أخبار اليمن

الإثنين - 27 أبريل 2026 - الساعة 12:22 م بتوقيت اليمن ،،،

د. عبدالله عبدالصمد


يتداول البعض اعتقادًا مفاده أن هناك اتفاقًا خفيًا بين السعودية والحوثيين، يقوم في جوهره على تفاهمات غير معلنة تنتهي بتسليم الجنوب اليمني للحوثيين ضمن ما يُعرف بـ"خارطة الطريق". غير أن هذا التصور يبدو بعيدًا عن الواقع السياسي والعسكري القائم، ويتجاهل طبيعة العلاقة المعقدة والمتقلبة بين الرياض والحوثيين، كما يتجاهل الحسابات الاستراتيجية السعودية المرتبطة بأمنها القومي وحدودها الجنوبية.

العلاقة بين السعودية والحوثيين لم تصل يومًا إلى مستوى التحالف أو الثقة المتبادلة، بل ظلت قائمة على مبدأ "التهدئة مقابل المصالح المؤقتة". فما يجري اليوم هو حالة من المد والجزر السياسي والأمني، تحكمها اعتبارات خفض التصعيد واحتواء التهديدات، وليس بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد. قد تقبل الرياض بالأمر الواقع الحالي المتمثل بسيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من شمال اليمن، باعتباره واقعًا فرضته الحرب وتعقيدات المشهد الدولي والإقليمي، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الحوثيين يمثلون مشروعًا عقائديًا وعسكريًا لا يمكن ضمان التزامه بأي اتفاق دائم أو الوثوق بتحولاته المستقبلية.

السعودية تعرف جيدًا أن أي تفاهم مع الحوثيين يبقى مرحليًا وقابلًا للانهيار في أي لحظة، خاصة أن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن الجماعة تتعامل مع الاتفاقات بوصفها أدوات تكتيكية لإعادة التموضع وكسب الوقت، لا التزامات نهائية. ولهذا فإن الجنوب بالنسبة للرياض يمثل خطًا أمنيًا واستراتيجيًا حساسًا لا يمكن السماح بسقوطه الكامل تحت نفوذ الحوثيين، لما لذلك من تداعيات مباشرة على أمن الحدود السعودية والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية في المنطقة.

في المقابل، لا يمكن إنكار وجود خلافات متزايدة بين السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي، وكذلك مع قوى الحراك الجنوبي ذات التوجه الاستقلالي. هذه الخلافات لا تعني بالضرورة تخلي الرياض عن الجنوب، لكنها تعكس اختلافًا عميقًا في الحسابات والأولويات. فالسعودية تنظر إلى الجنوب من زاوية إدارة النفوذ وضبط التوازنات وضمان الاستقرار بما يخدم مصالحها الأمنية والإقليمية، بينما تتحرك القوى الجنوبية الاستقلالية انطلاقًا من مشروع سياسي يسعى إلى استعادة الدولة الجنوبية وبناء قرار وطني مستقل.

ومن هنا ظهرت حالة واضحة من انعدام الثقة المتبادلة، خصوصًا من الجانب السعودي تجاه أي قوة جنوبية تمتلك حضورًا شعبيًا أو مشروعًا سياسيًا قد يتطور إلى قرار مستقل خارج دائرة التأثير المباشر. ولهذا يرى كثير من المراقبين أن الرياض تتجه منذ سنوات نحو إعادة تشكيل المشهد الجنوبي بما يمنع ظهور قوة جنوبية موحدة يصعب التحكم بمسارها السياسي مستقبلًا.

وفي هذا الإطار، جاءت محاولات إضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي وتقليص نفوذه ضمن سياسة أوسع تهدف إلى إعادة توزيع مراكز القوة داخل الجنوب، عبر الدفع بشخصيات وتيارات تعتبرها الرياض أكثر قربًا منها وأكثر قابلية للضبط والتوجيه السياسي والعسكري. ويبرز هنا الدور المتنامي لبعض القوى السلفية والتيارات المرتبطة بالإخوان المسلمين، التي يجري تقديمها باعتبارها أدوات توازن جديدة يمكن استخدامها في أي ترتيبات قادمة داخل المشهد اليمني.

اللافت أن البعد الذي يحكم هذه التحركات لم يعد وطنيًا أو سياسيًا بالدرجة الأولى، بل أصبح مرتبطًا بإدارة النفوذ ومناطق التأثير الإقليمي. فالقوى التي يتم دعمها أو إعادة إنتاجها تُختار غالبًا وفق معيار الولاء والقدرة على تنفيذ التوجهات الإقليمية، وليس بناءً على مشروع وطني جامع أو رؤية سياسية مستقلة تعبر عن تطلعات المجتمع الجنوبي.

وهنا تبرز مخاوف حقيقية لدى كثير من الجنوبيين من أن يؤدي الدفع بالقوى الدينية والمذهبية إلى تحويل القضية الجنوبية من قضية سياسية وطنية تتعلق بحق تقرير المصير واستعادة الدولة، إلى صراع أيديولوجي ومذهبي طويل الأمد. فإدخال الانقسامات المذهبية والعقائدية في الصراع لا يؤدي فقط إلى تفتيت المجتمع، بل يخلق حالة استنزاف داخلي دائم تُضعف أي مشروع وطني جامع، وتُبقي الجنوب ساحة مفتوحة لصراعات النفوذ الإقليمية.

وفي النهاية، من الخطأ اختزال المشهد في فكرة وجود صفقة سعودية ـ حوثية لتسليم الجنوب. الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فالسعودية تتحرك وفق استراتيجية تقوم على تقليل المخاطر وإعادة ترتيب أدوات نفوذها والحفاظ على خطوطها الأمنية الحمراء، بينما يظل الجنوب ساحة تنافس مشاريع وصراع نفوذ إقليمي ومحلي. وما لم تنجح القوى الجنوبية في بناء مشروع وطني موحد ومستقل، فإن القضية الجنوبية ستظل عرضة لإعادة التشكيل والتوظيف ضمن حسابات القوى الإقليمية أكثر من كونها تُدار وفق إرادة أهل الجنوب أنفسهم.