كتابات وآراء


الأحد - 11 فبراير 2024 - الساعة 02:21 ص

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر - ارشيف الكاتب



تواصلاً لما كنت قد تحدثت عنه خلال تسع حلقات عن القضية الجنوبية وإشكالية الهوية اسمحوا لي أن أتوقف عند السؤال الجوهري التالي:

هل ما جري في 22 مايو كان "وحدةً يمنيةً" حقاً؟

كل من يتعامل مع مفهوم "وحدة اليمن" ويحاول الغوص في إشكاليات هذا المفهوم وتعقيداته ينبغي أن يأخذ بالاعتبار عدداً من المعطيات والمسارات والافتراضات والآمال وألإمنيات والمقولات والتفسيرات المتصلة بهذا المفهوم، حتى يمكنه استخلاص النتائج والعبر مما جرى طوال ربع قرن ونيف منذ محاولة توحيد الجمهوريتين (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والجمهورية العربية اليمنية)، نعني ما شهدته هذه الفترة من العواصف والتحولات والانقلابات والحروب والمواجهات والهزائم والانتصارات (المفترضة) وألاعيب الخداع والتمويه والمغالطات والنوايا السابقة والحالية واللاحقة والعذابات والنضالات وصراع الإرادات.

هذا بالضبط هو ما دفعنا للتساؤل عما إذا كان ما جرى يوم 22 مايو 1990 قد مثل فعلياً عملاً وحدوياً قابلاً للحياة؟

سيقتضي الأمر قبل الدخول في هذه المناقشة، التذكير بما تعرضنا له في مكانٍ سابق من هذه الدراسة، وما نعنيه هنا أمورٌ ثلاثة:

الأمر الأول: إن مفاهيم "اليمن الواحد"، و"الوحدة اليمنية"، و"شطري اليمن"، قد ظهرت في فترة زمنية معينة كانت العواطف الثورية والمزاج القومي يهيمنان على التكوين النفسي وعلى المساحة الأوسع من الوعي اليومي وحتى الوعي والخطاب السياسي العربي وبالتالي الجنوبي واليمني، وإن بنسب متفاوتة.

الأمر الثاني: إن هذه المفردات كانت شعارات سياسية وفي أحسن الأحوال تمنيات حسنة النوايا وتطلعات عاطفية لم يفكر رافعوها في مدى قابليتها للحياة من عدمها، كما لم يرسموا لها برامج نظرية ومخططات عملية للوصول بها إلى مرحلة التعاطي الفعلي والتطبيق العملي القابل للديمومة والبقاء.

والأمر الثالث: إن أكثر الناس وعياً وصدقاً مع هذه الشعارات كانت الأحزاب القومية واليسارية، ذات الخلفيات الناصرية والبعثية والاشتراكية التي كانت تقدم نفسها كأحزاب "تقدمية" بتعبير ذلك الزمن، وعندما وصلت الجبهة القومية إلى السلطة بعد خروج الاستعمار مهزوماُ وفي أجواء الابتهاج بتحرير البلد وإعلان دولتها الجديدة لم يناقش أحد موضوع تسمية الدولة بـ"جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية" فقد تنامى الشعور لدى معظم الناس بمدى الترابط بين البلدين، خصوصاً بعد الشراكة القوية التي نشأت في مسار الثورتين سبتمبر وأكتوبر وانخراط ثوار الثورتين في عمليات مشتركة في البلدين، وما مثلته مدينة عدن من ملاذ لكل السياسيين والمثقفين الشماليين الهاربين من قمع النظام الإمامي، وكذا ما مثلته مدن تعز وإب وقعطبة من منافذ دعم لثوار أكتوبر وحرية في الحركة، وملاذ آمن عند تعرضهم للخطر في أرض المواجهة مع الاستعمار، وما قدمه ثوار أكتوبر من مساهمات فاعلة في الدفاع عن النظام الجمهوري وفك الحصار عن صنعاء خلال السبعين يوما (نوفمبر 1967/ فبراير 1968م).

وخلال فترة السبعينات والثمانينات تكرس مفهوما "اليمن الواحد" و"الوحدة اليمنية" في الثقافة السياسية للأجيال الجنوبية الجديدة من خلال التعبئة الأيديولوجيية والتثقيف السياسي الرسمي، وحتى في فترات المواجهة المسلحة بين البلدين والنظامين، كان شعار "الوحدة اليمنية" هو المائز في اللغة السياسية للطرفين والمدخل لتهدئة المواجهات وتطبيع العلاقات بين النظامين بغض النظر عن اختلاف تفسير كلٍ من الطرفين لهذا المفهوم.

