منوعات

الثلاثاء - 02 يونيو 2026 - الساعة 01:08 م بتوقيت اليمن ،،،

محمد الصالحين الهوني


حين شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما على إيران، لم تكن الرياض طرفا في القرار. لكنها، كما سائر دول الخليج، كانت طرفا في التداعيات. في غضون أيام، وجدت المملكة نفسها في قلب أزمة متشعبة: حرب أشعلها آخرون، وحليف لا يستشيرها، وإقليم يترقب قرارها. ما كان لافتا ليس الردّ العسكري -الذي جاء مقيّدا ومحسوبا- بل الدبلوماسية المتحركة في كل الاتجاهات. هذا هو النهج السعودي في 2026: إدارة مخاطر، لا مغامرة مجهولة العواقب.

هذا النهج ليس وليد الأزمة الراهنة. الرياض أمضت السنوات الأخيرة تبني سياسة خارجية تقوم على منطق المسافة المُحسوبة. التطبيع مع إيران عام 2023 بوساطة صينية كان رهانا براغماتيا على أن جارة صعبة تُعالَج بالاحتواء لا بالمواجهة. وحين اندلعت الحرب وأسقطت تلك الرهانات، لم تتخلَّ الرياض عن أداتها، بل وظّفتها في سياق مختلف. ففي السابع عشر من أيار/مايو، أجرى وزيرا خارجية إيران والسعودية محادثة هاتفية ناقشا خلالها العملية الدبلوماسية الجارية بين طهران وواشنطن وآخر التطورات الإقليمية. الاتصال استمر رغم الصواريخ التي اعترضتها الدفاعات السعودية، ومنها مسيّرات دخلت المجال الجوي للمملكة قادمة من العراق. وهذه ليست ازدواجية، بل عقلانية: الخصوم الذين لا تتحدث إليهم يُفاجئونك أكثر مما يفعل من تتحدث إليهم.

التحفظ السعودي على الانزلاق نحو المواجهة المباشرة مع إيران له جذور في ذاكرة قريبة. حرب اليمن التي انخرطت فيها الرياض بحسابات حسم سريع تحوّلت إلى استنزاف عسكري ومالي وإنساني. وحين يستحضر المحللون هذه الذاكرة، لا يبالغون: صانع القرار في الرياض يعرف أن إيران التي تمتلك آلاف المسيّرات وصواريخ بالستية متطورة لا تُهزم بإعلان حرب، بل ببناء توازن ردع يجعل الهجوم مكلفا أكثر من الاستقرار.

وسط هذا كله، برزت باكستان بوصفها المحور الذي تراهن عليه الرياض للوساطة في المرحلة الراهنة. الدبلوماسية الباكستانية، المدعومة ضمنيا بالنفوذ الصيني وبعلاقات إسلام آباد التاريخية مع طهران والرياض معا، هي القناة التي اختارت المملكة دفعها إلى الأمام. في الثامن من نيسان/أبريل دخلت هدنة أُعلنت بوساطة باكستانية حيز التنفيذ، تلتها محادثات استضافتها إسلام آباد في الحادي عشر من الشهر نفسه. وحين أيّدت الرياض جهود الوساطة الباكستانية في أعقاب ذلك، لم يكن الأمر مجرد مباركة خطابية. فقد صرّح وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في العشرين من أيار/مايو بأن المملكة “تقدّر عاليا جهود الوساطة الباكستانية المستمرة”، معربا عن تطلعه إلى أن “تنتهز إيران الفرصة لتجنب التداعيات الخطيرة للتصعيد” والاستجابة “على وجه السرعة لجهود دفع المفاوضات” بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يحقق سلاما دائما في المنطقة.

في غضون ذلك، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد الهدنة إلى أجل غير مسمى، بعد أن كانت محادثات إسلام آباد قد فشلت في تحقيق اتفاق دائم. ثم كشفت التطورات اللاحقة أن ترامب أرجأ هجوما عسكريا مخططا له على إيران ، وذلك بناءً على طلب دول الخليج، فيما وصفه بأنه وقت تمر فيه “مفاوضات جادة” الآن. هذا الاحتكاك مع واشنطن جزء من معادلة جديدة. الرياض تعي هذا جيّدا، وقد عبّر عنها وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان بوضوح: المملكة تُقدّر قرار ترامب “إعطاء الدبلوماسية فرصة” للتوصل إلى اتفاق مقبول لإنهاء الحرب مع إيران.

