتهامات وجهتها منظمات غير حكومية إلى شركة "باير"، معتبرة أنها ساهمت في توفير مواد تستخدم ضمن ما وصفته بـ"سياسة الأرض المحروقة". إلا أن الشركة نفت هذه الاتهامات، وأكدت أنها لم تقم بتوريد الغليفوسات أو الفوسفور الأبيض إلى إسرائيل، مشيرة إلى محدودية نشاطها في السوق الإسرائيلية.

كما تطرق التقرير إلى اتهامات سابقة بشأن استخدام مبيدات أعشاب بالقرب من قطاع غزة، حيث اتهمت جهات فلسطينية إسرائيل برش مبيدات أدت إلى إلحاق أضرار بالأراضي الزراعية وتحويل مساحات منتجة إلى أراضٍ متدهورة.

ويقول منتقدون إن هذه الممارسات، في حال ثبوتها، تمثل استخداماً للبيئة والزراعة كأدوات ضغط خلال النزاعات.

وفي المقابل، رفض الجيش الإسرائيلي الاتهامات المتعلقة باستخدام الفوسفور الأبيض لإشعال الحرائق، مؤكداً أن ما استخدمه كان قنابل دخانية مسموحاً بها، لكنه لم يقدم توضيحات بشأن الاتهامات المتعلقة برش الغليفوسات، وفق ما أورده التقرير.

وتعيد قضية المبيدات فتح نقاش أوسع حول مفهوم الحرب الحديثة، حيث لم تعد الأضرار تقتصر على المواقع العسكرية والبنى التحتية، بل تمتد إلى الموارد الطبيعية والقطاعات الحيوية التي يعتمد عليها المدنيون. فالزراعة في المناطق الحدودية ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل تمثل ارتباطاً بالأرض ومصدراً للاستقرار الاجتماعي، وأي ضرر طويل الأمد يصيبها قد يؤدي إلى تغييرات ديموغرافية واقتصادية عميقة.

وبينما يطالب لبنان بإجراء تحقيق دولي، ويستمر الجدل حول المسؤولية عن الأضرار التي لحقت بالأراضي الزراعية في سوريا ولبنان، يبقى ملف الغليفوسات واحداً من أكثر القضايا إثارة للجدل في سياق الصراع الإقليمي، لما يحمله من أبعاد بيئية واقتصادية وإنسانية قد تستمر آثارها لسنوات طويلة.