وسيكون من المهم الإشارة إلى نقطتين هامتيين في هذا السياق:

الأولى: إن قضية "الوحدة اليمنية" في الثقافة السياسية الجنوبية، لم تكن قضية تكتيكية بل كانت مبدأً استرتيجياً حرصت القيادة الجنوبية على تكريسه في وعي المواطنين الجنوبيين ليغدو رديفاً لمبدأ الوطن والسيادة والمستقبل، وغيرها من المعاني ذات المكانة المقدسة في الثقافة السياسية عامةً وعند الجنوبيين بوجه خاص.

وللإنصاف فإن تكريس هذا المبدأ قد دُشِّن منذ زمن مبكر كما جرى الحديث في مكان سابق من هذه الدراسة، وكان وراء هذه السياسة عوامل تاريخية وأيديولوجية معروفة تتصل بمراحل نهوض المد القومي الذي أطلقت عليه صفة "التقدمي" و"التحرري"، وهذا التكريس لمفهوم "الوحدة" لم يكن نتيجة مؤامرة ولا خديعة تعرض لها الجنوب وقياداته السياسية من قبل أحد، كما يحاول البعض أن يروج معتمداً على ثقافة التحريض والتسطيح والتهييج الشعبوي، فقد آمن بها القادة الجنوبيون منذ ما قبل الاستقلال واستمر التمسك بها طوال فترة حكم كل الرؤساء الجنوبيين منذ قحطان محمد الشعبي حتى علي سالم البيض وحيدر أبوبكر العطاس ومعهم كل القيادات الحكومية والحزبية العسكرية وحتى معظم الأحزاب والقوى السياسية الجنوبية المعارضة قبل الاستقلال وبعده، طوال فترة ما قبل الاستقلال وأثناء فترة الكفاح المسلحة ضد الاستعمار البريطاني حتى مايو 1990م .

الثانية: إن مفهوم "الوحدة اليمنية" كان يفسر تفسيرين مختلفين لدى القيادتين في الدولتين، فالجنوبيون كانوا يفسرون هذا المفهوم انطلاقا من أيديولوجيتهم القائمة على العدالة الاجتماعية ونصرة المظلومين ومحاربة الاستغلال والتمايز الطبقي وتعميم المصالح الوطنية والتوزيع العادل لموارد المجتمع، وكان مصطلح "اليمن الديمقراطي الموحد" تلخيصاً لهذا الفهم، وليس بخافٍ على أحد أن معظم المنظرين الجنوبيين وهم يتحدثون عن التوجه الاشتراكي كانوا يحرصون على أن الوحدة اليمنية لا بد أن تتماشي مع نهج التوجه الاشتراكي، بغض النظر عما إذا كانت ظروف نجاحه قد توفرت أم لا، وكان ذلك في أحسن فترات استقرار النظام في الجنوب، ناهيك عن مراحل النكوص وهزيمة المنظومة الاشتراكية نفسها في العقد الثامن من القرن الماضي بالتزامن مع ما شهدته اليمن الديمقراطية من أحداث مؤسفة في يناير 1986م وما ترتب عليها من جراح وطنية جنوبية صَعُبَ تضميدها واندمالها.

كل هذه الأحداث كان يجب أن تقتضي تغييراً في الموقف من مفهوم "الوحدة" ليس فقط من حيث المضمون والأهداف بل وحتى في طريقة التعاطي مع الخطوات العملية باتجاه تحقيق هذا الهدف الذي كان من النبل والقداسة بما لا يمكن لأي كان أن يقف في وجهه، بيد إن شيئاً من هذا لم يحدث فقد ظل الجنوب متمسكا بشعار الوحدة كهدف استراتيجي لا يمكن التراجع عنه بغض النظر عن أية اعتبارات، بينما كانت القيادة الشمالية ترقب هذه المعطيات وتتدارس في كيفية توظيفها لصالح مشروع لم يعلن بالضبط عماذا يتضمن.

