أخبار وتقارير

الإثنين - 13 أبريل 2026 - الساعة 02:19 م بتوقيت اليمن ،،،

د. عبدالله عبدالصمد


يشهد جنوب اليمن مرحلة دقيقة ومعقدة تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع التحولات الميدانية، في ظل إعادة رسم موازين النفوذ بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. فبعد سنوات من حضور إماراتي فاعل عبر دعم تشكيلات عسكرية وسياسية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، برزت في الآونة الأخيرة مؤشرات واضحة على تراجع هذا الدور مقابل صعود ملحوظ للدور السعودي الذي بات أكثر مباشرة ووضوحًا في إدارة المشهد.

لقد أسست أبوظبي نفوذها في الجنوب عبر أدوات محلية، مستندة إلى دعم سياسي وعسكري مكّنها من التأثير في مفاصل القرار، خصوصًا في عدن وبعض المحافظات الاستراتيجية. إلا أن التطورات الأخيرة، بما فيها إعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي، وظهور تحركات سعودية أكثر جرأة، تشير إلى تحول في موازين القوة، حيث تسعى الرياض إلى فرض واقع جديد قائم على إدارة مباشرة وغير معلنة لمؤسسات الدولة، سواء عبر التعيينات أو من خلال إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية.

هذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث أدت التوترات في المنطقة، والحرب ذات الأبعاد الدولية، إلى تقارب مرحلي بين دول الخليج، فرضته الضرورات الأمنية ومخاطر التصعيد. غير أن هذا التقارب يبقى هشًا ومؤقتًا، تحكمه حسابات المصالح لا ثوابت التحالف، وهو ما يجعل احتمالية عودة التنافس بين الرياض وأبوظبي قائمة بقوة بمجرد تراجع الضغوط الخارجية.

في هذا الإطار، تبدو الاستراتيجية السعودية في الجنوب أكثر وضوحًا، حيث تسعى إلى تعزيز نفوذها في المحافظات الحيوية مثل عدن وحضرموت وشبوة والمهرة، ليس فقط لأسباب أمنية، بل أيضًا لاعتبارات استراتيجية تتعلق بالممرات البحرية وإيجاد بدائل تقلل من الاعتماد على الممرات الخاضعة للتوتر، وفي مقدمتها مضيق هرمز. وفي المقابل، من المتوقع أن تعتمد الإمارات أساليب غير مباشرة للحفاظ على نفوذها، عبر أدوات محلية أو من خلال سياسات إرباك واستنزاف تعيق أي هيمنة منفردة.

إن عودة التنافس بين الطرفين، إن حدثت، لن تكون بالضرورة مواجهة مباشرة، بل صراعًا متعدد الأدوات يأخذ أشكالًا سياسية واقتصادية وأمنية، وقد ينعكس سلبًا على استقرار الجنوب، ويدفع به نحو مزيد من التعقيد والفوضى، في حال غياب رؤية محلية موحدة قادرة على إدارة التوازنات.

من هنا، تبرز أهمية أن يدرك الفاعلون الجنوبيون أن المرحلة القادمة تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي السياسي والاستقلالية في القرار، بعيدًا عن الارتهان لأي طرف خارجي. فالقضية الجنوبية، باعتبارها قضية شعب وهوية ومستقبل، لا يمكن أن تُختزل في أدوار وظيفية أو تحالفات ظرفية، بل تحتاج إلى مشروع وطني واضح يستند إلى إرادة شعبية حقيقية، ويقوم على مبدأ الشراكة المتكافئة مع الأطراف الإقليمية، لا التبعية لها.

إن الجنوب اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن يكون طرفًا فاعلًا يصوغ مستقبله وفق مصالحه وثوابته، أو أن يبقى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح المرحلة القادمة، ويُكتب مستقبل قضية لا تزال تبحث عن مسارها العادل.