الرياض لم تعد تثق بأن واشنطن وحدها كافية. ليس لأن الشراكة تهاوت، فالمنظومة الأمنية الأميركية لا تزال العمود الفقري للدفاع الخليجي، لا أحد في الرياض يُخطّط للتخلي عنها، بل لأن الحرب كشفت عن فجوة بين الحماية العسكرية الأميركية وبين التوافق السياسي على مسار التسوية.

في المشهد الراهن، تظهر الصين كلاعب مزدوج: وسيط مع طهران وشريك اقتصادي إستراتيجي للرياض، إذ تعتمد على النفط الخليجي وتحرص على استقرار مضيق هرمز الذي تمر عبره تجارتها. الرياض تدرك هذه المعادلة وتستثمرها، فالتلويح بانخراط صيني أوسع في المنظومة الأمنية ليس مجرد ورقة تفاوضية أمام واشنطن، بل مسار فعلي تسير فيه المملكة بخطوات محسوبة.

في المقابل، يظل مضيق هرمز شريانًا للاقتصاد العالمي، وقد أغلقته إيران منذ اندلاع الحرب مؤكدة استمرار الإغلاق والهجمات، فيما شددت واشنطن على أنها ما زالت تسيطر على الممر الإستراتيجي. هذا التوتر دفع دول الخليج إلى موقف موحد، عبّرت عنه قمة جدة في أبريل برفض قاطع للإجراءات الإيرانية والمطالبة بعودة الملاحة إلى ما كانت عليه قبل الأزمة. الرسالة واضحة: إعادة فتح المضيق مطلب غير قابل للتنازل، والرياض تدرك أن ورقة هرمز ذات طابع عالمي، لذلك تتحرك على محاور متوازية تشمل أوروبا والصين وباكستان، لا على المحور الأميركي وحده.

قمة جدة الخليجية لم تكن مجرد بيان تضامن، بل إعلانا مبدئيا عن أن أي تسوية تخص مضيق هرمز أو مستقبل الأمن الإقليمي لا يمكن أن تُبرم بمعزل عن دول الخليج. البيان الختامي شدد على أن أمن المجلس غير قابل للتجزئة، وأن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على الجميع، وفق اتفاقية الدفاع المشترك. كما أشاد بقدرة الدول الخليجية على مواجهة الهجمات الصاروخية والمسيّرة بكفاءة عالية وإعادة تأهيل منشآت الطاقة بسرعة. هذا التوافق، رغم اختلاف درجات الحدة بين خط المواجهة وخط الدبلوماسية، يعكس إطارًا تسعى الرياض لترسيخه بوصفها صانعة للأجندة لا مجرد متلقية لها.

هذه الصورة الأوسع تكشف أن السعودية في 2026 تتحرك بمنطق جديد؛ لم تعد تراهن على ضمانة أمنية مطلقة من حليف واحد، ولا على مغامرة عسكرية غير محسوبة، بل تبني شبكة دبلوماسية متعددة المسارات تجمع بين الحزم والمرونة، بين الشراكة مع واشنطن والانفتاح على بكين، وبين موقف خليجي موحد وقنوات اتصال مفتوحة مع طهران. هذا هو جوهر إدارة المخاطر في زمن بلا ضمانات مطلقة.

ومع ذلك، يبقى الرهان محفوفًا بالمخاطر؛ فإيران لن تتخلى بسهولة عن ورقة مضيق هرمز التي تمثل بالنسبة إليها أداة ضغط إستراتيجية، فيما تواصل واشنطن اتخاذ قرارات مفصلية بمعزل عن حلفائها، بما يعكس نزعة أحادية قد تعقّد مسارات التسوية. في المقابل، تمتلك المملكة العربية السعودية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تصورًا واضحًا لمصلحتها الوطنية، وأدوات دبلوماسية متعددة، وإدراكًا عميقًا بأن الهامش الفاصل بين الاستقرار والانهيار في منطقة مشتعلة لا يسمح بالمقامرات الكبرى أو بالرهانات غير المحسوبة.