كتبه / د. ياسين سعيد نعمان
شاركت منذ أيام في ندوة خاصة بالقضية الجنوبية في ذكرى الاستقلال ببحث عنوانه " القضية الجنوبية وعلاقتها باستقرار اليمن " .
الحلقة الأولى
تناول البحث الخلفية التاريخية لنشوء القضية الجنوبية ، وتأثير التحولات السياسية والاجتماعية على محتواها عبر المحطات المختلفة من تطور الوضع السياسي اليمني ، وكيف صمدت ، بمضمونها العام كمشروع لاستقرار اليمن ، موحداً أو بدولتين ، وفقاً لارادة عامة الناس ، لا مشاكسات النخب .
والبحث، في جانب كبير منه ، مبني على محاضرة ألقيتها في المركز اليمني للدراسات الاستراتيجية بصنعاء في ١٤ / ٥ / ٢٠٠٨ .
في هذا البحث يمكننا أن نتبين بوضوح موقف الحزب الاشتراكي اليمني من القضية الجنوبية التي كانت قد دخلت مرحلتها الثالثة بعد حرب ١٩٩٤ ، وما شهده الجنوب من غليان بسبب ما آل إليه الوضع ، وكيف أخذ الحزب يتفاعل مع التطورات السياسية على الساحة اليمنية مؤثراً فيها ومتأثراً بها ، وحافظ على وجاهة موقفه من القضية الجنوبية واستقرار اليمن على قاعدة الاعتراف بهذه القضية ، وتجنب الحروب ، ومقاومة إعادة انتاج الصراعات ، وتحدي منهج التكفير الذي وظف لأغراض سياسية ، والتصدي للمشروع العنصري والطائفي للمليشيات الحوثية الذي أغرق اليمن في أعظم كارثة يشهدها عصره الحديث ، وذلك على النحو الذي يعرضه البحث .
يقف البحث أمام بعض الكتابات السياسية والتي تلتقي عند نقطة واحدة ، وهي محاولة قلب الحقائق وتجنيد الوقائع التاريخية في معركة تزييف التاريخ التي برزت تجلياتها في كتابات مترَفة في ظاهرها وفقيرة في محتواها .
لقد كان من الضروري توضيح بعض الأمور بعد أن شُحن التاريخ بأكوام من الغث ، وكان لا بد من استعراض موجز يسلط الضوء على محطات بعينها على نحو مكثف تاركين التفاصيل لوقت آخر انسجاماً مع ما نراه من ضرورات لاحترام دور التاريخ في إيقاظ الأمم في زمن الكوارث ، لا في خلخلتها . ونحن في مرحلة لا يجب أن نوظف التاريخ في المزيد من الخلخلة ، هذا إذا لم نستطع أن نجعل منه صوتاً لليقظة.
إن القضية الجنوبية هي العمر السياسي للجنوب في المرحلة الكولونيالية مروراً بتحقيق الاستقلال وتحرير الجنوب ، وقيام دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ، ومرحلة ما بعد الوحدة وقيام الجمهورية اليمنية وحتى اليوم . وهي التي ، فيما لو تخلى الجميع عن العقلية التي تحكمت في المسار السياسي الذي شكلته محطات الانقلابات والصراعات والحروب ما بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر ، فإنها ستشكل رافعة لاستقرار اليمن .
خلفية تاريخية
أسفرت حرب ١٩٩٤ عن "انتصار الشمال على الجنوب" ، بالتعبير الذي استخدمه بعض منظري المنتصر في الحرب في مقاربتهم التي شبهوا فيها حرب اليمن ونتائجها بالحرب الأهلية الأمريكية عام ١٨٦١ والتي انتصر فيها الشمال على الجنوب ، وقيام سلطة تحالف الحرب فيما بعد بإفراغ الجمهورية اليمنية من كل ما كان له صلة بالوحدة السلمية ، وإعادة شحنها بالجمهورية العربية اليمنية .
لقد أدى المسار السياسي والتعبوي التحريضي الذي سلكته تلك السلطة إلى نشوء تململ اجتماعي واسع في الجنوب ، سرعان ما تطور ليأخذ شكل حراك شعبي أطلق عليه الحراك السلمي ، وأخذ يتصاعد مستمداً دينامياته من الممارسات التعسفية ، والتهميش الذي تعرض له الجنوب ، وكذا حالة الإحباط التي سادت اليمن بأكمله والناس يشاهدون وحدتهم السلمية تمزق بدانات المدافع .
لم يستكمل الحراك السلمي عناصره السياسية إلا بعد فترة طويلة ، حيث ظلت التسمية مشوشة بالطبيعة الجماهيرية التي كان لا بد لها ان تُنْضج الجانب الاجتماعي قبل الانتقال الى المسار السياسي .
وكان أن توفرت لهذا الحراك شروط موضوعية ، تخلف عنها الشرط الذاتي إلى حد كبير ، وخاصة في بداياته الأولى .
في هذه الأثناء أخذت الشروط الموضوعية الناشئة عن تلك الممارسات ، وعلى وجه الخصوص ما رافقها من تهميش للشخصية الجنوبية السياسية والوطنية والتاريخية ، تتبلور على نحو أكثر وضوحاً ، وتضغط باتجاه استكمال عناصر مقاومة هذا النهج التعسفي من خلال إنضاج العامل الذاتي في ساحة الفعل المعارض سلمياً . غير أن ما يمكن ملاحظته هنا هو أن محاولة إعادة انتاج الزعامات التقليدية لقيادة الحراك على نحو نخبوي كاد يهدد بإخماد التفاعل الاجتماعي وتمزيق الحراك .
ثم أخذ الحراك ينتظم سياسياً في سياق شعبي متصل بظروف المعاناة العامة والذاتية لمنتسبيه على حد سواء ، واستطاع أن يعيد بناء المشهد على النحو الذي جعله أكثر تعبيراً عن حاجة الجنوب إلى احتشاد سياسي ( وليس عصبوي) يمكنه من إعادة الاعتبار لمكانته في المعادلة الوطنية ، وهي المكانة التي أخذت سلطة ما بعد الحرب تشطبها وتزيلها من الخارطة السياسية والوطنية .
القضية الجنوبية
جرى التعبير عن هذا الاحتشاد وأهدافه ب "القضية الجنوبية" ، وهو مصطلح كان قد استخدم في المرافعات التاريخية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء النضال الوطني من أجل الاستقلال .
وبإعادة استخدامه ، كان المقصود بذلك هو التمسك بشخصية الجنوب في المعادلة الوطنية ، ولم يكن يحمل أي دلالات انفصالية أو صدامية في المرحلة الأولى ، ولكنه يضع الجنوب بشخصيته السياسية - التاريخية كطرف في الوحدة ، لا كملحقٍ قابلٍ للتصفية والازالة تحت أي ظرف من الظروف .
والسؤال ، هل الحراك السياسي هو الذي خلق " القضية الجنوبية" أم أن هذه القضية هي التي تسببت في الحراك ودفعت به إلى الشارع ؟
الحقيقة هي أن هناك علاقة جدلية بين الفكرة كأساس موضوعي وتعبيراتها التي تجلت في صورة حراك شعبي أعاد إنتاج الفكرة ودفعها إلى الصدارة . فالحراك السياسي لم يخلق القضية الجنوبية على نحو إرادوي أو تحكمي ، أو بدون أساس موضوعي كامن في بنية التاريخ السياسي للجنوب ،
فقد سبق كما قلنا أن استخدم هذا المصطلح في مرحلة النضال من أجل الاستقلال، وغالباً ما كان يستخدم من قبل وثائق الأمم المتحدة ، أي أنها لم تكن رغبة في اصطناع "عنوان" تعبوي مشاغب يضمر مشروعاً إنفصالياً ، كما يقول البعض ، فمسارات الحراك وما صاحبه من حوارات فكرية وسياسية ، وتعديات ، واعتقالات ، ومغازلات ، واختراقات كشفت الغطاء عن الوضع السياسي القائم ، ووضعته تحت المجهر في صورة الأزمة البنيوية التي كان يعيشها النظام بشقيه : السلطة والمعارضة ، وهو ما يجعلنا نتتبع الأساس الموضوعي لهذه القضية في سياقاته التاريخية ؛ أي أن هناك قضية ملازمة وسابقة لنشوء تلك التفاعلات الاجتماعية والسياسية التي أخذت تنمو في الجنوب ما بعد الحرب ، واتجهت بها نحو بلورة مضمون سياسي متناغم مع ما شهدته البلاد من تبدلات ؛ وذلك عبر المراحل الثلاث التي مرت بها هذه القضية ، وهي :
المرحلة الأولى
وهي التي تمتد من الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، حيث كان الحنوب مقسماً إلى ٢٣ سلطنة وشيخة وإمارة ومستعمرة قبل أن تنجح ثورة ١٤ اكتوبر في تحرير الجنوب وتوحيده في دولة واحدة .
