أخبار وتقارير

الإثنين - 14 سبتمبر 2026 - الساعة 11:12 ص بتوقيت اليمن ،،،


لم يعد السؤال العراقي بعد استهداف خط أنابيب النفط السعودي هو فقط من أطلق المسيرات، وإنما من أعطى الأمر باستخدام الأراضي العراقية لضرب السعودية. فبعدما أكدت بغداد أن الهجوم على خط أنابيب الشرق-الغرب انطلق من موقع داخل محافظة ميسان، وأقال رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي قائد عمليات المحافظة ثم قائد الشرطة، انتقل الملف إلى مستوى أكثر حساسية يتعلق بحدود سلطة الدولة على الفصائل المسلحة ومن يملك قرار التصعيد الإقليمي.

وتزداد حساسية السؤال لأن أي إجابة محتملة تضع الحكومة العراقية أمام مشكلة مختلفة. فإذا كانت فصائل مسلحة قد تحركت بقرار مستقل، فإن ذلك يعني أن بغداد عليها المزيد من التحرك لضبط السلاح خارج منظومتها الرسمية. لكن من المهم الاعتراف أن مشكلة حصر السلاح والسيطرة على الفصائل أمر بالغ الصعوبة.

وإذا كان الهجوم تم بتنسيق مع قوى سياسية عراقية، فإن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً لأنها تكشف تداخلاً بين القرار السياسي والعسكري. أما إذا ثبت وجود تنسيق مع الحوثيين أو توجيه إيراني، فإن العراق يكون قد تحول إلى ساحة متقدمة في شبكة إقليمية تتجاوز الحدود العراقية.

الجانب الذي لم يعد موضع جدل هو مصدر الهجوم. فقد قالت السعودية إن عدة مسيرات استهدفت خط أنابيب الشرق-الغرب وأطلقت من الأراضي العراقية، بينما أكدت بغداد لاحقاً أن الاعتداءات انطلقت من موقع داخل محافظة ميسان. وطلبت الرياض من العراق اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار استخدام أراضيه، معلنة أنها لن ترد في الوقت الحالي استجابة لطلب رئيس الوزراء العراقي منح بغداد فرصة للتحرك، مع احتفاظها بحق الدفاع عن أمنها ومنشآتها.

وبذلك أصبحت الكرة في ملعب الحكومة العراقية. فالمطلوب منها ليس فقط إدانة الهجوم، وإنما تحديد الجهة التي نفذته والجهة التي أمرت به، وتفسير كيف تمكنت مجموعة مسلحة من تشغيل مسيرات هجومية من منطقة تقع ضمن مسؤولية أجهزة الدولة.

وقد اتخذت بغداد بالفعل إجراءات أمنية، بينها إقالة قائد عمليات ميسان وقائد الشرطة وإحالة مسؤولين للتحقيق، كما أغلقت مؤقتاً بعض المعابر الحدودية وشددت إجراءات التفتيش وجمع المعلومات. لكن هذه الإجراءات تبقى استجابة للحدث ما لم تنته التحقيقات إلى تحديد المسؤولين عن إطلاق المسيرات وشبكة الدعم التي تقف وراءهم.

حتى الآن لم تعلن جهة عراقية مسؤوليتها عن الهجوم، فيما نفت «المقاومة الإسلامية في العراق»، وهي مظلة لفصائل مسلحة مرتبطة بإيران، ضلوعها فيه. وهذا النفي لا يغلق التحقيق، لكنه يجعل تحديد المسؤولية أكثر صعوبة، خصوصاً في بيئة توجد فيها مجموعات مسلحة تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وشبكات لوجستية مستقلة إلى حد كبير عن أجهزة الدولة.

وهنا يبرز الاحتمال الأول: أن تكون فصيلة أو مجموعة مسلحة قد اتخذت قرار الاستهداف من تلقاء نفسها. وفي هذه الحالة ستواجه حكومة الزيدي سؤالاً بالغ الصعوبة: كيف تستطيع الحكومة أن تطمئن السعودية والولايات المتحدة إلى أنها تسيطر على أراضيها إذا كانت مجموعات مسلحة تستطيع إطلاق مسيرات عابرة للحدود من داخلها دون علم الأجهزة الرسمية؟

أما الاحتمال الثاني، فهو وجود غطاء أو قرار من قوى سياسية عراقية. وهذا الاحتمال، إذا ثبت، سيضع الحكومة أمام مشكلة تتجاوز الفصائل المسلحة إلى بنية النظام السياسي نفسه، حيث تتداخل بعض القوى السياسية مع تشكيلات مسلحة لها أجنداتها الإقليمية.