وباختصار فقد جاء بيان عدن في الثلاثين من نوفمبر 1989م ومن بعده إعلان "الوحدة اليمنية" في 22 مايو1990م على خلفيتين فكريتين وتكتيكيتين وسياسيتين مختلفتين

1. ففي الجنوب الذي ظل يتعامل مع الوحدة اليمنية كـ"قَدَر ومصير" لكل اليمنيين، وجدت قيادة الحزب الحاكم أنه وطالما سقطت فكرة الاشتراكية كمنظومة حاكمة فإنه يمكن تحقيق الوحدة اليمنية على أسس الديمقراطية الليبرالية، التي يمكن أن تفتح الآفاق لقيام دولة يمنية موحدة متماسكة تعددية أساسها العدالة بين المواطنين والتنمية للمستقبل والحريات العامة والتداول السلمي للسلطة، وهدفها النهوض المتوازن للبلد باتجاه تحسين معيشة المواطنين كهدف استراتيجي لكل القوى السياسية اليمنية في الجنوب كما في الشمال.

2. وفي الشمال جاءت النظرة من زاوية مختلفة كلياً، حيث اعتقد الحكام هناك، بأن الجنوب وهو في لحظة الضعف السياسي والاقتصادي والعسكري، (أو هكذا هيئ لهم)، خصوصاً بعد أحداث 86م، أن هذا الجنوب جاء (هارباً) من الانهيار وقد أصبح بالإمكان التهامه بسهولة، خصوصاً وأن جزءً من الجنوبيين المؤيدين لنظام صنعاء سيكونون نصيراً مأموناً في حالة الدخول في صراع شمالي-جنوبي.


* مقاربات في إشكالية لهوية (11)

علينا أن نتذكر أن مناوشات عديدة شهدتها المناطق الحدودية بين محافظات شبوة-ومأرب، وحضرموت-الجوف، وأبين-البيضاء، فضلاً عن أعمال التخريب التي تعرضت لها المديريات الجنوبية الواقعة على الحدود مع الشمال، وكل هذا كان في معظمه محاولات من قبل نظام صنعاء لاختبار القدرات الجنوبية في التصدي ـ أو العجز عن التصدي ـ لأي محاولات للزحف العسكري على الجنوب، وقد أثبتت القوات المسلحة الجنوبية قدرتها على إفشال أية محاولة لجرها إلى حرب واسعة طويلة المدى، رغم النزيف الذي تعرضت له جراء أحداث يناير، وما خسرته من كوادر وكفاءات عالية التأهيل بين شهداء أثناء المواجهات، أو نازحين بعد توقف تلك المواجهات.

بل لقد قدم الجنوبيون العديد من المبادرات للسير باتجاه مزيد من تحسين العلاقات بين الدولتين بدلاً من المواجهات، مثل العمل على قيام مناطق مشتركة للتنقيب عن النفط، وقيام شركات مشتركة في مجالات السياحة والاستثمار، وتنقل المواطنين عن طريق البطاقة الشخصية والسماح للمرضى الشماليين بالعلاج المجاني في مستشفيات الجنوب، وغيرها.

وبعبارة أخرى فقد دخل الجنوبيون في مشروع الوحدة بهدف إغلاق ملف المواجهات بين الشعبين والنهوض الشامل بكل اليمن في الشمال والجنوب، حيث أن الأوضاع المعيشية والاقتصادية عموماً وحتى الأمنية في الشمال لم تكن أفضل حالاً من نظيرتها في الجنوب لا من حيث القدرات العسكرية ولا من حيث الموارد المالية ولا من حيث الوحدة السياسية الداخلية، فاعتبر الجنوبيون مشروع الوحدة مدخلاً للتخلي عن الصراع الشمالي-الجنوبي والتنمية الشاملة للشمال كما للجنوب.

أما القيادة الشمالية فقد دخلت –كما قلنا- بمشروع الغنيمة منذ اللحظات الأولى وفي حين كان الجنوبيون يعدون التصورات والمخططات لبناء "اليمن الواحد الجديد" كان القادة الشماليون يخططون للغنيمة التي سيحصلون عليها بعد التهامهم الجنوب.

ولهذا فقد سارت الأحداث كما شاهد الجميع منذ اليوم الأول بتصادم المشروعين أو الخلفيتين اللتين بنيت "الوحدة" عليهما، ولم تكن حرب 1994م وما أفضت إليه من نتائج ومآسي ودمار وعذابات لم تنته في حياة الجنوبيين، لم تكن سوى تعبيرٍ عن تصادم هذين المشروعين.

لا يمكن الجزم أن اتفاقية 30 نوفمبر 1989م وبيان 22 مايو 1990م قد أسسا لقيام "وحدة يمنية" قابلة للحياة، نظراً للأسباب التي توقفنا عندها على عجل، وهناك أسباب عديدة يمكن تناولها في سياق آخر وفي دراسة أكثر توسعاً وتفصيلاً، من بينها أسباب موضوعية وتاريخية ومنها أسباب ذاتية وثقافية ونفسية وسياسية، لكن ملخَّص كل هذا أن اتفاقية 30 نوفمبر 1989م وبيان 22 مايو 1990م كانا عملاً ارتجالياً غير قائم على دراسة مستوفية لممكنات النجاح وعوامل الفشل ولا على الحرص على تأمين ظروف الاستمرار والنمو المتدرج المتصاعد حتى بلوغ الغايات بعيدة المدى لما كان يقصده الدعاة الأوائل لمشروع "الوحدة اليمنية" على طريق "الوحدة العربية" (كما ظل المتغنون يغنون والمرددون يرددون)، وأقلها أن الاتفاق لم يتضمن أية افتراضات لحصول إخفاق في تنفيذ بنوده ولا شروط جزائية تردع من يتخلى عن التزاماته أو ينكث بما تعهد به أو يخالف شروط الاتفاق وبنوده، ناهيك عن أمور كثيرة لم تؤخذ بعين الاعتبار كالفوارق السياسية والاقتصادية بين الدولتين والبلدين والشعبين، ونعني هنا التفاوت بين البلدين الشريكين في هذه "الوحدة"، في السياسات الاقتصادية المتناقضة وسياسات الملكية وفرض القانون والنظام القضائي، ومثلها التباينات الديمغرافية والجغرافية، أي التفاوت في المساحة والسكان وفي مصادر الثروة، وهي الأسباب التي أدت إلى السقوط الحتمي لـ"مشروع 22 مايو 1990م"، ليلي ذلك ربع قرن من الفشل والنزاع والتوتر والمعانات والعذابات غير المنقطعة التي تعرَّض لها الجنوبيون وما يزالون يتعرضون لها حتى يوم الناس هذا.

وبالعودة إلى موضوع "الهوية اليمنية" المفترضة ومن الناحية الشكلية كان من المفروض ومع إعلان 22 مايو1990م أن تنبت على الأقل البذور الأولى لـ"الهوية اليمنية الواحدة" بعد أن توفر الضامن السياسي لها وهو نظام الحكم (الواحد) والدولة (الواحدة) في اليمن (الذي من المفترض أنه موحَّد) في ظل الدولة الجديدة (المفترضة).

ومن الطبيعي أن أحداً لم يكن يتوقع أن تنشأ الهوية اليمنية الواحدة بمجرد إعلان "الوحدة" الاندماجية بين طرفي هذه "الوحدة"، لكن كان من المنطقي أن تتوفر ظروف جديدة تنتفي فيها عوامل العداوة والكراهية السياسية بين الشعبين والطرفين السياسيين وتذوب أو على الأقل تتقلص فيها الفوارق في الحقوق والواجبات وتنشأ فيها المواطنة ذات الدرجة الواحدة لجميع المواطنين وتنتفي أو تتراجع فيها الهويات المتعددة، بيد إن كل ذلك للأسف لم يتم لعدة أسباب أهمها إن عملية الوحدة تمت بين نظامين مختلفين في موقفهما من الهوية:

• نظام يقوم على الهوية الواحدة والمواطنة المتساوية التي يمثل التنوع الثقافي والتباين في العادات والتقاليد والتفاوت في مصادر المعيشة وموارد الاقتصاد عامل إثراء وتماسك وتكامل بين مكونات المجتمع.

• ونظام يقوم على تعدد الهويات وتفاوت مستويات المواطنة وغياب أهم الروابط الأساسية المكونة للهوية الواحدة وهي المصالح المشتركة بين المواطنين كالحياة الاقتصادية المشتركة، والخدمات ومصادر المعيشة المشتركة، والقانون الضامن للمواطنة المتساوية، والنفسية الاجتماعية الواحدة المنطلقة من الشعور بالمساواة في الحقوق والواجبات، وهذه الوضعية المزدوجة أثرت بشكل واضح على مسار تكوين الهوية اليمنية الواحدة الغائبة أصلاً.

من المؤسف أن هذه العوامل متظافرة مع ما شهدته ما سميت بالفترة الانتقالية (1990ـ1993م) من توترات سياسية وتهديدات أمنية وعمليات اغتيال ومحاولات اغتيال للقادة السياسيين الجنوبيين وما نجم عن ذلك من أزمة سياسية استفحلت وتنامت خلال الأعوم الثلاثة التي تلت إعلان مايو 1990م، كل ذلك تفاعل مع بعضه باتجاه إعاقة أية مؤشرات يمكن أن تسمح ببناء هوية واحدة وامتد أثره على الهوية الجنوبية التي كانت قد اكتسبت ملامحها خلال العقدين والنصف المنصرمين.

ويجب على الباحث الدقيق والأمين ألّا ينسى حقيقة هامة، تتمثل في أن حرب التعبئة والتحريض على النظام الجنوبي، والشعب الجنوبي بعامةٍ، تمتد إلى مراحل ما قبل إعلان 22 مايو، بل وتعود إلى فترات النزاع والمواجهات المسلحة بين الدولتين، خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وكانت الدعاية الأكثر ترويجاً بين المواطنين في مناطق الجمهورية العربية اليمنية تقول إن النظام في الجنوب "يرتكب المحرمات"، و"يبيح المعاصي" و"يقتل العلماء"، و"يسمح بزناء المحارم" و"المعاشرة الجنسية دون زواج"، وإن الجنوبيين "حولوا المساجد إلى خمارات وملاهي ليلية يشربون فيها الخمور ويمارسون فيها الرقص والغناء" وغير ذلك من الدعايات التحريضية التي تعتمد على الزيف والبهتان والافتراء ومخاطبة العاطفة الدينية والقبلية عند أبناء اليمن من أجل تهيئتهم لخوض المعركة المصيرية مع "الكفار" القادمين من الجنوب.

وأثناء الحرب كرر عبد المجيد الزنداني ـ رجل الدين والقيادي في حزب الإصلاح وعضو مجلس الرئاسة عن هذا الحزب ـ كرر في كل خطبة ولقاءاته التحريضية في المساجد والمعسكرات ومهرجانات الحشد للجبهات، "أن الحزب الاشتراكي قد قرر أن يغزو الجزيرة العربية ويدخل مكة ليحول الحرم المكي الشريف إلى ملهى ومرقص ليلي"، وهذا النص ونصوص مشابهة من خطاباته وخطابات أتباعه أيام الجُمَع وفي الأيام العادية ما تزال قيد التداول حتى اليوم.

وعلى هذه الخلفية جاءت الفتوى المشهورة للداعية الإصلاحي عبد الوهاب الديلمي أثناء احتدام المعارك بين جيشي البلدين، وكان الديلمي حينها وزيراً للعدل في حكومة 1993م، والتي قال فيها إنه "إذا تترس الكفار بالنساء والأطفال والعجزة فإنه يجوز قتل النساء والأطفال والعجزة مع إنهم مسلمون، لكن حتى لا ينتصر الكفار، وأضاف "إن قتل المسلمين من النساء والأطفال المتترس بهم مفسدةٌ صغرى ويجب اللجوء إليها لاتقاء المفسدة الكبرى وهي انتصار الكفار على المسلمين" ومن ثم أباح قتل النساء والأطفال والعجزة الجنوبيين بصفته الأولى كوزير في حكومة الحرب على الجنوب، وبصفته الثانية كداعية إسلامي معروف لدى كل الأوساط السياسية والدينية اليمنية والعربية.

إن حرب 1994م وما آلت إليه من (انتصار) لثقافة الهيمنة والفيد والغنيمة واستفحال عوامل ثقافة الغلبة قد مثل ضربة موجعة للجنوب، ليس فقط كنظام سياسي وعلاقات اقتصادية واجتماعية ومنظومة قوانين وتشريعات وشريك أساسي في "المشروع الوحدوي" (المفترض)، بل -وهذا هو الأهم- إن هذه الحرب قد استهدفت اجتثاث أهم ما نجح فيه النظام السياسي السابق في الجنوب وهو بنا عوامل المواطنة والتأسيس للهوية الجنوبية الواحدة التي نمت وترعرعت وترسخت خلال ما يزيد على ربع قرن ما قبل الحرب، وبطبيعة الحال فإن آثار هذه الحرب كانت مدمرة على الكثير من مكونات وأسس الدولة الجنوبية التي ورثت تراثاً إدارياً وقانونياً وتقاليد مؤسسيةً عن النظام الإنجليزي وجرى تطويرها من خلال العديد من الإجراءات الحداثية التي اتخذتها سلطة ما بعد الاستقلال.

لقد كان لحرب 1994م آثارٌ مباشرةٌ أو غير مباشرةٍ على موضوع الهوية وهذا ما سنحاول التوقف عنده في حلقة قادمة من هذه السلسلة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ملخصات من كتاب المؤلف "القضية الجنوبية وإشكالية الهوية".