ويرى البعض أن "قضية الجنوب" تبدأ من هنا ، سواءً من النقطة التي طرحت فيها كعنوان بارز في المحافل الدولية وصولاً إلى الى تحقيق تلك الخطوة ، أو من التشكيك في مشروعيتها ، والتي يقول البعض إنها تعسفت الواقع السياسي والتاريخي للجنوب وأكسبته صفة مختلفة عن حقيقته ، وحولته من " جنوب عربي" إلى "جنوب يمني" مستندة إلى الفكرة القومية الايديولوجية يومذاك للجبهة القومية التي قادت التحرير والتوحيد . كان الأساس هو الشرعية الثورية ، حيث لم يستفتَ شعب الجنوب على ذلك ، الأمر الذي يترتب عليه ، من وجهة نظرهم ، بطلان كل ما حدث بعد ذلك من تغييرات جوهرية في وضع الجنوب ، سواء في صورة توحيد مكوناته السياسية والاجتماعية ( سلطنات ، إمارات ، مشيخات ، مستعمرة) في دولة واحدة ، أو وحدته فيما بعد مع الشمال .
هذا التفسير للقضية الجنوبية الذي يعود بها إلى ذلك التاريخ المبكر ليس مقطوع الصلة عن مشروع سياسي كان حاضراً آنذاك بقوة ، لكن ليس بالضرورة أن يكون أصحاب هذا الرأي اليوم هم أنفسهم أصحاب المشروع القديم ، فقد أسفرت تقلبات الحياة السياسية عن تبدلات في المواقف بسبب الصدمات الناشئة عن مسارات السياسة ، وما رافقها من حروب وانتكاسات.. وهذا التشكل يحاول أن يعيد بناء الفكرة في ضوء المعطيات التي أفرزها الواقع ، مع الاستقواء بقراءات سياسية تعتمد واقع التجزئة الطويل الذي كان قائماً قبل الاستقلال وما رافقه من صراعات انتهت بوضع الجنوب على خارطة جيو سياسية أكبر وأوسع جنباً إلى جنب مع الشمال ليشكلا معاً خارطة اليمن الطبيعية .
المرحلة الثانية
وتبدأ مع قيام الوحدة بين الدولتين في ٢٢ مايو ١٩٩٠ . وهناك من يرى أن "القضية الجنوبية" تبدأ من هذا التاريخ بسبب أن الوحدة المعلنة ، كما يقولون، جرى سلقها على عجل دون مراعاة الشروط الضرورية والكافية لنجاحها . ويتحدث هؤلاء عن اهتمام قيادتي الدولتين فقط باقتسام السلطة والوظائف دون رؤيا استراتيجية لبناء دولة الشراكة الوطنية بقواعد دستورية وقانونية واضحة . ويقول هؤلاء إن قيادة دولة الجنوب المتمثلة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ، لم تأخذ رأي شعب الجنوب في الوحدة ، بل رتبتها من وراء ظهره .
وهذا المنطق لم يظهر سوى بعد سنتين من اعلان الوحدة ولأسباب ارتبطت ارتباطاً قوياً بالتحريض على القيادة الجنوبية التي حققت الوحدة في مسعى لإضعاف موقفها في المواجهة التي بدأت مع قيادة صنعاء بخصوص بناء دولة الوحدة .
وفي حين شجعت قيادة صنعاء ودعمت مثل هذا التحريض لاحداث انشقاقات في الصف الجنوبي ، أخذ البعض يوظف ذلك التحريض ويفبرك المزيد منه لبلورة "القضية" في نسق من المفاهيم التي استهدفت إدانة القيادة الجنوبية وصولاً إلى إدانة الوحدة ، وتهيئة الارضية السياسية والاجتماعية للحرب وتصفية شريك الوحدة السلمية في أسوأ خيانة سياسية وأخلاقية عرفها التاريخ السياسي اليمني .
والملفت للإنتباه أنه مع كل مرة تطرح فيها هذه القضية على نحو معاكس لطابعها الوطني فإنها تتحول إلى محور ائتلافي لكل القوى التي كان لها حسابات خصومة مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ؛ وكانت قيادة الجمهورية العربية اليمنية فيما بعد الوحدة تقدم الذرائع لبلورة القضية بهذا المفهوم المشوه ، وبصورة غير مباشرة ، نكاية بالحزب الاشتراكي ودولة الجنوب التي توحدت معها .
فبعد الوحدة مباشرة كرست القيادة في صنعاء وأجهزتها حملة واسعة تتفق مع المنطق الذي يقول إن الوحدة سلقت سلقاً ، وأخذت تردد على نحو واسع أن قيادة الجنوب هربت إلى الوحدة مضطرة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ، وكان الهدف هو كسر مكانة الشريك الآخر في هذه العملية التاريخية ، وإظهاره بأنه لم يأت الى الوحدة إلا مجبراً . وبطبيعة الحال فإن هذا يضع فارقاً عملياً بين إرادة "قيادة هاربة" من مصيرها إلى " الملاذ الآمن!!" ، وإرادة شعب لم تأخذ هذه القيادة رأيه لانشغالها بنفسها ، حسب محتويات الحملة .
كانت الحملة التي قادها جهاز نظام صنعاء الاعلامي والاستخباراتي ، بصورة مكثفة ومركزة ، سبباً أساسياً في إرباك ركن أساسي من أركان الوحدة وهو ركن "الارادة" ، أي إرادة وأهلية التوقيع المحمولة بالتفويض الدستوري والقانوني في تمثيل مصالح شعب الجنوب في دولة الوحدة .
كانت الحملة مزيجاً من العمل الإعلامي التحريضي والتهريج ،( ومن ذلك مثلاً أن قيادة الجنوب طلبت أن تغادر صنعاء القيادات الجنوبية التي جاءت الى الشمال بعد كارثة ١٩٨٦ ، وهو أمر لم يحدث بالمطلق ، ولم تتخذ قيادة الدولة الجنوبية أي قرار بشأنه ، بل بالعكس كانت قد أرسلت من يفاوض تلك القيادات قبل الوحدة وكنت واحداً ممن كلف بهذه المهمة ) .
كما أن الحملة الاعلامية ركزت على أن القيادة الجنوبية لم تأت إلى الوحدة إلا هروباً ، وظلت تستعبط وعي الناس بتوظيف ما حدث في المعسكر الاشتراكي من تغيرات ليبدو الأمر وكأنه لم يكن هناك مفر لدولة الجنوب سوى الذهاب إلى الوحدة ، وتحول هذا الاستعباط إلى معزوفة يرددها كثير من السياسيين بقوالب مختلفة من الصياغات التي تبرز المشاركة في حملة التشويه التي هيأت لحرب ١٩٩٤ أو عملت على تبريرها .
