أخبار وتقارير

الثلاثاء - 17 مارس 2026 - الساعة 02:33 م بتوقيت اليمن ،،،

د. مساعد القطيبي


فجأة ودون سابق إنذار، برزت أمامنا أزمة خانقة في السيولة من العملة المحلية، بعد أن كانت الأسواق – وقبل فترة ليست ببعيدة – تشهد حالة من التكدس الكبير للنقد، الأمر الذي أدى حينها إلى تراجع قيمة العملة المحلية بشكل ملحوظ أمام العملات الأجنبية.

ومنذ موجة التحسن المفاجئة التي شهدتها العملة المحلية مع نهاية يوليو من العام الماضي، بدأت تتشكل ملامح أزمة جديدة تمثلت في اختفاء كميات كبيرة من الكتلة النقدية من التداول في الأسواق، وهو ما انعكس في صورة شح واضح في السيولة لدى التجار والمؤسسات وحتى لدى الأفراد.

ولا شك أن هذه الكتلة النقدية لم تختفِ فعليًا من الاقتصاد، وإنما خرجت من دائرة التداول، وبكل تأكيد فقد أصبحت مخزنة في خزائن خاصة لدى بعض البنوك وشركات الصرافة، وربما لدى بعض كبار التجار والمضاربين، بدوافع متعددة تتعلق بالتحوط أو المضاربة أو التخوف من تقلبات السوق.

وهنا يكمن جوهر المشكلة، فالأزمة لا تتعلق بحجم النقود المتوفرة في الاقتصاد بقدر ما تتعلق بتعطل الدورة النقدية للنقود، أي ببطء أو توقف انتقال الأموال بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.

ففي الظروف الطبيعية، يفترض أن تتحرك النقود بشكل مستمر داخل الاقتصاد عبر البنوك وشركات الصرافة والأسواق، بحيث تنتقل من المدفوعات الحكومية إلى الأفراد، ومن الأفراد إلى التجار، ومن التجار إلى البنوك، ومن البنوك إلى البنك المركزي، ثم تعود إلى الدورة الاقتصادية مرة أخرى. لكن عندما تتعطل هذه الحلقة لأي سبب، فإن السيولة تصبح راكدة في بعض المواقع، بينما تظهر حالة من الشح في مواقع أخرى، وهو ما يخلق انطباعًا بوجود أزمة سيولة رغم أن جزءًا كبيرًا من النقود هو موجودًا بالفعل خارج دائرة التداول الفعلي.

إن إحدى أهم المشكلات في هذا السياق، تتمثل في عدم التزام البنوك وشركات الصرافة بالاحتفاظ بسقوف محددة من السيولة أو بإيداع جزء من أرصدتها لدى البنك المركزي وفقًا للضوابط التنظيمية المعمول بها، وذلك بسبب تخوف هذه المؤسسات من عدم قدرة البنك المركزي على تلبية طلباتها بالسحب عند الحاجة، خصوصا في ظل العجز المالي الكبير الذي يواجهه البنك المركزي والضغوط التي يتعرض لها نتيجة محدودية الموارد وارتفاع الالتزامات.

هذا التخوف – سواء كان مبرراً أو مبالغاً فيه – أدى عمليا إلى إضعاف العلاقة بين البنك المركزي والقطاع المصرفي، وأصبح كثير من المؤسسات المالية يفضل الاحتفاظ بسيولة كبيرة خارج النظام النقدي الرسمي كنوع من التحوط، وهو ما يؤدي إلى تعطيل جزء مهم وكبير من الكتلة النقدية ويحد من قدرة البنك المركزي على إدارة السيولة في السوق

ومن هنا فإن معالجة هذه المشكلة ينبغي أن يبدأ أولاً بتفعيل الدورة النقدية للنقود وإعادة إدخال الكتلة النقدية المخزنة إلى السوق، بدلاً من اللجوء مباشرة إلى خيارات قد تكون أكثر خطورة مثل التوسع في طباعة العملة. ويتطلب ذلك في المقام الأول قيام البنك المركزي بتعزيز دوره في إدارة السيولة داخل النظام المالي، والعمل على إعادة بناء الثقة مع البنوك وشركات الصرافة، بحيث تشعر هذه المؤسسات بالاطمئنان إلى قدرتها على إيداع السيولة لدى البنك المركزي واستعادتها عند الحاجة.

كما أن من الضروري إعادة تفعيل الضوابط التنظيمية الخاصة بالسيولة، بما في ذلك إلزام البنوك وشركات الصرافة بالاحتفاظ بسقوف محددة من السيولة داخل النظام المصرفي، وإيداع جزء منها لدى البنك المركزي وفق الأطر المنظمة للعمل المصرفي. فوجود سيولة كبيرة محتجزة خارج هذه المنظومة يحد من قدرة البنك المركزي على إدارة السوق النقدية بكفاءة.

ومن الإجراءات المهمة كذلك مراقبة الممارسات الاحتكارية أو المضاربية التي قد تدفع بعض الأطراف إلى تخزين النقد خارج التداول بهدف التأثير على السوق أو تحقيق مكاسب قصيرة الأجل، فمثل هذه الممارسات لا تؤدي فقط إلى اختلال في السيولة بل قد تخلق تقلبات حادة في سعر الصرف.

إن النقود التي تبقى حبيسة الخزائن تفقد جزءاً كبيرا من وظيفتها الاقتصادية، بينما النقود التي تتحرك باستمرار داخل الاقتصاد هي التي تسهم في تنشيط التجارة وتحفيز الإنتاج واستقرار المعاملات اليومية. ولذلك فإن نجاح السياسة النقدية لا يقاس فقط بحجم الكتلة النقدية، بل بمدى قدرتها على الدوران الفعلي داخل الاقتصاد.

وفي هذا السياق، فإن التحدي الحقيقي أمام البنك المركزي والحكومة يتمثل اليوم في إعادة تشغيل الدورة النقدية للنقود وضمان انتقالها بشكل طبيعي بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين. فمتى ما عادت النقود إلى الحركة، فإن جزءاً كبيراً من أزمة السيولة سيتراجع تلقائيا دون الحاجة إلى إجراءات استثنائية قد تزيد من تعقيدات المشهد النقدي في المستقبل

د. مساعد القطيبي
١٧ مارس ٢٠٢٦