أخبار اليمن

الإثنين - 14 سبتمبر 2026 - الساعة 11:08 ص بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


لم يكتف طارق صالح بإعادة ترتيب انتشار القوات التي تقاتل الحوثيين في الساحل الغربي بعد سقوط المخا، بل انتقل إلى خطوة أكثر وضوحاً في إعادة بناء الجبهة، بإصدار قرار تشكيل «قوة المقاومة التهامية» كقوة مستقلة من الفرقتين الأولى والثانية، في تطور يعكس محاولة تحويل إعادة التمركز الميداني إلى إعادة تنظيم عسكري أوسع.

وجاء القرار بعد أيام قليلة من توجيه صالح القوات المسلحة في الساحل الغربي بإعادة ترتيب صفوفها وتشكيل مركز قيادة بديل جنوب المخا، عقب الاختراقات التي حققها الحوثيون في عدد من محاور القتال. وقال صالح حينها إن مركز القيادة الجديد يستهدف إعادة تجميع القوات بالتشاور مع قيادة التحالف العربي ومجلس القيادة الرئاسي.

ويمنح القرار الجديد القوة التهامية استقلالاً مالياً وإدارياً وعملياتياً، مع ربطها مباشرة بالعمليات المشتركة للتحالف العربي، وتعيين اللواء زايد منصر قائداً لها. وهذه الصيغة تجعل الخطوة أبعد من مجرد تغيير في تسمية الوحدات، وتوحي بإعادة توزيع للأدوار والقيادة داخل الجبهة التي تعرضت خلال الأسابيع الأخيرة لضغط عسكري كبير.

وتأتي الخطوة في سياق ميداني مختلف تماماً عن ذلك الذي كانت عليه القوات المناوئة للحوثيين قبل أسابيع. فقد شهد الساحل الغربي هجوماً حوثياً واسعاً أدى إلى اختراق مواقع للقوات الحكومية، ثم تراجع القوات وإعادة انتشارها جنوب المخا، قبل أن يسيطر الحوثيون على المدينة الاستراتيجية ويقتربوا من باب المندب.

وكانت إعادة التموضع قد قُدمت من جانب القوات الحكومية باعتبارها إعادة ترتيب وليست انسحاباً نهائياً من مسرح العمليات. ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن مصدر عسكري أن الوحدات المشاركة كانت تعيد توزيع قواتها، بينما تحدثت تقارير أخرى عن بقاء قوات أعادت تمركزها جنوب المخا قرب باب المندب واستعدادها لعمليات لاحقة.

ومن هنا يمكن قراءة تشكيل القوة التهامية باعتباره المرحلة التالية لإعادة التموضع. فإذا كان الهدف الأول بعد الاختراق الحوثي هو منع انهيار بقية الجبهة والحفاظ على القوات، فإن الهدف التالي يصبح إعادة بناء قوة أكثر تماسكاً قادرة على العمل ضمن نطاق جغرافي محدد.

ولا يتضمن القرار إعلاناً عن هجوم مضاد أو موعد لمعركة لاستعادة المخا، ولذلك سيكون من المبالغة اعتباره مقدمة مؤكدة لعملية عسكرية وشيكة. لكن طبيعة التشكيل الجديد، واستقلاله العملياتي، وربطه بالعمليات المشتركة للتحالف، تشير إلى أن المسألة تتجاوز مجرد معالجة إدارية لآثار الخسارة.

فالانتكاسة التي تعرضت لها القوات المناوئة للحوثيين كشفت مشكلة تعدد التشكيلات وتداخل مناطق المسؤولية والقيادة. وعلى الساحل الغربي توجد المقاومة الوطنية والعمالقة ودرع الوطن ووحدات من محور تعز، وهي تشكيلات شاركت في القتال الأخير، قبل أن تضطر إلى إعادة تنظيم انتشارها بعد الاختراقات الحوثية.

ومن شأن تشكيل قوة تهامية مستقلة أن يمنح أحد مكونات الجبهة هوية عملياتية أكثر وضوحاً، ويتيح إعادة تنظيم القوى المحلية المرتبطة بالساحل في إطار أكثر تخصصاً. كما يمكن أن يساعد ذلك في معالجة واحدة من مشكلات المرحلة السابقة، وهي الانتقال السريع بين الدفاع عن المواقع ومحاولة الاحتفاظ بخطوط إمداد طويلة تحت ضغط هجوم حوثي واسع.

باب المندب في الحسابات
ولا يمكن فصل إعادة بناء جبهة الساحل عن الموقع الذي بات يحتله باب المندب في الحرب. فسيطرة الحوثيين على المخا واقترابهم من المضيق، ثم السيطرة على جزيرة ميون، حوّلت الساحل الغربي من جبهة يمنية إلى نقطة تماس ذات تأثير إقليمي مباشر على أمن الملاحة والتجارة والطاقة.

ولهذا فإن الحفاظ على قوة منظمة في الساحل لا يرتبط فقط بمستقبل مدينة المخا، وإنما بمحاولة منع الحوثيين من تحويل مكاسبهم الأخيرة إلى سيطرة مستقرة على كامل المجال الممتد نحو باب المندب.

ومن هذه الزاوية، فإن القرار قد يحمل أيضاً بعداً يتعلق بإعادة ترتيب علاقة القوات المحلية بالتحالف العربي. فالنص الذي يجعل القوة الجديدة مرتبطة بالعمليات المشتركة يفتح الباب أمام مستوى أكبر من التنسيق في التدريب والإمداد وتحديد المهام، خصوصاً في مرحلة تحتاج فيها القوات المناوئة للحوثيين إلى استعادة قدرتها على العمل المنسق.

لكن إعادة بناء الجبهة لا تعني أن المشكلات التي قادت إلى خسارة المخا قد انتهت. فالقضية لا تتعلق فقط بعدد المقاتلين أو بإعادة توزيع الوحدات، وإنما بقدرة القوى المناوئة للحوثيين على العمل تحت قيادة متماسكة، وتأمين خطوط الإمداد، ومنع تكرار الاختراقات التي دفعتها إلى التراجع خلال أيام.

كما أن أي محاولة لاستعادة المبادرة ستحتاج إلى تنسيق أكبر بين القوات التابعة لطارق صالح وبقية التشكيلات الموجودة في الساحل، حتى لا تتحول القوة التهامية الجديدة إلى تشكيل إضافي يضاف إلى تعدد مراكز القوة بدلاً من أن يكون جزءاً من عملية توحيدها.

وفي هذا السياق، تبدو الخطوة بمثابة اختبار لمرحلة جديدة. فقد كان الهدف العاجل بعد سقوط المخا هو منع امتداد الانهيار، أما الآن فيبدو أن الرهان هو إعادة بناء القوة التي يمكن أن تمنع الحوثيين من تثبيت مكاسبهم.

ولا يزال من المبكر القول إن هذه العملية ستقود إلى استعادة المخا أو إطلاق هجوم مضاد واسع، لكن تسلسل الأحداث يقدم إشارة مهمة: القوات المناوئة للحوثيين لم تتعامل مع سقوط المدينة باعتباره نهاية لجبهة الساحل، وإنما باعتباره انتكاسة فرضت إعادة تنظيم القيادة والانتشار والقوة.

وبذلك يصبح تشكيل «المقاومة التهامية» جزءاً من معركة أكبر من مجرد الدفاع عن مواقع متبقية؛ إنها محاولة لاستعادة القدرة على المبادرة في ساحل أصبح، بعد سقوط المخا والاقتراب من باب المندب، أحد أهم مفاتيح الحرب اليمنية والإقليمية.