لم تكن تلك الحملات تستند على أي براهين سياسية أو اقتصادية أو معنوية من أي نوع كان من شأنها أن تجعل أي عاقل يقبل أن الشمال يومذاك كان ملاذاً آمناً لأية قيادة كي تهرب إليه ، فقد كانت الاوضاع الاقتصادية في الشمال أسوأ بما لايقاس بالمقارنة مع الجنوب ، حتى أن ضمانات البنوك التجارية كانت تعاد من الخارج بسبب عدم قدرة البنوك التجارية في الشمال على تغطية تعهدات المستوردين ؛ وسلمت شخصياً مستندات بخصوص هذا الموضوع لرئيس وزراء الشمال حينها الاخ عبد العزيز عبد الغني أثناء لقاءنا في تعز لمناقشة بعض الترتيبات الخاصة باختيار عملة جديدة وباعلان عدن عاصمة اقتصادية ، وهما الموضوعان اللذان تمت المماطلة بتنفيذهما حتى قامت الحرب ودفنا تحت أنقاض الوحدة السلمية مع غيرهما من القضايا التي رفضت صنعاء تنفيذها كإلغاء النظام المركزي والأخذ بالحكم المحلي ، وتوحيد التعليم على قاعدة القانون الجديد ، واخلاء المدن من السلاح ، والتمسك بمكتسبات قانون الأسرة ، وغيرها من القضايا التي ارتبطت ببناء دولة الوحدة .
لقد فتحت هذه الحملات ثغرة هامة في جدار الوحدة ، وتدفقت منها أسئلة كثيرة حول شرعية هذه الوحدة . فإذا كانت صنعاء لا ترى في الطرف الآخر" الشريك" إلا هارباً يجب التعامل معه كضيف ، فكيف سيتم ترتيب أوضاع دولة الوحدة وشراكتها في وضع كهذا !! أي أن على هذا " الضيف" أن يقبل ما يعرض عليه فقط ، ولا يجوز له أن يفكر أبعد من ذلك .
وبسبب هذا التهريج ، الذي روجت له ، وتمسكت به ، قيادة صنعاء يومذاك كإطار عام لعلاقتها بالشريك القادم من الجنوب ، تعثر برنامج بناء دولة الشراكة الوطنية ، واصطدم بعقبات حقيقية جعلت الفترة الانتقالية تمر دون القيام بأي خطوات جادة لتنفيذ اتفاق الوحدة الخاص باستكمال أسس بناء الدولة ..وعوضاً عن ذلك تم العمل على تصفية دولة الجنوب وأجهزتها ومؤسساتها ومنجزاتها وثقافتها ، وتكريس نظام دولة الشمال بأجهزته ومؤسساته وثقافته وخيباته .
كانت هذه العملية هي أبرز تجليات الصيغة الإلحاقية التي انقلبت على الوحدة ، وعلى بناء دولة الشراكة الوطنية . كان التمسك ببنائها يعني إعادة هيكلة النظام السياسي على أسس مختلفة تتواءم مع الأهداف التي قامت على أساسها الوحدة ، وهو أمر لم تكن لتسمح به قيادة صنعاء ومتنفذو النظام السابق للوحدة ، والذين ظلت لهم اليد الطولى في تفريغ كل القرارات الوحدوية من مضمونها أو تجميد تنفيذها في أرض الواقع .
رافق كل ذلك القيام بالاغتيالات والتفجيرات ضد قيادات وكوادر دولة الجنوب والحزب الاشتراكي في موجات عنف منظم بدأت باغتيال العقيد ماجد مرشد عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي ، بعد اختطافه الى مقر الأمن المركزي وقتله هناك ، وصاحبتها حملات تكفير ، كان أكثرها تأثيراً تلك التي تتم في المساجد وفي خطب الجمعة ، أودت بحياة المئات . في حملات التكفير تم اختلاق وفبركة حوادث وأقاويل لتبرير تلك الحملات .
ويمكننا أن نورد مثالين فقط لتبيان الاختلاق والفبركة :
-في إحدى خطب الجمعة في مسجد حدة ادعى إفتراءً خطيب ، مشهور بتحريضه على العنف ، فيما اعتبر يومذاك تعدٍ على الذات الإلهية أن رئيس مجلس النواب الدكتور ياسين سعيد نعمان قال "إن الحكم للقاعة (أي لقاعة المجلس) وليس لله" ، وكان ذلك ادعاءً لا يستند على أي دليل ، ولم يصدر مني مثل ذلك القول الملفق سوى أن عدداً من أعضاء المجلس ناقشوا معي في لقاء خاص مسألة عرض الموضوعات قبل إقرارها من قبل المجلس على "العلماء" ليقولوا رأيهم فيها ، وهو ما اعترضت عليه لأنه يتعارض مع وظيفة المجلس التشريعية وحتى لا يضع أحد نفسه فوق إرادة المجلس ، وما يخص القضايا الشرعية فهناك لجنة تقنين احكام الشريعة الاسلامية .
ويبدو أن هذا الموقف لم يرق للبعض ، وكانت الخطبة التي صبت في مجرى الخطة التي قصد بها ملاحقة القادمين من الجنوب ، ووضعهم في وضع الاتهام بالالحاد والتي سهلت فيما بعد عملية الاغتيالات وقصف المنازل بالقذائف الصاروخية .
- تقدم أكثر من خمسين عضو من أعضاء المجلس جلهم من أعضاء كتلة المؤتمر الشعبي العام في المجلس بطلب الى رئاسة لعرض ومناقشة مشروع قانون التعليم الذي كان قد أعدته لجان الوحدة ، وحاولت إقناعهم بتأجيل الموضوع لمعرفتي بحساسية كثير من قضايا الخلاف والتي ستؤدي الى تعقيدات الوضع العام ما لم يكن هناك اتفاق سياسي بشأنها . لكنهم اصروا على طرح الموضوع على المجلس الذي وافق على العرض والمناقشة بالأغلبية .
ثم وجد البعض في ذلك موضوعاً لمواصلة التحريض والتكفير وقُصف مسكني في شارع نواكشوط في صنعاء بقذيفة صاروخية أدت إلى تدمير الطابق الأعلى منه ، وبعدها بشهرين تم القاء قنبلة يدوية امام المسكن ادت الى مقتل أحد جنود الحراسة.
ملاحظة :(لم تتوقف التلفيقات عند هذه المحطة القديمة ، بل استمرت في ظروف أخرى حينما أخذ البعض يروج لكذبة تافهة وحقيرة أخرى ، وبنفس الروح المتهالكة على البغضاء والذم ، وهي أن الدكتور ياسين الامين العام الحزب الاشتراكي قال إن دخول الحوثيين صنعاء هي "عملية قيصرية" .. صناعة الكذب لتبرير حملات التشويه والتكفير ظلت رائجة في سوق السياسة المشحون بأيديولوجية الكراهية والموت ) .
وكانت صنعاء قد شهدت تفجيرات واسعة استهدفت كثير من القياديين القادمين من الجنوب أو المحسوبين على الحزب الاشتراكي .
لقد ولدت هذه الأعمال مزيداً من الاحباط العام ، واتسعت معها الثغرات على جدار الوحدة .
في هذه الأجواء طرحت فكرة دمج الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي ، وكان واضحاً أن فكرة الدمج كانت هي المحاولة الأخيرة لقتل مشروع بناء دولة الوحدة على أسس ديمقراطية ، أي أن المرتكز الأساسي لقيام الوحدة ، وهو الديمقراطية ، سيتم نسفه بهذه الخطوة التي كادت أن تحدث شرخاً في الحزب الاشتراكي ، وأدت إلى جدل واسع انتهى برفض الفكرة من قبل أغلبية اللجنة المركزية والمكتب السياسي ، وهو ما يؤكد أن الأزمة التي نشأت بين طرفي الوحدة كانت تدور حول مسألتين جوهريتين :
١-شراكة السلطتين ، أم
٢-شراكتين الدولتين .
لقد كان رفض الحزب الاشتراكي لعملية الدمج منسجماً مع موقفه الرافض لفكرة شراكة السلطتين على حساب الشراكة الحقيقية المتمثلة في أن يكون الجنوب شريكاً كاملاً بسكانه ومؤسساته وجغرافيته ، ولو أنه قبل بالشراكة نيابة عن الجنوب لجاز اتهامه بالتخلي عن الجنوب مثلما حاولت الحملات السياسية والاعلامية يومذاك أن تكرسه في وعي الجنوبيين الذين أخذ الإحباط يتسرب إليهم ، مما جعل نشر هذه الروايات على نطاق واسع يؤثر في الوعي على نحو ملموس .
