أخبار اليمن

الثلاثاء - 17 مارس 2026 - الساعة 02:35 م بتوقيت اليمن ،،،

وحيد الفودعي


إلى فخامة رئيس مجلس القيادة
إلى دولة رئيس مجلس الوزراء

هناك معلومة خطيرة للغاية تؤكد المخاوف التي تحدثنا عنها في أكثر من مقال ومنشور سابق، وتتمثل في أن البنك المركزي صرف اليوم مرتبات أفراد الجيش الذين لهم استحقاق شهر واحد بالريال اليمني، بينما صرف مرتبات الأفراد الذين لهم استحقاق شهرين بالعملة الصعبة نظرًا لعدم توفر السيولة بالريال اليمني حسب توصيف الصحفي فتحي بن لزرق؛ وهذا يكشف أن أزمة السيولة تجاوزت الأسواق والصرافين والبنوك التجارية، ووصلت إلى قلب البنك المركزي نفسه؛ وهو أيضًا مؤشر بالغ الخطورة على أن البنك المركزي لم يعد يمتلك من السيولة المحلية ما يكفي للوفاء حتى بجزء من الالتزامات العامة بالعملة الوطنية.

ماذا يعني ذلك؟
يعني أن شح السيولة لم يعد أزمة سوق فقط، بل أصبح أزمة تمس الجهة التي يُفترض أنها تدير السيولة، وتضبط النقد، وتتدخل عند أي اختناق؛ وبمعنى أوضح: إذا كان البنك المركزي نفسه عاجزًا عن توفير السيولة اللازمة لدفع المرتبات بالريال اليمني، فكيف يمكن أن يكون قادرًا على معالجة أزمة السيولة في السوق؟ وكيف يمكن لمؤسسة يُفترض أنها تمثل صمام الأمان النقدي أن تتحول هي ذاتها إلى دليل حي على عمق الأزمة؟

هذه الواقعة وحدها كافية لتأكيد أن المشكلة أكبر بكثير من مجرد اختناقات مؤقتة أو اضطرابات عابرة في التداول النقدي؛ والأخطر أن هذا التطور يفضح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ضعف تدخل البنك المركزي منذ بداية الأزمة؛ نحن هنا أمام إشارة مقلقة إلى أن البنك المركزي لا يملك احتياطيًا تشغيليًا كافيًا من النقد المحلي الجاهز للتدخل، وأن الأزمة ربما بلغت مستوى من الخطورة جعل البنك نفسه غير قادر على الوفاء الكامل والفوري بالتزاماته الداخلية بالعملة الوطنية.

كما أن دفع التزامات داخلية بالعملة الصعبة بدلًا من العملة المحلية يُعد مخالفة قانونية، ويعكس اختلالًا في إدارة السيولة وفي وظيفة البنك المركزي الأساسية؛ فالبنك المركزي هو الجهة التي يُفترض أن تحافظ على مكانة العملة الوطنية، وأن تضمن توافرها لتسوية المدفوعات المحلية، لا أن يلجأ هو نفسه إلى بدائل نقدية أجنبية في الوفاء بجزء من التزاماته؛ وهذا يبعث برسالة سلبية جدًا إلى السوق، مفادها أن العملة الصعبة أصبحت أكثر قدرة على أداء وظيفة الدفع من الريال اليمني نفسه، وهو ما يضرب الثقة بالعملة الوطنية ويغذي النزعة نحو الدولرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

والأخطر من ذلك أن هذه الممارسة تفتح الباب أمام مجموعة من التداعيات النقدية الخطيرة؛ أولها تآكل الثقة العامة في الريال اليمني، وثانيها تعميق الانقسام النقدي داخل السوق، وثالثها إرباك آلية التسعير والتعاملات، لأن السوق ستقرأ هذه الخطوة على أنها مؤشر على ضعف قدرة البنك المركزي على توفير السيولة المحلية؛ وعندما تصل الأزمة إلى هذه المرحلة، فإنها تتحول إلى أزمة ثقة في الجهة المصدرة والمنظمة للنقد نفسه.

كما أن هذه الواقعة تثير تساؤلات جوهرية حول حجم السيولة المتاحة فعليًا في خزائن البنك المركزي، وحول حجم الاحتياطيات من النقد المحلي غير المصدر أو غير المتداول، وحول مدى جاهزية البنك للتعامل مع أي استحقاقات واسعة قادمة؛ لأن البنك المركزي الذي يجد صعوبة في الوفاء الكامل بالمرتبات بالعملة الوطنية يبدو في وضع هش للغاية من حيث قدرته على إدارة الطلب على النقد المحلي، أو مواجهة الأزمات النقدية الطارئة، أو حتى ضمان الانتظام الطبيعي لتمويل النفقات العامة.

أنا مجبر على قول ذلك، رغم ما قد يترتب عليه من تبعات، لأن المسألة لم تعد تحتمل المجاملة أو الصمت؛ ومن هنا، فإني أوصي رئيس مجلس القيادة الرئاسي ورئيس الحكومة بتوجيه استفسار عاجل ومباشر إلى البنك المركزي اليمني، ومطالبته بتوضيح تفصيلي وشفاف بشأن حجم السيولة التي يمتلكها فعليًا في المخازن، وحجم الاحتياطيات من النقد المحلي الجاهز أو غير المصدر، وخطته العاجلة لمعالجة أزمة السيولة، وكيفية الوفاء بالمرتبات والالتزامات القادمة دون مزيد من الإرباك أو اللجوء إلى حلول تكشف حجم الاختلال القائم.

للأسف، ما حدث مؤشر خطير للغاية على أن أزمة السيولة قد تكون وصلت إلى قلب المؤسسة النقدية نفسها؛ وإذا صح أن البنك المركزي لم يعد يمتلك احتياطيًا نقديًا محليًا كافيًا للتدخل، فإننا لا نكون أمام أزمة سيولة في السوق فقط، بل أمام خلل نقدي مؤسسي بالغ الخطورة، يستوجب المكاشفة الفورية والمعالجة العاجلة، قبل أن تتوسع آثاره على الثقة العامة، وعلى استقرار الريال اليمني، وعلى قدرة الدولة نفسها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية.

وحيد الفودعي
باحث وخبير اقتصادي