منوعات

السبت - 13 يونيو 2026 - الساعة 12:41 م بتوقيت اليمن ،،،

نصيب الحارثي


القرآن يكرر لفظ «القُرى» عشرات المرات، مثل

{وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً}{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا}( ولقد اهلنا ماحولكم من القرى)( وتلك القرى اهلكناها لم ظلموا وجعلنا لمهلكها موعدا)( واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذا جاءهم المرسلون)( انا لمنزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء)( تلك القرى نقص عليك من انبائها)وهذا الاختيار اللفظي يدل على أن المجتمعات التي عاصرها الأنبياء كانت ذات طابع قروي ريفي أكثر من كونها حضريّة مدنية. التناسب الجغرافي والبيئي ،اليمن تاريخيًا كانت تُوصف بأنها بلاد الأودية والقرى،حيث تنتشر القرى الزراعية الصغيرة على امتداد الجبال والهضاب ،وهناك مازال بقايا اثار واطلال لقرى في كل منطقة باليمن وهي منتشرة انتشار مأهول ،وحتى النقوش اليمنية القديمة (السبئية والمعينية والحميرية) تشير إلى تحالف قرًى ومدن صغيرة مثل: مأرب، نجران، ظفار، ريدان، شبام، حِمْيَر، وغيرها.

وكلها كانت تُدار غالبًا ضمن نظام اتحادات قروية ،فنظام القرى المتناثرة، فذكر “القرى” لا يصف بنيتها الاجتماعية بدقة ودائما النظام القروي متهالك لامحالة بسبب النظام الأحادي الفردي الذي يكون بسمة دكتاتورية ولهذا هلكت القرى بكثرة وايظن بسبب العقول التي تكون متحجرة وتكون في ذات الوقت كالقطيع تتبع بدون تفكر وتدبر ،بعكس المدن التي تدوم بسبب التحضر والمخالطة والشورى وفي ملكة سبأ دليل على ذلك.

أما فلسطين، فصحيح فيها قرى، لكنها صغيرة ومحدودة المساحة ولم تكن يوماً مملكة “قُرَوية” بالمعنى القرآني المنتشر في القصص ،ولا توجد أي بقايا أطلال نهائياً لقرى هلكت أو دمرت ولا وجود لأي اثار وتماثيل ونقوش ولاحتى فخار أو مقابر جماعية أو اي شيء يدل على الحياة القديمة والخضار فيها ،إذن البيئة التي يكثر فيها لفظ القرى وتتناسب مع وصف المجتمعات القديمة في النصوص هي فعلاً بيئة اليمن وجنوب الجزيرة العربية والتي فيها غزاره وفيرة من القرى المتناثرة والمندثرة منذ العصور القديمة وخاصة ما قبل الميلاد

الأثري واللغوي ،حتى اليوم،عند تتبع أسماء القرى القديمة في اليمن كالسراة ،تجد تشابهًا كبيرًا مع الأسماء التوراتية والقرآنية،سبأ، حضرموت، معين، نجران، ظفار،مدين، قرية شجرةالأيكة ،الاحقاف،قرية،تبع،القرنين،فاران،حيرام،شلوم ،عنه،يهر،شكيم،اوفير، والكثير من الأسماء التي للبيع ذكرها كلها أسماء ذات جذور عميقة ،كذلك في القرآن وردت أوصاف مثل {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً} (سبأ:18)وهذا وصف دقيق لطبيعة المسافة القريبة والمتسلسلة بين القرى الجبلية في سراة اليمن ،بحيث تسير من قرية إلى أخرى دون انقطاع، تمامًا كما هو الواقع هناك ،حتى اليوم،بينما فلسطين لا تتوافر فيهما تلك الخاصية الطبوغرافية بهذا الشكل المتواصل.

فالقراءة الجغرافية للنص تبين تكرار لفظ القرى في القصص القرآني،وطبيعة القرى المتقاربة المتصلة المذكورة في سورة سبأ،وقرب المسافات بين الممالك (كما في قصة سليمان وسبأ)،(ويوسف وإخوته) وغياب آثار داودية سليمانية في فلسطين،اثارا وبقايا بعض القرى الكثير المتناثرة في جبال وسهول اليمن وهي بقايا على الأطلال لن تجده في اي مكان اخر غير اليمن ،فإن المنطقة المنطقية جغرافيًا لكل هذه الأحداث هي الجزيرة العربية الجنوبية (اليمن) فهناك تجد التضاريس، والقرى المتناثرة، والممالك الصغيرة المتجاورة التي يمكن أن تنشأ فيها مثل هذه القصص ،وللعلم في مصر مدن نهرية مركزية،فلسطين مدن قليلة ونادرة في اليمن وجنوب الجزيرة قرى كثيرة ومتناثرة ومدن حضارية ،ووصف “القرى” للنصوص

في مصر لا ينطبق بدقة وفي فلسطين محدود جدًا وفي اليمن ينطبق تمامًاً

الآثار القديمة المطابقة للنصوص ،في مصر وفيرة لكنها فرعونية خاصة، في فلسطين نادرة جدًا ،في اليمن غزيرة من سبأ وحِمْيَر ومعين وقتبان واوسان وظفار وغيرها ومع الانسجام مع "القرى الظاهرة" (سبأ ) ،القرآن الكريم يرسم لنا جغرافيا مقدسة هي جنوب غرب الجزيرة العربية (اليمن )، حيث ، الخصوبة والجنات والعيون المسافات القريبة بين الأحداث (قصة يوسف وإخوته) الحضارات العظيمة ذات الصروح والعمارة (قوم عاد، سبأ وغيرها)الجبال الشاهقة التي ذكرت في القرآن (وليست جبال فلسطين المتواضعة).

أما فلسطين الحالية، فلم تذكر صراحة في القرآن كمسرح لهذه الأحداث، بل تم إسقاط الجغرافيا التوراتية لاحقاً على أرض فلسطين لأسباب سياسية تابعة للمشروع الصهيوني ،القرآن يقدم جغرافيا مباركة مختلفة عن جغرافيا التوراة المحرفة. وهذا يتطلب منا إعادة قراءة النص القرآني بعيداً عن التأويلات التوراتية التي شوهت فهمنا لمسار التاريخ.

((في المنشور القادم سوف نوضح اماكن القرى حسب الآيات باليمن ))

إعداد/ نصيب محمد الحارثي