إن موقف الحزب هذا هو أهم معيار في فهم رؤية الحزب للوحدة ، ويمكن بواسطته أن نعرف ما إذا كان الحزب قد هرب إلى الوحدة كما يروجون ، أو أن الوحدة بالنسبة للحزب كانت مشروعاً استراتيجياً في صلب نضاله الوطني .
لقد تم تقويض هذا المشروع التاريخي ، الذي كان حلماً للحركة الوطنية اليمنية ، ناضلت من أجله وقدمت التضحيات الجسيمة لتحقيقة ، بتوظيف العوامل التالية :
١- إن الارادة السياسية لقيادة نظام صنعاء اتجهت نحو استبدال الوحدة السلمية ومعادلها الموضوعي "الديمقراطية" ، ب"وحدة إلحاقية" ، حتى لو تطلب الأمر تحقيقها بالدم ( وهو ما تحقق فيما بعد) ، جعلها تماطل وتراوغ في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من قوانين وقرارات متعلقة ببناء مؤسسات دولة الوحدة حتى تتمكن من تطبيق خيارها الالحاقي الذي أضمرته منذ اليوم الأول لإعلان الوحدة . وبتوافق تام مع هذا التوجه عملت على محاصرة شريك الوحدة وإضعافه وكسره باستخدام كل الوسائل بما في ذلك التفجيرات والاغتيالات وحملات التكفير ، وغير ذلك من حملات التشهير والتشويه والتحريض بأن القيادة الجنوبية قبضت ثمن الوحدة ،
وكان رد الذين يقومون بعملية التشهير تلك عند سؤالهم عن نوع الثمن الذي استلمته القيادة الجنوبية هو أنهم حصلوا على الفلل والسيارات ، وكأنهم في الجنوب كانوا حفاة عراة ثم جاءوا إلى صنعاء يقاسمونهم الثراء ويطاولونهم في البنيان ، بينما لم ينتبه هؤلاء المحرضون الذين انتشروا في كل مكان يحرضون ويشهرون بقيادة الجنوب بأنهم كانوا ينام فوق خازوق ضخم أرادت الوحدة ان تنتزعهم من عليه فإذا بهم قد استمرأوا الخازوق الذي لم يُفْشل الوحدة فقط وإنما دمر معها اليمن .
٢- تم محاصرة قيادة الجنوب في صنعاء بالعامل الأمني ، ووضعوها أمام خيارين : إما القبول بالحصار وتجميد نشاطهم السياسي والاداري ومعهما التلاشي التدريجي ، أو الرفض والمواجهة مع ما يرتبه ذلك من تسريع لاشعال الحرب التي أعدتها قيادة صنعاء كمشروع لتحقيق خيار وحدة الالحاق .
مثال على الحصار : قامت بعض القبائل في الغولة وخولان بدعوة نائب الرئيس يومذاك ومعه بعض قيادات الجنوب للاحتفاء بهم ، فضجت قيادة صنعاء ، وكان رد فعلها أن أخذت التفجيرات والاغتيالات تعم منازل القيادات الجنوبية ، والبدء بمحاصرتهم في صنعاء وتحذيرهم من مغادرتها بحجة أن الوضع الامني منفلت .
٣- تراجع الاحساس بالوحدة كمشروع استراتيجي للوطن ، وإعادة صياغتها في الوعي من خلال وقائع الحياة على أنها مجرد مشروع للتغلب والسيطرة . لم يترك هذا المشروع أي خيار سوى رفضه ومقاومته .
٤- لم يشرّع للشراكة الوطنية على النحو الذي يجعل التمثيل في هيئات ومؤسسات الدولة المختلفة مُعَبّراً عنه بمعايير أخرى غير معيار السكان ، الذي أخذ به قانون الانتخابات ، والذي كان يجب أن يكون موضوع اتفاق ارادتين سياسيتين .
بموجب ذلك أخذ تمثيل الجنوب في مؤسسات الدولة يتقلص على نحو بدا وكأنه يُختزل بصورة أصغر من مكانته كطرف ثان في الوحدة .
لقد أدى هذا التراجع المفاجئ في التمثيل في مؤسسات "دولة الوحدة" إلى طرح سؤال حول مستقبل الشراكة التي تمسك بها سكان الجنوب لتأمين حقوقهم السياسية والاقتصادية والحقوقية .
هذه المشكلات التي أسفرت عنها تطبيقات السنوات الانتقالية (١٩٩٠ / ١٩٩٣) يراها البعض سبباً في بلورة " القضية" الجنوبية على هذا النحو الذي بدت معه كمعركة لبناء اليمن على أسس جديدة تضمن استقراره وتطوره . لقد تجلت القضية الجنوبية في معركة البناء تلك في أكثر مضامينها ارتباطاً باستقرار اليمن .
والحقيقة أن الجانب الأكبر من هذه المشكلات كانت قد صنعت على نحو مقصود لتتعاكس مع مضامين الوحدة التي استهدفت في الأساس بناء دولة يكون الجنوب ، لا الحزب الاشتراكي ، طرفاً معادلاً فيها ، وهو ما قاومته ، كما أشرنا سابقاً، نخبة الحكم والقوى المتنفذة في الشمال ، واتجهت بالبلاد نحو أزمة حادة ، بادر الحزب فيها إلى تقديم مقترح الحل المتضمن ثمانية عشر نقطة كانت أساساً للحوار الذي خاضته القوى السياسية لبحث الأزمة والتوصل إلى ما عرف بوثيقة العهد والاتفاق .
المرحلة الثالثة
وهي ما بعد حرب ١٩٩٤ ، فقد كشفت الحرب ، وما أعقبها من سياسات وممارسات لسلطة ما بعد الحرب أن المشاكل التي واجهتها الوحدة حتى ليلة الحرب لم تكن عشوائية بقدر ما كانت منهجاً مدروساً بعناية ، رتّب الوصول بالحياة السياسية إلى مأزق أفضي بها إلى الحرب بهدف شطب الجنوب من معادلة الدولة . وهو الأمر الذي أكسب الطابع السياسي للأزمة بعداً بنيوياً لم يستطع معه تحالف الحرب الحاكم ، بعد ذلك ، أن يستوعب أن الانقلاب على الوحدة السلمية بالحرب قد فتح الباب لانهيارات قيمية في الحياة السياسية عموماً من شأنها أن تفرض بعد ذلك معايير مختلفة في الحكم ، مما يعني أن استقرار البلاد سيكون ضحية لها .
وكان أول ما أقدمت عليه هذه السلطة هو شطب المواد الدستورية والقانونية التي عبرت في الأساس عن طبيعة نظام الحكم في دولة الوحدة واستبدلتها بمواد أعادت إنتاج نظام ما قبل الوحدة .
وبهذا الصدد يمكننا ملاحظة ما يلي :
١- قامت الوحدة سلمياً وعلى قاعدة الديمقراطية ، وتركتها الحرب مكشوفة على ما رتبته خيارات القوة من نتائج كانت كارثية على البلد ..
٢-الجنوب الذي جرت الحرب على أرضه ، أفرغت الحرب منه شحنات الوحدة التي عُبِّئت بها القضية الجنوبية منذ بواكير النضال الوطني من أجل الاستقلال ، وجرت محاولات استزراع وحدة القوة والدم ، وبث قيمها التي أفرغت القضية الجنوبية من هذه العبوة لتُملأ بعبوات ناسفة للأحلام التي بشر بها المشروع الوطني وبمعطيات تم استدعاؤها من التاريخ السياسي للجنوب بهدف إثبات "الخطأ" الذي وقع فيه هذا المشروع " القومي" .
وكان تحويل الجنوب إلى مجرد ملحق من قبل سلطة حرب ٩٤ ، ونهبه على نطاق واسع وإعادة دمجه في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدولة الجمهورية العربية اليمنية ، محط استدلال مادي من قبل البعض لتخطئة هذا المشروع الوطني الذي أخذ مناصروه يُسَفَُّهون ويتهمون بخيانة الجنوب لدرجة أنْ قام بعض المتطرفين والمهرجين في نفس الوقت بالتشكيك في انتمائهم للجنوب ، من منطلق أن الوحدة إنما هي مشروع شمالي .
