كتابات وآراء


الإثنين - 08 يونيو 2026 - الساعة 01:14 م

كُتب بواسطة : أحمد عبداللاه - ارشيف الكاتب




لم تكن القضية الجنوبية في العقل السياسي السعودي مشروعاً قائماً بذاته، بقدر ما تبدو ملفاً فرعياً ينبغي احتواؤه وإدارته ضمن التسوية اليمنية الشاملة. ولهذا فإن الخلاف الحالي داخل الصف الجنوبي لا يدور في جوهره حول الأهداف الكبرى، وإنما حول تفسير دور المملكة وموقعه من تلك الأهداف. وهنا الإشكالية، فالبعض يتمترس خلف التبريرات الدائمة للسياسات السعودية، بحجة "الواقعية" مع أن الواقعية لها محددات تبيح التقييم الحذر والقراءات النقدية بعيداً عن سيكولوجيا الضحية.

الوقائع المتراكمة خلال العقد الماضي لا تشير إلى أن المملكة اعتبرت مشروع الجنوب هدفاً مستقلاً، وإنما تعاملت معه كأحد الملفات الخاضعة لمعادلات الأمن الإقليمي ،كما تراه هي، والتوازنات اليمنية. ولو كانت قضية الجنوب تلاقي قبولاً بالنسبة لها، لكان مسار الأحداث مختلفاً منذ الأيام الأولى لعاصفة الحزم، ولكان الجنوب اليوم في موقع سياسي وعسكري متقدم عما كان عليه في كانون الأول، العام الماضي.

ما جرى خلال السنوات الماضية يكشف نمطاً ثابتاً في إدارة الملف اليمني، يقوم على هندسة التوازنات أكثر مما يقوم على صناعة الحلول. هندسة تعتمد على إبقاء جميع الأطراف داخل حالة من الاعتماد المتبادل والعجز المتبادل، بحيث لا يمتلك أي طرف القدرة على الحسم أو الاستقلال الكامل بقراره. إنها سياسة يمكن اختصارها بكلمة واحدة: الإنهاك.

فالإنهاك لم يكن نتيجة عرضية للحرب، وإنما تحول مع الوقت إلى نمط إدارة. دعم اقتصادي متقطع يمنع الانهيار الكامل من دون أن يؤسس للاستقرار، رعاية لتشكيلات متناقضة في التوجهات والولاءات، إدارة للنخب الحاكمة أكثر من معالجة الأزمات، وترك المجتمعات تواجه تدهور الخدمات واتساع الفقر وتآكل الأمل عاماً بعد عام. وفي كل مرة تفرض فيها المنطقة أزمة جديدة على جدول الاهتمامات الدولية، يتراجع الملف اليمني خطوة إضافية نحو الهامش، حتى أصبح بالنسبة لكثير من العواصم ملفاً قابلاً للتأجيل والإهمال.

وفي المقابل تستمر الأحزاب والنخب المحلية في صراعها الأوليغارشي على السلطة والنفوذ، فيما تتسع الفجوة بين المجتمع والقوى التي تدّعي تمثيله. وهكذا تمر السنوات، ويتراكم اليأس في أوساط الناس أكثر مما تتراكم الإنجازات السياسية.

إن قراءة هذه الوقائع بقدر من البرودة والعقلانية قد تغني الجنوبيين، على الأقل، عن كثير من خلافاتهم عبر الفضاء الإعلامي، فالمملكة لا تمتلك عصا سحرية، ولا تبدو القضية الجنوبية ضمن أولوياتها المباشرة، كما أنها لا تملك إرادة لدفعها إلى مسار يحقق حتى جانباً من تطلعات الشارع الجنوبي.

وكل ما استطاعت فعله خلال الشهور الماضية هو إعادة تشكيل النسيج السياسي والعسكري بما تراه منسجماً مع حساباتها الخاصة. غير أن الرهان لا يكمن في ما تريده المملكة أو ما تخطط له، وإنما في حقيقة أثبتتها تجارب المنطقة مراراً، وهي أنها نادراً ما أتمّت مشروعاً بدأته، أو أوصلت مساراً سياسياً إلى نهايته كما رسم له في بداياته.

أما الحوار الجنوبي، فما يزال منذ نصف عام أقرب إلى الأحاديث العائمة منه إلى مشروع سياسي حقيقي. ولذلك فإن التعويل عليه ينبغي أن يكون بقدر كبير من الشك و الحذر، ليس لأن الحوار في ذاته بلا قيمة، ولكن لأن الوقائع القاسية المتواترة على الارض تكشف النوايا ولا تبدد آثارها المجاملات السياسية. فما فعلته الطائرات والإجراءات المتلاحقة لا تستطيع الصالونات معالجته أو تعويضه.

يتعين على الشعوب المأزومة ونخبها السياسية أن تراجع مواقفها داخلياً قدر المستطاع، و ألا تعقد آمالها على الدول العربية في حل أزماتها، لأن التجارب أثبتت أن هذه الدول كثيراً ما تضيف إلى الأزمات تعقيدات جديدة بدلاً من أن تقدم حلول حاسمة لها. فلو كانت تمتلك القدرة والإرادة الكافيتين لمعالجة القضايا العربية الكبرى، لما وصلت القضية الفلسطينية إلى هذا المستوى من المأساة بعد قرابة ثمانية عقود مرت على النكبة.

والحقيقة أن معظم الدول العربية ما تزال منشغلة بتنافساتها البينية وحساباتها الخاصة، بل إن البعض منها يبحث عمن يوفر له الحماية ويضمن أمنه واستقراره، الأمر الذي يحد من قدرته على لعب أدوار فاعلة في معالجة أزمات الآخرين.

ولا يعني ذلك أن الدول الإقليمية غير العربية تمثل بديلاً آمناً أو شريكاً موثوقاً، لا آغا الأغوات ولا مرشد الجماعات، فهذه الدول تتحرك هي الأخرى وفق مصالحها الخاصة، وقد تكون أكثر خطورة في بعض الأحيان بحكم طموحاتها الإقليمية ومشروعاتها العابرة للحدود.

الحديث هنا يقتصر على واقع الدول العربية الممتدة من المحيط إلى المحيط، وما أظهرته التجارب المتراكمة من محدودية قدرتها على إنتاج حلول عربية مستقلة ومستدامة للأزمات العربية نفسها…

لهذا على النخب والشعوب العربية، التي تعيش حالة طاقة منخفضة بعد الربيع المزعوم، الابتعاد عن العواطف السائبة وعن وهم المخلّص من خارجها. فالدول، حتى الشقيقة، ليست جمعيات خيرية والتاريخ لا يحكي وقائع شعوب تعافت و نهضت على اكتاف الآخرين، اذا هي لم تمتلك قدرة وشجاعة لمداواة جروحها وصناعة مصيرها.

أحمـــــــــــدع
يونيو 2026