ويبرز احتمال ثالث أكثر ارتباطاً بتطورات الحرب الحالية، وهو وجود تنسيق بين الفصائل العراقية والحوثيين. فقد نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين إقليميين أن الحوثيين والفصائل العراقية نسقوا في الآونة الأخيرة هجمات ضد منشآت نفطية سعودية. وإذا صحت هذه المعلومات، فإن الهجوم المنطلق من ميسان لا يمكن قراءته كحادث أمني عراقي منفصل، وإنما كجزء من توزيع للأدوار بين جماعات مرتبطة بالمحور الإيراني.

وهذا الاحتمال يفسر، من زاوية أوسع، لماذا تتزامن الضغوط على السعودية من اتجاهين: الحوثيون يهاجمونها من اليمن، بينما تأتي مسيرات من الأراضي العراقية لضرب أحد أهم مسارات تصدير النفط السعودي الذي يتجاوز مضيق هرمز.

لكن الحديث عن تنسيق حوثي عراقي يجب أن يبقى في إطار ما تطرحه التقارير والمصادر الأمنية، لا باعتباره حقيقة حُسمت بها هوية منفذي الهجوم الأخير. فحتى الآن لم تقدم بغداد نتائج تحقيق علنية تحدد الجهة المسؤولة.

يبقى الاحتمال الأكثر حساسية هو وجود توجيه أو إشراف إيراني مباشر. وتستند هذه الفرضية إلى علاقات إيران الطويلة بالفصائل العراقية وإلى التقارير التي تتحدث عن تنسيق عملياتي بينها وبين الحوثيين. كما أن بعض التقارير تحدثت عن صلات بين هذه الجماعات والحرس الثوري الإيراني. لكن لا توجد حتى الآن أدلة علنية كافية تسمح بالقول إن طهران أعطت مباشرة أمر استهداف خط الأنابيب السعودي.

واللافت أن بغداد وافقت على طلب إيراني لإجراء تحقيق مشترك بشأن مواقع إطلاق المسيرات التي عُثر عليها قرب الحدود العراقية الإيرانية. وقد يكون هذا التعاون مفيداً في تحديد مصدر المعدات ومسارات وصولها، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً سياسياً عن مدى قدرة بغداد على إجراء تحقيق مستقل في قضية تتصل بفصائل ذات علاقات وثيقة بإيران.

وأياً تكن الإجابة النهائية، فإن حكومة الزيدي تجد نفسها أمام اختبار صعب. فهي تريد أن تؤكد للسعودية ودول الخليج أن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه منصة لضرب دول الجوار، وفي الوقت نفسه تسعى إلى إقناع الولايات المتحدة بأنها تتحرك لضبط الفصائل ونزع السلاح غير المنضبط، لكن من الواضح أن الأمر يحتاج إلى المزيد من الوقت.

وهذا الاختبار يتجاوز الهجوم الأخير. فالزيدي وضع في مقدمة تعهداته حصر السلاح بيد الدولة، وجعل ملف الفصائل المسلحة أحد عناوين بناء الدولة العراقية. ولذلك فإن استخدام الأراضي العراقية لاستهداف السعودية في هذه اللحظة يمنح خصوم الحكومة دليلاً على أن المشكلة ليست في وجود السلاح فقط، وإنما في من يملك قرار استخدامه.

لهذا تبدو قضية المسيرات أكثر من هجوم عابر على منشأة نفطية. إنها اختبار لمدى انتقال العراق من دولة تستضيف قوى مسلحة متعددة إلى دولة تملك وحدها قرار استخدام القوة خارج حدودها.

فالرياض تنتظر من بغداد أن تمنع تكرار الهجمات، وواشنطن تريد رؤية إجراءات قابلة للقياس، بينما تحتاج الحكومة العراقية إلى إثبات أن تعهداتها بشأن ضبط السلاح ليست سياسية فقط. وفي النهاية، قد يكون السؤال الذي يحدد مستقبل العلاقة العراقية الخليجية ليس من أطلق المسيرة؟ وإنما: من يستطيع أن يأمر بإطلاقها، ومن يستطيع أن يمنعه؟