لم يفرق هؤلاء بين الوحدة كمشروع وطني ناضل من أجله الوطنيون جنوباً وشمالاً ، وبين التجربة التي انتهت إلى حرب أفرزت تلك الكارثة .
٣-تعاملت سلطة ما بعد الحرب مع الجنوب كملحق وليس كطرف ، وأبقت الحالة الانقسامية في الوعي الاجتماعي والوطني قائمة ، فالاسلوب الذي اتبعته مع الجنوب اقتصر على إبقائه حاضراً في المشهد من خلال تعيين جنوبيين في بعض المواقع الرسمية كرست حضوره الشكلي ، ولكنه غائب عن الشراكة . وهذه الحالة ظلت تنتج فجوة خطيرة في الوعي إزاء وضع الجنوب في الجمهورية اليمنية .
٤- عملت تلك السلطة على الزج بالجنوب في أشلاء الصورة الممزقة للجمهورية اليمنية وذلك بتكريس "إلحاقية" الجنوب في الكيانية العامة لدولة غائبة من خلال التمثيل الشكلي في السلطة وعلى قاعدة سياسية منتقاة ، وذلك على النحو الذي يبقيه ، كما قلنا ، حاضراً في الصورة فقط بدون شراكة حقيقية .
٥- تم في سياق تمثيل الجنوب ، على هذا النحو الكيفي والشكلي ، تشكيل توليفة من مخلفات الصراعات السياسية السابقة ، وبالتالي لم يكن معبراً سوى عن حاجة سلطة الحرب ؛ وهو التمثيل الذي كانت صنعاء تريده من الحزب الاشتراكي ورفضه ، مما أدى إلى نشوء تلك الأزمة التي لم تنته بالحرب ، بل أخذت تتصاعد في صيغ أكثر تعقيداً ، وكان من مظاهرها استبدال شراكة الجنوب بشراكة نخب سياسية واجتماعية جنوبية ، وهو ما قدم الدليل على أن الأزمة التي سبقت حرب ١٩٩٤ تتلخص في رفض قادة صنعاء على إقامة نظام شراكة حقيقي يكون فيه الجنوب طرفاً مكافئاً في بنية دولة الجمهورية اليمنية .
٦- إن الشمال نفسه لم يكن شريكاً على النحو الذي يجري فيه الحديث عن شراكة الجنوب المخطوفة ، فشراكته هو أيضاً قد خطفتها نخب سياسية وعسكرية وقبلية متنفذة ، وهو ما عبر عنه الحزب الاشتراكي في إصراره على أن بناء دولة الوحدة هي طريق الشعب اليمني بأكمله للخلاص من الاستبداد والتخلف . لكن نظام الجمهورية العربية اليمنية أصر بواسطة الحرب على الحافظ على كيانيته ، ورفض التنازل عن جزء منها لدولة الوحدة ، وبدا كما لو أنه هو دولة الوحدة التي اكتفت بالتوسع في الأرض ، ولذلك فقد حرم الجنوب والشمال معاً من هذا المكسب التاريخي . وبينما عاقبت سلطة ما بعد الحرب الجنوب كله ، فإنها واصلت اضطهادها وملاحقتها لأعضاء ومناضلي الحزب الاشتراكي اليمني المنتمين الى الشمال .
ومنذ ذلك التاريخ تعرض الآلاف من هؤلاء المناضلين للتسريح من الخدمة والمطاردة والتصفية وحرم الآلاف من رواتبهم ومعاشاتهم في أسوأ عقاب يتعرض له الانسان . لا بد من الاعتراف هنا بأن قيادة الحزب فرطت في المكاسب التي حصل عليها كثير من مناضلي الحزب في الشمال بقيام الوحدة .
لقد تم ، وعلى نحو مفاجئ وغير مبرر اتفاق بين الرئيس ونائبه على شطب آلاف الاسماء ممن تم ترتيب أوضاعهم في المؤسسات الحكومية الامنية والعسكرية وغيرها قبل الوحدة ، وهو الأمر الذي أدى إلى تداعيات ألحقت أضراراً جسيمة بمشروع الوحدة .. كان ذلك أسوأ قرار يتخذ بحق أولئك المناضلين الذين قضوا حياتهم في خنادق الدفاع عن الثورة ومقاومة الاستبداد السياسي والظلم ، بعضهم لا يزال يلاحق وراء راتبه حتى اليوم ، وبعضهم غادر الحياة وفي نفسه غصة من " الوحدة".
٧- إن الاجراءات التعسفية التي اتخذت بعد الحرب أدت إلى انتكاسة في الوعي الوحدوي في مجتمع كانت "الوحدة" رأسماله الحقيقي ، فقد تم تسريح ما يقرب من أكثر من مائتين ألف انسان ، من وظائفهم ، وخصخصت مصانعهم ومؤسساتهم في أسوأ عملية عقاب جماعي ، ناهيك عمن استبيحت مزارعهم وتعاونياتهم وممتلكاتهم ووجدوا انفسهم مهددين في حياتهم بلا وظائف ولا عمل ولا مستقبل .
٨-لم تكن السلطة الجديدة سوى عقوبات وتصفيات وتسريح من العمل ، ونهب أراضي وممتلكات ، وفساد ، وخطاب سياسي دوري يذكر الجنوبيين بالهزيمة . تمت تصفية وتفكيك المصانع والمعامل ، والمتاجرة بأراضيها ونهب مكائنها ، وتم خصخصة المؤسسات العامة وتسريح عمالها ، وجسد ذلك السلوك تلك السياسة التي لم تكن ترى الجنوب غير أرض وجغرافيا بلا سكان وبلا تاريخ ، وهي السياسة التي دفعت بالقضية إلى مسارات مختلفة ، وانعشت وعي الناس بحقيقة أن الوحدة التي حلموا بها قد انقلبت عليهم ، وأقامت حاجزاً بين أحلامهم والواقع الذي رمتهم فيه الحرب ، ثم دفع اليمن كله ثمنها في نهاية المطاف .
٩- تم تصفية المكاسب الاجتماعية للناس في صورة مساكن وتعاونيات ومزارع دولة وأطلقت أيدي العابثين لتصفية خصومتهم مع هذه المكاسب وغيرها من الحقوق الاجتماعية المكتسبة بموجب القانون كحقوق المرأة بإلغاء قانون الأسرة وما حصلت عليه من مكاسب ، حيث تم قمع الثقافة السياسية والاجتماعية التي كانت قد تشكلت بمضامين قيم الدولة الحديثة ، ومنها المواطنة ، وحق العمل ، واحترام حقوق المرأة .
وهنا تجسد موضوع الإلحاق ، الذي كان الهاجس الأكبر لمتنفذي صنعاء وهم يقاومون بناء دولة الوحدة ، في أكثر تجلياته وضوحاً .
١٠- أدت هذه السياسة إلى تعقيد الوضع في الجنوب لدرجة لم يعد معها ممكناً تسويق ذلك المفهوم القسري والمشوش للوحدة ، وأخذت القضية الجنوبية تتبلور في وعي المجتمع بمفاهيم سياسية مشتقة من وثيقة العهد والاتفاق التي كانت قد ركزت على "إصلاح مسار الوحدة" ، وهي الوثيقة التي تنصلت منها سلطة ما بعد الحرب ، وأطلقت عليها وثيقة الخيانة .
لم يكن إعادة رفع شعار " إصلاح مسار الوحدة " بعد الوحدة سوى محاولة للتمسك بوثيقة العهد والانفاق ، والعمل بمضامينها التي هدفت إلى معالجة الأزمة وتجنب الحرب ، لكن ، أمَا وقد شبت الحرب وانتصر فيها الرافضون لاصلاح مسار الوحدة ، كما ورد في الوثيقة ، فكيف سيستجيبون الآن وقد "عمدوا الوحدة بالدم" ، على حد قولهم ، بعد أن رفضوها باعلان الحرب .
