أخبار وتقارير

السبت - 29 أغسطس 2026 - الساعة 12:35 م بتوقيت اليمن ،،،


يُعد الأستاذ عبدالله بن أحمد بن محمد بن عوض محيرز واحداً من أبرز الشخصيات العدنية التي جمعت بين التخصص العلمي والبحث التاريخي والعمل الدبلوماسي، حيث ترك بصمة متميزة في مجالات التعليم والثقافة والتراث، وأسهم في حفظ جانب مهم من ذاكرة مدينة عدن وتاريخها العريق.

وُلد عبدالله أحمد محيرز في مدينة كريتر بعدن يوم 3 أغسطس 1931م، ونشأ في حافة حسين العريقة، إحدى أحياء عدن التاريخية التي كان لها أثر كبير في تشكيل شخصيته وارتباطه بالمدينة، تلقى مراحل تعليمه الأولى والجامعية في عدن، وحصل على شهادة كيمبردج العالية (Senior Cambridge)، ثم ابتُعث إلى بريطانيا حيث تخصص في علم الرياضيات ونال درجة جامعية في هذا المجال.

عاد إلى عدن ليبدأ مسيرته المهنية معلماً لمادة الرياضيات في كلية عدن خلال خمسينيات القرن الماضي، وتميز بقدرة استثنائية على تبسيط المادة العلمية وإيصالها إلى الطلاب، حتى أصبح أحد أبرز أساتذة الكلية، وبعد سنوات من العطاء الأكاديمي، تولى منصب عميد كلية عدن، التي عُرفت بعد الاستقلال باسم ثانوية عبود، واستمر في هذا الموقع حتى عام 1976م.

ورغم تخصصه في الرياضيات، فإن شغفه بالمعرفة قاده إلى عالم التاريخ والتراث، حيث تحول تدريجياً إلى باحث ومؤرخ بارز، كما اهتم بعلم الفلك والحاسوب واللغات، جامعاً بين العلوم الحديثة والبحث في جذور الحضارة اليمنية.

انتقل محيرز بعد ذلك إلى العمل الدبلوماسي، حيث شغل منصب وزير مفوض في سفارة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ثم قائماً بأعمال السفارة في باريس، ومندوباً دائماً لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). وخلال وجوده في الخارج، استثمر موقعه الدبلوماسي في جمع وتصوير العديد من الوثائق والمخطوطات المتعلقة بتاريخ اليمن من المكتبات والمراكز البحثية والجامعات البريطانية والأمريكية والفرنسية والهندية.

وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي أسس المركز اليمني للأبحاث الثقافية، الذي أصبح مؤسسة مهمة في مجال الدراسات التاريخية والآثار والتراث، وأشرف من خلاله على مشاريع بحثية وحملات للحفاظ على المدن التاريخية، من بينها الإسهام في جهود الحفاظ على مدينة شبام التاريخية التي حظيت باهتمام اليونسكو.

ترك محيرز إرثاً تاريخياً مهماً، أبرز ملامحه ثلاثيته الشهيرة عن مدينة عدن، التي أصبحت من أهم المراجع التي تناولت تاريخ ومعالم المدينة، وهي: "العقبة"، و"صهاريج الطويلة"، و"قلعة صيرة"، حيث صدرت هذه الأعمال تباعاً بين أواخر ثمانينيات ومطلع تسعينيات القرن العشرين، ثم جُمعت لاحقاً في إصدار واحد عام 2004م.

كما أسهم في تحقيق ونشر عدد من المخطوطات التاريخية المهمة، من بينها كتاب "الآداب المحققة في معتبرات البندقة" لحسين بن محمد الأبريقي الحضرمي، وكتاب "قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر" لأبي محمد با مخرمة، إلى جانب عشرات المقالات والدراسات العلمية المتخصصة في التاريخ والثقافة والتراث، والتي نُشرت في عدد من الدوريات، ومنها مجلة "ريدان" التي عمل فيها نائباً لرئيس التحرير.

بعد مايو 1990م، عُيّن نائباً لرئيس الهيئة العامة للحفاظ على المدن التاريخية، واستمر في هذا المنصب حتى وفاته يوم 21 سبتمبر 1991م عن عمر ناهز ستين عاماً، تاركاً وراءه مسيرة حافلة بالعلم والعطاء.
وتقديراً لإسهاماته العلمية والثقافية، أُطلق اسم عبدالله محيرز على ثانوية 10 سبتمبر بعد العام 1990، كما نال خلال حياته عدداً من الأوسمة والشهادات التقديرية الرفيعة تقديراً لدوره في خدمة التعليم والثقافة والتراث.
رحل عبدالله أحمد محيرز، لكنه بقي حاضراً في ذاكرة عدن بوصفه عالماً ومؤرخاً حمل همّ توثيق تاريخ المدينة، وجمع بين دقة العالم وشغف المؤرخ وإخلاص المثقف الذي نذر حياته لحماية موروث وطنه وصون ذاكرته الحضارية.
#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة