كتابات وآراء


الأربعاء - 27 يوليه 2022 - الساعة 03:08 ص

كُتب بواسطة : د. محمد علي السقاف - ارشيف الكاتب



حدثان تاريخيان دفعا الغرب إلى مبادرات باتجاه المنطقة العربية، وتلبية بعض تطلعاتها التي منذ عقود طويلة تم تجاهلها.

الحدث التاريخي الأول في مطلع عام 1974 كان بقطع الإمدادات النفطية عن بعض الدول الغربية، التي صاحبت حرب أكتوبر (تشرين الأول) في عام 1973، وكان من تداعيات ذلك أن قامت دول الاتحاد الأوروبي بإطلاق مشروع «الحوار العربي الأوروبي»، الذي تحوّل بعد ذلك بمبادرة الرئيس الفرنسي جيسكار دي ستان إلى حوار «خليجي أوروبي»، ثم قيام الدول التسع في الاتحاد الأوروبي بإصدار بيان فينيسيا الأول من نوعه لصالح القضية الفلسطينية.

والحدث التاريخي الثاني مرتبط بموضوع احتلال الكويت من قبل نظام صدام حسين، وقيام الرئيس بوش الأب بعد إتمام تحرير الكويت بإطلاق مبادرته في مارس (آذار) 1991 التي كانت تتضمن مشروع حل للمشكلة الفلسطينية، تلاه على أثر ذلك انعقاد مؤتمر مدريد للسلام أواخر أكتوبر ومطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 1991، وذلك في السياق التاريخي للتحالف الدولي الذي ضم دولاً عربية لإخراج القوات العراقية من الكويت التي غزتها في أغسطس (آب) 1990.

يقول السيد أندريه فونتين رئيس تحرير صحيفة «اللوموند» الفرنسية السابق، في مقال له في ذلك التاريخ، «إن الغرب ربما تغاضى عن احتلال صدام حسين للكويت، ولكنه وقف ضده بحزم خوفاً من زيادة قدراته وطاقته النفطية بعد احتلاله الكويت، وسيجعله ذلك يتصدر منظمة (الأوبك)، ويسبب متاعب كبيرة للغرب». مما يعني ذلك صراحة أن الغرب وقف ضد احتلال الكويت أولاً من منطلق الحفاظ على سيادة الدول، وثانياً لحماية للمصالح الغربية! وهنا تتضح أبعاد ودوافع «صحوة إدارة بايدن من غفوتها»، وعودتها للاهتمام بالمنطقة نتيجة تداعيات الأزمة الأوكرانية - الروسية على أمن الطاقة وارتفاع أسعارها.

لقد أكد الرئيس الأميركي بايدن، في مؤتمر صحافي في جدة، أن الولايات المتحدة «لن تترك فراغاً في الشرق الأوسط لتملأه روسيا أو الصين». وفي أقل من أسبوع بعد انعقاد مؤتمر جدة، التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع نظيرهما الإيراني إبراهيم رئيسي، الذي عدّه البعض وكأنه رد على قمة جدة التي جمعت الرئيس الأميركي جو بايدن، بعدد من قادة الدول الخليجية والعربية. وبذلك رمزية الإشارة إلى الاجتماعين؛ قمة جدة تقابلها قمة طهران.

عودة بايدن الآن للاهتمام بالشرق الأوسط، على وجه الخصوص إلى المنطقة العربية في هذا التوقيت، وفي هذه الظروف، تظهر مفارقة صارخة بما كان أعلنه في خطاب تنصيبه بعودة أميركا إلى قيادة العالم؛ تطلب الأمر أكثر من عام حتى تعود أميركا إلى الاهتمام بالمنطقة، وذلك بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة الطاقة وارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق، وكذلك معدلات التضخم.

في ظل هذه الظروف، هل عودة أميركا إلى المنطقة الهدف منها محاولة التصدي لتغلغل روسيا والصين في المنطقة، أم نتيجة إدراك واشنطن خطأها الجيو- استراتيجي بابتعادها عن الشرق الأوسط.

الجانب العربي، رحب بالطبع بـ«الصحوة» الأميركية.. لكن جاء هذا الترحيب من منطق القوة ومعرفة دوافع هذه الصحوة ولم يهرولوا نحوها.

وبالطبع، وكما يشير إلى ذلك بعض المحللين السياسيين أن أحد أهداف الزيارة أيضاً ترتبط بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، في التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، وأيضاً احتمالات ترشح رونالد ترمب في انتخابات الرئاسة المقبلة؟

أحد الأهداف الرئيسية لزيارة بايدن مرتبط بملف الطاقة، وهنا تتبيَّن الخيارات أمام دول الخليج العربية في كيفية التعاطي مع هذا الملف بصفة عامة. هناك اتفاق تم التوصل إليه في عام 2020 بين دول «الأوبك» وروسيا (أوبك) مثل نجاحاً كبيراً لجهود السعودية في التنسيق بين المنظمة وروسيا، وذلك على خلفية تطور العلاقات بين المملكة وكذلك أيضاً الإمارات العربية المتحدة مع الاتحاد الروسي للرئيس بوتين، حيث قام الملك سلمان بأول زيارة لعاهل سعودي إلى روسيا في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول).

نجاح جهود السعودية على المستويين الدبلوماسي والنفطي في تنويع وتوسيع علاقاتها الجيو سياسية مع الدول الكبرى مثل روسيا والصين، أتاح لها تمكين إرادتها على المسرح الدولي الجديد. ولذلك كان من الذكاء عدم اتخاذ قرار انفرادي بتلبية طلب زيادة إنتاج الطاقة.وكان التطرق لملف القيم والمبادئ وإظهار الطرفين التمسك بهما، وفق تقاليدهما وإرثهما التاريخي، لافتاً للنظر.

ولعل تأكيد قمتي جدة التمسك بالمبادرة العربية للسلام وبحقوق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، وهو ما أكده في رام الله أيضاً الرئيس بايدن عند لقائه الرئيس محمود عباس، يمثل مفارقة حميدة وإيجابية مقارنة بمواقف سلفه دونالد ترمب.

في الخلاصة، يجب التشديد والتساؤل إذا كانت هذه التطورات والتقدم النسبي في المواقف الأميركية والغربية بصفة عامة المرتبطة بتبعات الأزمة الروسية الأوكرانية، ستفتر تدريجياً بانتهائها، كما حدث بعد انتهاء مرحلة الحظر النفطي لعام 1974، والمواقف التي تلت مؤتمر مدريد للسلام لعام 1991 على خلفية أزمة احتلال الكويت، أم أن الدول العربية استخلصت دروس الماضي ولن تتكرر التجربة مجدداً؟

مقالة الدكتور محمد علي السقاف
صحيفة الشرق الاوسط
بتاريخ ٢٦ يوليو ٢٠٢٢