١١- لقد ظلت هذه السلطة ترفض كل المبادرات التي أطلقت من قبل الحزب الاشتراكي وبعض القوى السياسية الأخرى لتصفية آثار الحرب ، والتوقف عن الإلحاق القسري للجنوب بأدوات الحرب والقوة ، وتصفية شخصية الجنوب التاريخية التي تم التحذير من أنه فيما لو تم الاصرار على الاستمرار فيها فإنها ستشكل انتكاسة لن تتوقف بالبلاد عند حدود الأزمة القديمة التي انتهت بالحرب ، ولكنها ستمتد إلى ما هو أبعد من ذلك .. وهذا ما يحدث اليوم .
١٢- أدى هذا الوضع إلى تململ اجتماعي في الجنوب ، لم تتوفر له في المرحلة الأولى شروط التحول إلى الفعل السياسي . كانت حقوق الناس المنهوبة ، مع ما رافق ذلك من فساد وعبث ، تحاول أن تعبر عن نفسها داخل مساحات التململ الاجتماعي الذي راح ينضج ويطرح أسئلة تتعلق بمستقبلهم في ظل هذه " الوحدة" التي أخذت سلطتها تقصيهم وتهمشهم يوماً عن يوم ، وتكتفي بتمثيل رمزي كيفي من الجنوبيين يكون أكثر بروزاً في الصورة التلفزيونية منه في الواقع .
القضية الجنوبية ؛ إلى أين؟
بعد حرب ١٩٩٤ توزعت قيادات الحزب الاشتراكي اليمني والقيادات الجنوبية على المنافي في عدد من البلدان العربية والاجنبية ، وصودرت ممتلكاتها ومساكنها ، انخرط كثيرون فيما عرف بحركة "موج"، واستقر نائب الرئيس في عمان وبقي على تواصل مع بعض قيادات الحزب في الخارج ، وواصل آخرون التزامهم للحزب .
أخذت سلطة الحرب تعيد بناء علاقاتها بترسيم الحدود بموجب اتفاقية ١٩٣٤ مع المملكة العربية السعودية .
في هذه الفترة تم إعلان إنهاء "موج" ، وغادر النائب مسقط ، وقام الرئيس صالح بزيارات متكررة للامارات العربية المتحدة ، طلب في إحداها من السلطات الإماراتية أن يلتقي ببعض القيادات التي استقرت في الامارات والتي بلغ عددها ما يقارب الستين أو السبعين قيادياً مع أسرهم وأبنائهم ، وفعلاً ذهبنا للقائه حوالي أربعة أشخاص وكان ذلك بحضور المرحوم محسن العيني ، لم يكن لديه ما يقوله سوى أنه طلب مننا العودة ، وكأنه يسجل موقف "متصالح" أمام الاماراتيين ، وكان كعادته يختار موضوعاً للحديث وينتقل منه إلى آخر .
لم يخلص اللقاء الى نتيجة . في اللقاء الثاني وكان بعد ثلاث سنوات من اللقاء الأول ، وكان بناءً على طلبه من سلطات الامارات أن يكون مع الجميع .
حضر الجميع تقريباً اللقاء ، انتظرنا أن يكون هناك نقاش من نوع ما ، لكن اتضح لنا أن المقصود هو اقناع الاماراتيين بإنهاء الاستضافة وهو الأمر الذي كانت تعمل عليه قيادة صنعاء بقوة من خلال المتابعة بالرسائل الدبلوماسية للسلطات الإماراتية والتي كانت تنص على أن بقاء هذه القيادات في الامارات يضع العلاقة الثنائية بين البلدين على المحك .
تركت السلطات الاماراتية للنازحين فيها حرية البقاء أو المغادرة دون أي ضغوط ، التقى بعدد منا الشيخ محمد زايد عام ٢٠٠٢ وكان رئيساً للاركان وقال أنتم في بلدكم ، نريد أن نعرف فقط مَن مِن القيادات الموجودة هنا لا تستطيع العودة وأن حياتها معرضة للخطر ، وهل ممكن الاتفاق على بقاء هذه القيادات المحدودة فقط ؟ ( كان قد حددها باثني عشر ) . شكرناه على الاستضافة ، وقلنا له لم نجد في هذا البلد إلا كل خير ، لكننا لا نستطيع أن نقوم بمثل هذا التحديد فجميع القيادات السياسية والعسكرية المستضافة في بلدكم الشقيق هي قيادات مهمة وتعرضت للقهر والظلم وهي معرضة للملاحقة ، ونرى أن يترك التقدير لكل واحد منهم فيما يخص أمنه الشخصي .. كما أننا لا نريد أن نتسبب لكم في أي إحراج ، ولا نريد أن يكون بقاؤنا سبباً في تعطيل مصالح بلدكم .
بعد ذلك ، هناك من قرر المغادرة الى أوروبا وأمريكا ، وهناك من قرر العودة الى اليمن ، وهناك في بقي في الامارات ولكن بدون استضافة . وكنا ضمن من قرر العودة الى اليمن .
أخذ الحراك السياسي يتسع وينضج ميكانيزماته بالاستناد الى الدوافع السياسية والاجتماعية والحقوقية التي تفاعلت معاً لتضع القضية في إطار شعبي واسع .
وكغيرها من الحركات الاجتماعية التاريخية أخذت تشتعل بتجاذبات لا تتوقف عند أهداف بذاتها ، بل راحت تتصاعد بخطاب أعلى وآخر معتدل . وأدت هذه التجاذبات إلى خلق تحديات حقيقية أمام القضية من خلال محاولة بلورة هوية "خاصة" صدامية مع ما كان قد ترسخ في الوعي الاجتماعي من مقاربة وطنية للحل بعيداً عن أي غلو في فرض القوة ، أو الهروب إلى استعارات سياسية للتمسك بهويات لا تشكل إطاراً سياسياً ونضالياً للجميع ، بمعنى وضع "الجنوب العربي" في مواجهة مع اليمني .
لقد أقحم هذا الموضوع في المسار العام للقضية ليطرح عدداً من الاشكاليات الشائكة التي لم تكن تعني أكثر من أن هذا التوجه لا بد أن يحمله خطاب سياسي صدامي لفرز ما هو جنوبي عما هو يمني !! وهو ما أدى إلى شروخ خطيرة في الحامل السياسي للقضية الجنوبية . كما أن الخطاب الذي تحمل مسئولية هذا الفرز وجد نفسه أمام موروث سياسي وطني وتاريخي يصعب تخطيه إلا باستخدام تعبيرات صدامية أغلقت جزءاً كبيراً من مساحة المشتركات السياسية في مواجهة سلطة ما بعد الحرب التي استفادت من هذا الخطاب لتعبئ قطاعات واسعة من الشعب في مواجهة القضية بسبب هذا الخطاب .
ولم يسلم الحزب الاشتراكي من هذا الخطاب ؛ وفي حين كان البعض يحمل الحزب مسئولية ما آل إليه الجنوب بسبب الوحدة ، بل ويذهب البعض إلى ما قبل الوحدة في استعراض لا تاريخي يتجاوز حاجة القضية في مسارها الراهن والمتصاعد ، في الوقت الذي راح فيه البعض الآخر ينتقد عدم قيادة الحزب الاشتراكي لذلك الحراك ، على الرغم من أن كثيراً من قيادات الحزب انخرطت في الحراك ، وكثير منها أخذ يكيف مقارباته السياسية في ضوء معطيات الواقع الذي ينشط فيه ، إما تجنباً لأي ابتزاز قد يمارس عليه ، أو لقناعات رتبتها ظروف الشخص الخاصة ، وهو ما جعل الحزب يعيد بناء منهجه السياسي والتنظيمي ليستوعب هذا الوضع الداخلي له بكل متغيراته .
لقد شكل النضال السلمي الديمقراطي للحزب الاشتراكي سياجاً داعماً للحراك السلمي ، حيث حرص على دعمه والمشاركة فيه على أن لا يكون وصياً عليه . ظل الحزب يؤكد على أهمية الدفع بهذه التفاعلات السياسية والاجتماعية وتوسيع مساحتها ومساحة تحالفاتها وترشيد خطابها ، وكان يصر على أن ينتج الحراك قياداته الميدانية دون وصاية من أحد ، وانتقد كل محاولة لإعادة انتاج القيادات النخبوية من الأعلى بأي تسميات أو أي انتماءات كانت ..ويمكننا اليوم ، وبالوقائع ، إثبات صحة هذا الموقف.
وفي سياق متصل بمسار القضية الجنوبية ، جرى تفاعل سياسي وشعبي واسع على صعيد اليمن أكد أن النظام ، وصل إلى مأزق لم يعد فيه قادراً على مواجهة المشكلات المعقدة فلجأ إلى العنف واشعال الحروب ؛ وأخذ القمع الذي تعرضت له القضية الجنوبية يدك تجليات الصيغة الوطنية التي ظلت تبشر بها ، ويكرس على نحو مستمر صيغَ البحث عن حل للقضية بمسارات أخرى مثل فك الارتباط ، وتقرير المصير ، واستعادة الدولة .
وكان من الطبيعي أنه كلما اتجه الوضع العام نحو مواصلة إنتاج أزمة وطنية عميقة ، كلما ولدّ هذا مساحة أوسع للقضية في الوعي المجتمعي ، والتمسك بخيارات الحل الأعلى سقفاً .
لقد كانت مظاهر هذه الأزمة العامة مركبة ، ولم يخل الجنوب وحراكه السلمي منها لأسباب سياسية وتاريخية وثقافية . وهو ما عطّل ، وسيظل يعطل استكمال ديناميات القضية على النحو الذي من شأنه أن يجر جانباً كبيراً من منظومتها إلى التصادم المستمر بدعاوى مختلفة ، وبتأثير العوامل التي كانت دائماً سبباً في الصراع الجنوبي - الجنوبي . لقد جعل الكثيرون ، على سبيل المثال ، من أحداث ١٩٨٦ المأساوية وتداعياتها سبباً في جر الجنوبيين إلى صدامات مستمرة بتحويلها إلى محطة استقطابات وانقسامات مناطقية .
والحقيقة أن هذه الانقسامات تحاول أن تأخذ وجهاً سياسياً ولكن على نحو لا يستقيم معه واقع أن الخلاف السياسي لا يتجذر بذلك القدر الذي يكون عليه ذلك النوع الآخر من الخلاف الذي تتحكم به وتحركه العصبية وثقافة الثأرات والمصالح الشخصية المشوهة . لقد حاول الحراك السلمي أن يدفع بالتصالح والتسامح إلى المستوى الذي تفاعلت معه كافة الأطراف على نحو إيجابي ، لكن كمائن كثيرة ظلت تتربص بهذه العملية حتى اليوم .
إن هذه الحقيقة هي جزء من بنية القضية الجنوبية التي لا يمكن أن تأخذ بعدها في الوعي السياسي الجنوبي دون مغادرة ملابسات الماضي ، وما أنتجه من تحديات وصعوبات ، وذلك عبر حوارات تتجاوز هذه التحديات .
كان من الممكن أن يكون مؤتمر الحوار الوطني عام ٢٠١٣ منصة تاريخية هامة لعرض قضية الجنوب بصورة موحدة ، لكن قسم من الحراك كان له رأي مخالف لهذه الحقيقة ، والجزء الذي شارك انقسم واختلف ؛ وكان الحزب الاشتراكي منسجماً مع رؤيته الكفاحية لمضمون ومحتوى القضية الجنوبية ، وقدم تلك الرؤيا التي شرح فيها مفهومه للقضية واقترح الحل على أساس دولة اتحادية من إقليمين ، كل إقليم منهما يتكون من الدولة السابقة للوحدة ، وتمسك بحق تقرير المصير للجنوب (وهو ما أكده بعد ذلك الكونفرنس الحزبي المنعقد نهاية عام ٢٠١٤ ) ، ورفض تقسيم الجنوب إلى إقليمين ، وهو المقترح الذي تقدمت قيادات بعض الأحزاب مباشرة في بداية انعقاد مؤتمر الحوار ، بمن فيهم جنوبيون ، وكان الهدف منه ترحيل المشكلة إلى الجنوب ، وهذا بطبيعة الحال يعكس ذلك القدر من التحديات التي لا يمكن تجاهلها حينما يتعلق الأمر بمحاولة تسويق الحل بخطاب لا زال في حاجة إلى مزيد من التأهيل ليكون في مستوى التحديات التي تواجه القضية .
أخذت القضية تُستقطب بخطابين متطرفين كل منهما في مواجهة الآخر ، لم تنفع معهما محاولات إيجاد مقاربات سياسية تساعد على تصحيح المسار من خلال المشاركة الحقيقية للناس في تقرير خياراتهم السياسية .
كان من تلك المحاولات أن شكل رئيس مؤتمر الحوار الرئيس هادي لجنة أواخر أيام مؤتمر الحوار الوطني من كل د. عبد الكريم الارياني ، الاستاذ محمد اليدومي ، اللواء خالد باراس ، د. ياسين سعيد نعمان إضافة الى المبعوث الأممي يومها جمال بن عمر لوضع صيغة تسمح بمناقشة قضايا الخلاف حول الجنوب بعيداً عن التشدد والاستقطاب ، وتمكن "لجنة الثمانية" التي شكلها مؤتمر الحوار للوقوف أمام القضية الجنوبية الوصول إلى توافق يبقي النقاش حول القضية مفتوحاً لمزيد من تأهيل الحل .
اجتمعت اللجنة وتوصلت إلى مقترح يقضي بضرورة مواصلة البحث والمشاورات مع كل الأطراف الجنوبية لإنضاج الظروف وعدم التمسك بالتقسيم الاداري للأقاليم على النحو الذي سارت عليه الأمور ، ورأت اللجنة أن على مؤتمر الحوار أن يواصل بحث هذه المسألة على أن لا يمارس عليه أي ضغط لفرض حلول جاهزة .
عندما عرضت اللجنة على الاجتماع الموسع الذي ضم لجنة التوفيق ورؤساء المجموعات وهيئة رئاسة مؤتمر الحوار برئاسة الرئيس هادي ، الذي كان قد أسهم كثيراً في إيجاد مساحة أوسع في التحرك السياسي لهذه القضية على الرغم من الظغوط الهائلة التي كانت تمارس عليه في موقعه كرئيس ، لم تدافع اللجنة عن رأيها عند الاعتراضات التي جاءت من رئاسة الاجتماع . بدا الأمر مخيباً على نحو لم يعد معه صعباً إدراك أن الدولة العميقة استطاعت أن تلتف على عملية التغيير ، وأن التغيير المسموح به هو أن يعاد ترتيب الوضع بنفس البيادق . كنت قد شرحت هذا الموضوع بالتفصيل في كتاب "عبور المضيق" .
بعدها ، طلبت الكلمة وقلت يبدو أن حرب ٩٤ ستظل تحاصر العقل السياسي في نتائجها وشبكة المصالح التي أسفرت عنها ، مع كل ما عكسته تلك النتائج من خيبات وتعطيل للحياة في هذا البلد . انسحبت بعدها من الاجتماع ، وطلبت من الحزب أن يستمر في مؤتمر الحوار . كنت قد تعرضت لحملات سياسية وإعلامية واسعة ، وتكفير ومحاولتي اغتيال ورسائل تهديد ، وتحريض بالقتل ، كان أكثرها ألماً تلك التي نسبت إلى أحد أعضاء قيادة منظمة الحزب في محافظة قريبة من صنعاء ، والذي عُرف فيما بعد بأنه كان يعمل لصالح جهة كلفته بالمهمة ليبدو الأمر وكأنه صراع داخل الحزب ، وأنه غيرة على الوحدة !!
