أخبار اليمن

الثلاثاء - 02 يونيو 2026 - الساعة 01:05 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


دخل الحوثيون مجدداً على خط المواجهة المتصاعدة بين إسرائيل وحزب الله، عبر التلويح بإمكانية استخدام ورقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب للضغط على إسرائيل وحلفائها، في خطوة تعكس حرص الجماعة على تأكيد موقعها داخل ما يعرف بـ"محور المقاومة"، وإبقاء احتمال اتساع الصراع الإقليمي قائماً إذا استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان أو توسعت خلال الفترة المقبلة.

وجاءت التصريحات الأخيرة لقيادات حوثية بالتزامن مع تصاعد التوتر على الساحة اللبنانية، حيث أكد عضو المكتب السياسي للجماعة محمد الفرح أن أي تصعيد إسرائيلي جديد لن يمر دون رد، مشدداً على أن الخيارات التصعيدية لا تزال مطروحة، وأن القوات الإسرائيلية المنتشرة في جنوب لبنان تبقى هدفاً محتملاً للعمليات العسكرية.

ورغم أن هذه التصريحات لم تتضمن إعلاناً عن خطوات عملية أو مواعيد محددة لتحركات عسكرية، فإنها حملت رسائل سياسية واضحة حول استعداد الجماعة للانخراط بشكل أكبر إذا اتجهت الحرب نحو مستويات أكثر خطورة.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى أن الحوثيين يملكون واحدة من أبرز أوراق الضغط الجيوسياسية في المنطقة، والمتمثلة في موقعهم الجغرافي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو الممر الذي تعبر من خلاله نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة المتجهة بين آسيا وأوروبا.

ومن هنا، فإن أي تهديد للملاحة في هذا الممر لا ينعكس فقط على إسرائيل، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

وخلال السنوات الماضية، أثبت الحوثيون قدرتهم على تحويل البحر الأحمر إلى ساحة ضغط إقليمي ودولي. فقد نفذت الجماعة هجمات على سفن تجارية وعسكرية، وهددت باستهداف سفن مرتبطة بإسرائيل أو بحلفائها، ما دفع قوى دولية إلى تعزيز وجودها البحري في المنطقة وتأمين خطوط الملاحة.

وأدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين، كما دفع بعض شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر نحو رأس الرجاء الصالح، ما زاد من كلفة التجارة العالمية وأطال زمن الرحلات البحرية.

ويبدو أن الجماعة تسعى اليوم إلى استحضار هذه الورقة مجدداً في سياق التطورات اللبنانية. فالرسالة الأولى موجهة إلى إسرائيل، ومفادها أن توسيع الحرب ضد حزب الله قد لا يبقى محصوراً داخل الأراضي اللبنانية، بل قد يمتد إلى جبهات أخرى تمتلك فيها قوى المحور أدوات ضغط مؤثرة.

وأما الرسالة الثانية فموجهة إلى الحلفاء، وخاصة إيران وحزب الله، للتأكيد أن الحوثيين لا يزالون جزءاً فاعلاً من معادلة الردع الإقليمية رغم الضغوط التي يواجهونها.

ومنذ اندلاع المواجهات الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، حرص الحوثيون على تبني خطاب سياسي وإعلامي داعم للحزب، معتبرين أن ما يجري في لبنان لا يمكن فصله عن المواجهة الأوسع بين إسرائيل وإيران وحلفائها. كما أكدت الجماعة مراراً أنها تنسق مواقفها ضمن إطار المحور الإقليمي الذي يضم أطرافاً عدة تتقاطع مصالحها في مواجهة إسرائيل.

ومع ذلك، فإن الدعم الحوثي بقي حتى الآن محدوداً من الناحية العسكرية مقارنة بحجم الخطاب السياسي المعلن. فرغم إطلاق عدد من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل خلال الأشهر الماضية، فإن تأثير تلك العمليات ظل محدوداً ولم ينجح في إحداث تحول استراتيجي في مسار الصراع.

كما تراجعت وتيرة الهجمات بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة، ما يعكس وجود حسابات دقيقة تحكم قرارات الجماعة.

ويرى مراقبون أن هذا الحذر يرتبط بعدة عوامل. فالحوثيون يدركون أن أي تصعيد واسع في البحر الأحمر قد يستدعي رداً عسكرياً دولياً قوياً، خصوصاً من الولايات المتحدة وحلفائها الذين يعتبرون أمن الملاحة البحرية قضية استراتيجية لا يمكن التساهل معها.

كما أن الجماعة تسعى إلى تجنب استنزاف قدراتها العسكرية في صراع إقليمي مفتوح قد ينعكس سلباً على وضعها الداخلي ومكاسبها الميدانية داخل اليمن.

وإضافة إلى ذلك، تلعب التفاهمات الإقليمية دوراً مهماً في ضبط سلوك الحوثيين. فخلال السنوات الأخيرة شهدت المنطقة مساراً من التهدئة بين أطراف عدة، بما في ذلك التقارب السعودي الإيراني، وهو ما ساهم في تخفيف حدة المواجهة داخل اليمن.

ولذلك تبدو الجماعة حريصة على عدم اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى نسف هذه التفاهمات أو إعادة إشعال جبهات الصراع الداخلي بصورة واسعة.

لكن إعادة التلويح بورقة البحر الأحمر تؤكد في الوقت ذاته أن الحوثيين لا يريدون التخلي عن إحدى أهم أدوات نفوذهم الإقليمي. فهذه الورقة تمنحهم قدرة على التأثير في حسابات خصومهم، كما تعزز موقعهم داخل محور المقاومة الذي يواجه تحديات متزايدة في أكثر من ساحة، من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن.

وفي المقابل، تتابع إسرائيل والدول الغربية عن كثب المؤشرات الصادرة من صنعاء، وسط مخاوف من أن يؤدي أي توسع للحرب في لبنان إلى تحريك جبهات أخرى في المنطقة.

ويأتي ذلك في ظل تقديرات تتحدث عن استمرار التنسيق بين الحوثيين وإيران وحزب الله، وعن إمكانية تفعيل أدوات ضغط إضافية إذا دخلت المواجهة مرحلة أكثر شمولاً.

ولا تعني التهديدات الحوثية أن الجماعة تتجه بالضرورة نحو تصعيد عسكري واسع وفوري، لكنها تكشف عن رغبة واضحة في الإبقاء على خيار البحر الأحمر وباب المندب ضمن معادلة الردع الإقليمية.

وبين الحسابات العسكرية المعقدة والرسائل السياسية المتبادلة، يبقى هذا الممر البحري الحيوي أحد أكثر الملفات حساسية في أي سيناريو يتعلق بتوسع الصراع بين إسرائيل وحزب الله، أو بتحول المواجهة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.