عرب وعالم

الثلاثاء - 02 يونيو 2026 - الساعة 01:00 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


في خطوة تعكس مساعي قوات الدعم السريع للانتقال من مجرد قوة عسكرية منخرطة في الحرب إلى مشروع سياسي وأمني متكامل، أعلن رئيس المجلس الرئاسي لتحالف "تأسيس" وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" تشكيل مجلس للأمن والدفاع، يتولى الإشراف على وضع السياسات الأمنية والعسكرية، وإعداد خطة لتأسيس ما وصفه التحالف بـ"جيش وطني جديد".

ويأتي القرار في وقت يواصل فيه السودان الانقسام بين سلطتين متنافستين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023؛ الأولى يقودها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان من مدينة بورتسودان، والثانية تتشكل تدريجياً في المناطق الخاضعة لنفوذ قوات الدعم السريع وحلفائها ضمن تحالف "تأسيس"، الذي يتخذ من مدينة نيالا مركزاً رئيسياً لأنشطته السياسية والإدارية.

وبحسب القرار الصادر عن المجلس الرئاسي، فإن مجلس الأمن والدفاع الجديد سيتولى إعداد الخطط الاستراتيجية للأمن والدفاع الوطني، كما سيضع تصوراً لإنشاء جيش جديد تكون نواته قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو، إلى جانب الحركات والقوى الموقعة على ميثاق السودان التأسيسي.

ويعكس هذا التوجه تحولاً لافتاً في استراتيجية التحالف، إذ لم يعد يكتفي بإدارة العمليات العسكرية أو السيطرة الميدانية على مناطق واسعة من البلاد، بل بات يسعى إلى إنشاء مؤسسات حكم متكاملة تشمل الرئاسة والحكومة والأجهزة الاقتصادية والأمنية والعسكرية، في محاولة لإضفاء طابع مؤسسي على سلطته وإظهار قدرته على إدارة المناطق الخاضعة لنفوذه.

وتتجاوز مهام المجلس الجديد الجانب العسكري التقليدي، إذ تشمل أيضاً وضع سياسات تتعلق بالأمن القومي والسلم الإقليمي والدولي، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، فضلاً عن إعداد خطط لتأسيس قوات الشرطة وجهاز الأمن والمخابرات. وهو ما يشير إلى أن التحالف يسعى إلى بناء منظومة أمنية متكاملة تشبه إلى حد كبير مؤسسات الدولة المركزية.

ويرأس حميدتي مجلس الأمن والدفاع، بينما يتولى عبدالعزيز الحلو منصب نائب الرئيس، في تركيبة تعكس التحالف السياسي والعسكري الذي يجمع الطرفين. كما يضم المجلس رئيس الوزراء وعدداً من الوزراء المعنيين بالقطاعات السيادية والأمنية، إضافة إلى قادة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

ويرى مراقبون أن الخطوة تمثل جزءاً من عملية متدرجة بدأها تحالف "تأسيس" منذ منتصف عام 2025، عندما شرع في إنشاء مؤسسات سياسية وإدارية موازية، بدءاً من المجلس الرئاسي ومجلس الوزراء، مروراً بمؤسسات اقتصادية مختلفة، وصولاً الآن إلى بناء هياكل أمنية وعسكرية دائمة.

ويحمل الحديث عن "جيش وطني جديد" أبعاداً سياسية تتجاوز الجوانب التنظيمية والعسكرية. فإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية كانت إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في السودان منذ سقوط نظام عمر البشير عام 2019، وشكلت محوراً رئيسياً للخلافات بين القوى المدنية والعسكرية، كما كانت من بين الأسباب التي ساهمت في تفجر الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع لاحقاً.

ومن هذا المنطلق، تبدو رؤية تحالف "تأسيس" قائمة على إعادة بناء المنظومة العسكرية من الصفر تقريباً، وفق عقيدة قتالية وترتيبات مؤسسية مختلفة عن تلك التي يمثلها الجيش السوداني الحالي.

ويعكس ذلك تصوراً سياسياً أوسع لمستقبل الدولة السودانية، يتبناه عدد من القوى المنضوية تحت مظلة التحالف، والتي تدعو إلى إعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم وإعادة توزيع السلطة والثروة.

وفي المقابل، من المرجح أن تنظر السلطات في بورتسودان إلى هذه الخطوات باعتبارها محاولة لترسيخ واقع سياسي وعسكري موازٍ للدولة القائمة، خاصة أن الإعلان يأتي في ظل استمرار الحرب وتعثر المبادرات الرامية إلى التوصل لتسوية شاملة بين طرفي النزاع.

كما أن إنشاء مجلس للأمن والدفاع، إلى جانب الحديث عن تأسيس جيش وشرطة وأجهزة استخبارات مستقلة، يعزز الانطباع بأن الصراع السوداني لم يعد يقتصر على التنافس العسكري في ساحات القتال، بل بات يمتد إلى سباق موازٍ لبناء المؤسسات وترسيخ الشرعية السياسية والإدارية في مناطق النفوذ.

ومع استمرار الحرب للعام الرابع على التوالي، تبدو خطوة حميدتي محاولة لتثبيت معادلة جديدة على الأرض، تقوم على تحويل المكاسب العسكرية إلى مؤسسات حكم دائمة. غير أن نجاح هذا المشروع سيظل مرتبطاً بمسار الحرب نفسها، وبقدرة الأطراف السودانية على التوصل إلى صيغة سياسية تنهي الصراع وتحدد شكل الدولة ومؤسساتها في مرحلة ما بعد الحرب.