تسارعت الأحداث بعد ذلك على النحو الذي غيرّ معطيات المعادلة على صعيد البلاد كلها بمجاهيل كثيرة أصبح من الضروري معها إعادة رسم خطوط العمل السياسي في مواجهة التحدي الرئيسي المتمثل في الانقلاب العنصري الحوثي المدعوم إيرانياً ، والذي كرس وضع اليمن على خارطة الاستقطاب الإقليمي من قبل المشروع الايراني التوسعي وايديولوجيته العنصرية .
إن ما يمكن ملاحظته في هذه الفترة هو أن القضية الجنوبية عادت إلى الاحتشاد كرافعة وطنية لمواجهة هذا المشروع ، وقدمت التضحيات الكبيرة لهزيمته على أرض الجنوب ، وبذلك فقد قدمت دليلاً آخر على دورها ومكانتها في استقرار اليمن .
خلاصة ..
منذ اربعينيات القرن الماضي والجنوب يتشكل كقضية على امتداد نضاله السياسي ، تجاوز الترسيم القسري لجغرافيته السياسية وذلك بأدوات سياسية وثقافية وكفاحية ، وفي التعاطي مع مشروعه الوطني شكل مع الشمال خارطة اليمن الطبيعية ورفض الالحاق والضم كي لا يغدو جزءاً من بنية سياسية خربة وهشة ، وحافظ على دوره ومكانته في الخارطة الوطنية بالتصميم على القيام بدور يجعل منه قوة فاعلة في معادلة البناء الوطني ، ولذلك فقد قاوم كل محاولات الكسر والتطويع ، وتمسك بخيار أن يبقى قضية للاستقرار .
اليوم يتحمل الجنوب ، ليس بسبب وضعه في معادلة الصراع فحسب ، ولكن كحامل تاريخي لاستقرار اليمن ، مسئولية استثنائية في مواجهة التحدي الوجودي لهذا المشروع العنصري الخطير .. يضعه التاريخ أمام حقيقة من حقائقه وهي أن رسالته هي المستهدف الرئيسي من قبل هذا المشروع ، ويخطئ من يعتقد أنه سيتوقف عند حدود ١٩٩٠ . الحوثية مشروع ايراني مهمته تجنيد كل اليمن لخوض صراع إقليمي لصالح النظام الايراني ، وإقدامه على قصف موانئ النفط في شبوة وحضرموت بالمسيرات الايرانية ، وقبلها قصف مطار عدن بالصواريخ ، وإبقاء فضاء الحرب مفتوحة مع الجنوب باشعال معارك يومية في مختلف الجبهات هو تأكيد على هذه الحقيقة التي لا يمكن للقضية الجنوبية أن تغفلها من معطيات معادلتها ، مع ما يرتبه ذلك من ضرورات استراتيجية لفهم مخاطر هذا المشروع .
وبالطبع فإن إدراك هذه الحقيقة ، بما تتضمنه من أهمية لدور الجنوب في التصدي لهذا المشروع ، يجب أن يقابله العمل بجدية على خلق توافقات سياسية من قبل كل القوى التي تتصدى للمشروع الحوثي الايراني العنصري الذي حول اليمن إلى منصة ايرانية لتهديد أمن المنطقة والعالم ، بحيث تشمل هذه التوافقات حل قضية الجنوب حلاً عادلاً على أساس الاختيار الذي يقرره الناس في الجنوب بعد أن تتم هزيمة هذا المشروع ، وفي ظروف يكون فيها الاختيار غير خاضع لأي ضغوط من أي نوع .
إن حل قضية الجنوب يجب أن يتفق من حيث المبدأ مع الدور المعول على الجنوب في انقاذ اليمن وتحقيق استقراره ، وهذا يعني أن هذا الدور لن يستقيم إلا بتوفير العوامل التي سيستقر معها ليقوم بهذا الدور المناط به . وأول شروط استقراره منحه الثقة بقدرته على اتخاذ القرار السليم .
لقد ارتبطت قضية الجنوب ارتباطاً وثيقاً باستقرار اليمن في كل المراحل التي مرت بها : وهي تحمل مشروع الاستقلال وتبني دولة الجنوب التي وضعته على خارطة العالم ، وهي تجسد مشروع الوحدة ، وهي تقود معركة بناء دولة الوحدة ، وهي تعبر عن إصلاح مسار الوحدة قبل الحرب وبعدها ، وهي تدعو الى حق تقرير المصير ، وهي تتصدى للمشرع الحوثي الايراني في إطار الاجماع الوطني اليمني . إن كل الذين حاولوا كسرها أو توظيفها خارج هذا الهدف المتمثل في استقرار اليمن ( موحداً أو بدولتيه السابقتين ) خسروا الرهان سابقاً وسيخسرونه لاحقاً .
لم تكن هذه القضية نخبوية في كل المراحل التي مرت بها .. لقد كانت تاريخ الجنوب السياسي ، وكانت ضمير وصوت الشعب في الجنوب ، وعنوان كفاحه من أجل الحاضر والمستقبل ، ويخطئ من يعتقد أن نخبة ما أو جماعة بعينها هي من صنعها .. بالعكس ، هي من صنَعَ الجميع ، وهي التي أطاحت بكل من أراد أن يوظفها لصالحه وعلى نحو مناهض لدورها في توفير شروط الاستقرار ، ولذلك فإن القوى المقاومة للمشروع الحوثي الايراني لا بد أن تعيد ترتيب نفسها على قاعدة التعاطي المسئول مع هذه القضية التي كانت دائماً تعبيراً عن الحالة السياسية للجنوب في الظرف المعاش . وهي اليوم تعبر موضوعياً عن حالة الجنوب الراهنة كما يراها قطاع واسع من الشعب الذي سئم إملاءات النخب ، وتعب من مغامراتها وما ترتب على ذلك من اخفاقات .
يمكننا اليوم تتبع حالة النضج لدى هذا القطاع الواسع من الشعب فيما أخذ يتوافق عليه بشأن هذه الحقيقة ، رغم ممانعة النخب التي باتت تتحرك في فراغ هائل تحاول شحنه بمشاحنات يتم استدعاؤها من صراعات الماضي التي لا صلة لها بالعمل السياسي الرشيد . وكثيراً ما نجد هذا التوافق الشعبي يرد بقوة على الأخطاء السياسية للنخب والتي أوصلت البلد إلى هذا الوضع الذي وصلت إليه . لا يمكن تجاهل حقيقة أن هذا التوافق الشعبي قد انعكس في مسائل مترابطة وذات أهمية في الخروج من المأزق الذي دخلت فيه البلاد ، والتي تتضمن أولوية التصدي للمشروع العنصري الحوثي الإيراني ، والتعاطي الإيجابي مع اختيارات الجنوبيين السياسية لمستقبلهم وفقاً لإرادة شعبية مسئولة .
بات الجميع اليوم يفهم "القضية" في هذا السياق الذي ينسجم مع تطورات الأوضاع السياسية ، غير أن الاشتباك مع حسابات الماضي يضع جملة من التحديات التي طالما اختبرت في صلتها بحراك الواقع ولم تنتج سوى المزيد من التعقيدات أمام الجميع لمواجهة التحدي الرئيسي .
إن الإلتزام بوضع صيغة تقوم على الاستجابة لهذين المرتكزين سيكون ضرورياً لخلق المسار الذي من شأنه أن يعزز الثقة بين الأطراف المختلفة ، ويمكنهم من وضع خارطة استقطاب كفاحي واسع يتجاوز حالة الشك التي تحكم العلاقة الداخلية بين هذه الأطراف .
ولا شك أن إشراك الناس في تقرير خياراتهم السياسية يضع النخب السياسية كلها أمام حقيقة أن التاريخ السياسي لليمن لم يكن غير تاريخ هذه النخب التي ظلت تتخذ القرارات نيابة عن الناس ، وأن هذا المشروع العنصري الذي يدمر اليمن اليوم هو المحصلة للطريقة التي أدارت بها النخب شئون هذا البلد بمعزل عن الشعب ، وأن اقتران مقاومة هذا المشروع التدميري بالاعتراف بحق الناس في تقرير خياراتهم السياسية شرط ضروري لتحقيق الانتصار عليه .
انتهى .