أخبار اليمن

الثلاثاء - 10 فبراير 2026 - الساعة 08:51 م بتوقيت اليمن ،،،

حافظ الشجيفي


يخرج المرء من صميم الحقائق الكونية بلسان يكاد ينطق من فرط ما يرى من عوج، فلا يحتاج الناظر في مرايا السياسة اليوم الى مجهر ليرى ميكروبات النفس البشرية وهي تنتفخ في كراسي الحكم، بل يكفيه ان يتأمل هذا المسخ الذي صار يسمى "مسئولا" ليعرف كيف تنحدر الامم الى هاوية سحيقة، فالبحث عن السلطة في زمن الردة الوطنية لا يستدعي من ابن الجنوب ان يشحذ عقله او يصقل علمه او يزكي روحه بفضائل الاخلاق،

فالعلم هنا حجاب، والوطنية قيد، والاخلاص سجن يمنع صاحبه من التحليق في سماء العمالة الفسيحة، اذ ان الطريق الى رئاسة الحكومة او الجلوس على ارائك الوزارة صار معبدا بجماجم المبادئ لا بصفحات الكتب، فما جدوى ان تكون اكاديميا يشار اليك بالبنان في محافل الفكر وانت لا تجيد الانحناء لريح الغرباء وما نفع الكفاءة التي تدعيها وهي في ميزان الخصوم ثقل لا يطاق فالوطني المخلص الذي يسعى لمصلحة شعبه انما يشتري لنفسه الخسار المبين في سوق النخاسة السياسية، فالقيمة العظيمة التي يحملها بين جوانحه هي العلة التي تحرمه من الحظوة، وهي الذنب الذي لا يغتفر في شريعة المتربصين بالوطن، لان من يملك ذرة من كرامة لا يصلح ان يكون اداة، ومن يحمل هما لشعبه لا يستقيم ان يكون سوطا في يد الجلاد.

وتتجلى الحكمة المقلوبة في هذه البلاد حين تصبح الوضاعة هي المؤهل الوحيد المقبول، وحين يغدو الغباء شرطا للترقي، فالبلد التي يراد لها ان تسقط لا يبحث اعداؤها في انقاضها الا عمن يشبههم في الخراب النفسي، اولئك الذين تجردوا من صفات الرجولة وما ابقوا منها الا الاسم الذي يستر العورات المعنوية، فترى اشباه الرجال يتهافتون على الموائد وقد تسلحوا بالتفاهة والارتهان والتبعية المطلقة، يتقلبون مع المصالح كما تتقلب الحرباء في الوانها، ويبدلون جلودهم كلما تغيرت جهة الاوامر دون خجل يذكر او حياء يؤثر، فالمسئول المنشود هو ذلك الذي يضع مصلحته الشخصية في كفة ويرمي بمصالح الشعب في كفة الاهمال، فهو العبد الاسير الذي يرسف في اغلال اطماعه، والاجير الرخيص الذي يبيع قضية وطنه في مناقصات الاعداء والمتربصين، اذ لا يعقل في منطق الاستعمار الحديث ان يفتش الغرباء عن صاحب موقف ثابت او كفاءة نادرة ليضعوه على راس القوم، بل يبحثون دوما عن الادنياء الذين لا يملكون من امرهم رشدا، اولئك الذين اذا امروا اطاعوا، واذا نهوا انتهوا، دون ان تمر الاوامر على مصفاة العقل او ميزان الضمير.

ويمضي هؤلاء في تصدر المشهد وكأنهم فرسان الزمان، بينما الحقيقة تصرخ انهم امعات لبسوا ثياب الهيبة وما هي لهم بحق، بل هي كساء عاري يشف عما تحته من سفالة وضعة، فاعداء الشعوب يمنحون هؤلاء الادنياء هالة من البهرجة وسرابا من القيادة ليخيل للناس انهم حكام، وهم في حقيقة امرهم خراف تلبست جلود الوحوش، يدركون في قرارة انفسهم انهم ما ارتقوا الا برخصهم، وما سادوا الا بفسادهم، فاحتلوا مكان النخب الحقيقية التي شردتها المبادئ، واصبحوا يطعنون شعوبهم بسلاح الغدر والخديعة، ويتاجرون بدماء الشهداء التي ل في اسواق الانانية والربح الزهيد ويتنافسون في القبح كما يتنافس الشرفاء في المجد، ويتباهون بالدناءة كأنها وسام على الصدور، فلولا وجود هؤلاء السفلة الذين استجابوا لنداء النذالة لما وجد الاعداء طريقا لتمزيقنا، ولولا هذه النفوس المريضة التي ارتضت ان تكون معولا للهدم لما خربت ديارنا ولا استبيحت حمانا، فكل جرح في جسد الوطن هو في الاصل طعنة بيد "مسئول" محلي باع روحه للشيطان ليشتري كرسيا من خشب سوسه النفاق.

فهل يستطيع المرء ان يتخيل وطنا ينهض وازمته تدار بعقول المأجورين فالفلسفة الواقعية تقول ان البناء لا يقوم على انقاض الاخلاق، وان السياسي الذي ينسلخ من جلده الوطني ليناسب مقاسات الخارج هو في الحقيقة ميت يمشي على الارض، فالمناصب التي يشغلونها ليست الا قبورا لمؤهلاتهم التي ادعوها، اذ ان الكفاءة الحقيقية تظهر في الثبات لا في التحول، وفي العزة لا في الخنوع، ولكنهم اختاروا ان يكونوا جسورا يعبر عليها الغزاة نحو تدمير ما تبقى من امل، فباعوا العاجل بالآجل، واستبدلوا الذي هو ادنى بالذي هو خير، فاصبحت البلاد غنيمة باردة في يد كل طامع بفضل هؤلاء الذين تخلوا عن كل قيمة انسانية ووطنية، وصاروا يتسابقون في مضمار العمالة ايهم يكون اكثر طواعية واشد نذالة، وهذا هو الوجع الذي يزلزل القلوب الصادقة، ان ترى مصير شعب معلقا بين اصابع من لا يعرفون للكرامة وزنا ولا للوطن قداسة.

انني اضع بين يديك هذا البيان ليس لليأس ولكن لتدرك حقيقة من يقود الركب نحو المجهول، فالمعايير التي تحكم اختيار المسئول اليوم هي صكوك العبودية لا شهادات العلم، وهي القدرة على الخيانة لا المهارة في الادارة، فكن على حذر من كل من اعتلى صهوة السلطة في زمن الضياع وهو لا يملك من امره الا تنفيذ ما يملى عليه، فالوطن لا يبنيه الا ابناؤه الذين تعجن طينتهم بالوفاء، اما هؤلاء العابرون في محطات المصالح فلن يذكرهم التاريخ الا كبقع سوداء في ثوب الزمن، ولن تمنحهم المناصب الا خزي الدنيا وعذاب الضمير ان كان لهم ضمير يؤنبهم، فالمعادلة واضحة لا لبس فيها، اما ان تكون وطنيا فقيرا في نظرهم غنيا بمبادئك، واما ان تكون مسئولا وضيعا غنيا باموالهم فقيرا من انسانيتك، ولا يجتمع النقيضان في قلب رجل واحد ابدا.