منوعات

الأربعاء - 06 مايو 2026 - الساعة 06:13 م بتوقيت اليمن ،،،


في تاريخ الشعوب، تبرز أسماء لا تُقاس سنوات عمرها بالرقم، بل بالمواقف والتحولات التي أحدثتها. ويظل المقدم عيسى محمد سيف واحداً من تلك الشخصيات التي ارتبط اسمها بمرحلة من أدق مراحل التاريخ اليمني المعاصر، ليس كمجرد قائد عسكري، بل كحامل لمشروع وطني كان يحلم بدولة مدنية حديثة.

البدايات.. تكوين القائد والمثقف
لم يكن عيسى محمد سيف ضابطاً تقليدياً في القوات المسلحة اليمنية؛ بل كان مثقفاً وسياسياً من الطراز الرفيع. انتمى إلى التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وتأثر بالفكر القومي العربي الذي يرى في الكرامة والوحدة والتنمية ركائز أساسية للنهوض. كان يؤمن بأن الجيش ليس أداة للقمع، بل هو درع لحماية المشروع الوطني والبناء المدني.

الوفاء لعهد الحمدي.. جوهر الموقف الوطني
تتجلى وطنية عيسى محمد سيف في تمسكه بمسار حركة 13 يونيو التي قادها الشهيد إبراهيم الحمدي. بعد اغتيال الحمدي، شعر عيسى ورفاقه بأن اليمن يتجه نحو نفق مظلم من الهيمنة الفردية والقبلية التي ستلتهم مؤسسات الدولة.

كان موقفه الوطني نابعاً من:
رفض التبعية: الإصرار على استقلال القرار اليمني بعيداً عن التدخلات الخارجية.
الدولة المدنية: الإيمان بضرورة نقل اليمن من "حكم الفرد" إلى رحاب "المؤسسات والعدالة الاجتماعية".
الوحدة اليمنية: كان من أشد المؤمنين بأن قوة اليمن في وحدته، وأن الطريق إلى الوحدة يمر عبر إصلاح البيت الداخلي في الشمال.

انتفاضة أكتوبر 1978: مغامرة من أجل الوطن
حين قاد عيسى محمد سيف المحاولة الانقلابية في 15 أكتوبر 1978، لم تكن غايته السلطة من أجل السلطة، بل كانت "محاولة تصحيحية" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حلم الدولة الذي بدأ يتلاشى. ورغم فشل المحاولة عسكرياً، إلا أنها سجلت في التاريخ كأول صرخة علنية ضد التأسيس للديكتاتورية الطويلة.

اللحظات الأخيرة.. شجاعة حتى المقصلة
نُقل عن شهود عيان ممن حضروا محاكمته وإعدامه، أن عيسى محمد سيف واجه الموت بابتسامة وهدوء قل نظيرهما. لم ينكسر ولم يتراجع عن قناعاته، بل ظل يردد أن دمه هو فداء لليمن الذي أحبه. أُعدم في 27 أكتوبر 1978، لكن فكره ظل حياً في وجدان الحركة الناصرية والتيار الوطني اليمني.

خاتمة: الإرث الباقي
إن الحديث عن عيسى محمد سيف اليوم ليس نبشاً في الماضي، بل هو استحضار لنموذج الضابط الذي يضع مصلحة الوطن فوق رتبته العسكرية، والمثقف الذي يدفع حياته ثمناً لمبادئه. سيبقى عيسى محمد سيف في الذاكرة اليمنية رمزاً لجيل حاول أن يضع اليمن على طريق الحداثة والكرامة، حتى لو كلفه ذلك أن يكون أول القافلة من الشهداء.