أخبار وتقارير

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - الساعة 10:26 ص بتوقيت اليمن ،،،

د. عبدالله عبدالصمد


الجنوب ليس عدواً.. ورسائل القوة لن تصنع سلاماً ولن تحفظ نفوذ الرياض
من أخطر الأخطاء التي قد ترتكبها الدول الكبرى في لحظات الصراع، أن تتعامل بعقلية المنتصر مع حلفائها، وأن ترى في القوة العسكرية وسيلة لإعادة تشكيل الشعوب والقضايا الوطنية وفق ما يخدم مصالحها الآنية، دون إدراك أن الكرامة الوطنية لا تُقصف بالطائرات، وأن القضايا العادلة لا تنتهي بالحصار أو الإقصاء أو فرض الأمر الواقع.

ما حدث في حضرموت وما تبعه من إجراءات ضد المجلس الانتقالي الجنوبي، خلق حالة غضب وصدمة واسعة في الشارع الجنوبي، ليس فقط بسبب الفارق الهائل في القوة بين السعودية بما تملكه من إمكانيات عسكرية وأموال ونفوذ، وبين قوات جنوبية محدودة التسليح والإمكانات، بل لأن كثيراً من أبناء الجنوب كانوا يرون في الرياض حليفاً وشريكاً وقفوا معه في أصعب المراحل، ودافعوا عن أمن المنطقة وحدود المملكة واستقرارها، وقدموا التضحيات وهم يؤجلون كثيراً من تطلعاتهم الوطنية من أجل المعركة المشتركة ضد الحوثي والمشروع الإيراني.

اليوم يشعر كثير من الجنوبيين أن الرياض اختارت أن تواجه الجنوب بالقوة السياسية والعسكرية، بينما تتعامل مع الحوثي ـ الذي استهدف العمق السعودي بالصواريخ والطائرات المسيّرة ـ بمنطق التهدئة والحوار والتفاهمات وخارطة الطريق. وهذا التناقض خلق تساؤلات كبيرة في الوعي الجنوبي: لماذا يُكافأ من يهدد المملكة ويقصفها بالحوار، بينما يُعاقب من كان حليفاً لها بالاستهداف والإقصاء ومحاولات تفكيك قضيته الوطنية؟

إن أي محاولة لإفراغ القضية الجنوبية من مضمونها السياسي والوطني، أو اجتثاث القوى العسكرية والأمنية الجنوبية، أو ملاحقة القيادات الوطنية وإغلاق المقرات وتغيير المشهد الجنوبي بالكامل بالقوة، لن تؤدي إلى الاستقرار كما يظن البعض، بل ستنتج حالة احتقان عميقة، وستدفع قطاعات واسعة من الشارع الجنوبي إلى إعادة النظر في علاقتها بالسعودية ومواقفها السابقة منها.

القوة تستطيع أن تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع أن تصنع قبولاً شعبياً دائماً. والجنوب الذي قدّم آلاف التضحيات لن يتخلى عن قضيته الوطنية لمجرد تعرضه للضغط أو التضييق. بل إن هذه السياسات قد تؤدي إلى نتائج عكسية تماماً، حيث أصبح حتى بعض المختلفين مع المجلس الانتقالي يشعرون اليوم أن القضية الجنوبية تتعرض للاستهداف، وأن ما يجري يتجاوز الخلافات السياسية إلى محاولة إعادة تشكيل الجنوب وفق رؤية لا تعبّر عن إرادة أبنائه.

السعودية دولة كبيرة ومحورية في العالمين العربي والإسلامي، ومكانتها لا تُقاس فقط بقوتها العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضاً بحكمتها السياسية وقدرتها على كسب الشعوب لا إخضاعها. ومن مصلحة الرياض أن تدرك أن الجنوب ليس ساحة مؤقتة يمكن إدارتها بالقوة، بل شعب له قضية وهوية وتاريخ وتطلعات سياسية لا يمكن تجاوزها أو اختصارها بقرارات فوقية.

الرسالة التي يجب أن تصل إلى صانع القرار السعودي اليوم، أن الجنوب لا يريد العداء مع المملكة، ولا يبحث عن مواجهة معها، بل يريد علاقة قائمة على الاحترام المتبادل والشراكة الحقيقية والاعتراف بحقوق الناس وتضحياتهم. أما سياسة الإقصاء وفرض الوصاية والتعامل بعقلية المنتصر، فلن تنتج حلفاء مستقرين، ولن تحقق سلاماً دائماً، بل ستفتح أبواباً جديدة للغضب وعدم الثقة في منطقة تحتاج اليوم إلى التفاهم أكثر من حاجتها إلى استعراض القوة.
فالنفوذ الحقيقي لا يُبنى بالخوف، بل بالعدل واحترام إرادة الشعوب.