أخبار وتقارير

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - الساعة 05:57 م بتوقيت اليمن ،،،

أدهم ابراهيم


يبقى اليمن واحدًا من أكثر ملفات المنطقة تعقيدًا وتشابكًا، إذ تحولت أزمته من صراع داخلي على السلطة إلى ساحة تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية. حيث تستمر المواجهات العسكرية، ومعها تتزايد القناعة بأن الحل العسكري لم يعد قادرًا على حسم الصراع، وأن مستقبل البلاد لن يُبنى إلا عبر تسويات سياسية شاملة.

لقد فقد اليمن منذ سنوات طويلة الصورة السعيدة التي ارتبط اسمه بها تاريخيًا. فمنذ اندلاع الاحتجاجات عام 2011، ثم سيطرة جماعة أنصار الله (الحوثيين) على صنعاء عام 2014، دخلت البلاد في حرب أهلية مدمرة سرعان ما اتخذت أبعادًا إقليمية، لتقود اليمن إلى واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم.

ورغم الهدن الهشة التي خففت من حدة القتال لفترات محدودة، فإنها لم تعالج جذور الأزمة. وسرعان ما عادت المواجهات لتتوسع على أكثر من جبهة، مؤكدة أن الصراع اليمني لم يعد مقتصرًا على المواجهة بين الحوثيين والحكومة اليمنية، بل بات يشمل أيضًا خلافات عميقة داخل المعسكر المناهض للحوثيين.

ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي، شهد الجنوب تطورات عسكرية متسارعة بعد سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، الحليف السابق للحكومة، على مناطق واسعة في حضرموت ومدينة المكلا خلال فترة قصيرة، قبل أن تتجدد الاشتباكات بين الحكومة والحوثيين، وتتبعها هجمات استهدفت مواقع ومنشآت داخل المملكة العربية السعودية. وتؤكد هذه التطورات أن المشهد اليمني أصبح أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، وأن الأزمة تتجاوز كونها نزاعًا بين طرفين إلى صراع متعدد المستويات والأطراف.

وفي موازاة التطورات العسكرية، تتفاقم الكارثة الإنسانية بصورة غير مسبوقة. فاليمن، الذي يُصنَّف اليوم بين أفقر دول العالم، يواجه انهيارًا اقتصاديًا شاملًا، بينما يعاني ملايين السكان من انعدام الأمن الغذائي، وتنتشر المجاعة وسوء التغذية في مناطق واسعة من البلاد.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 90 في المئة من احتياجات اليمن الغذائية تعتمد على الاستيراد، وهو ما يجعل البلاد شديدة التأثر بأي اضطرابات ناجمة عن استمرار الصراعات. ولا تتوقف المعاناة عند هذا الحد، إذ يواجه اليمن أزمة بيئية متفاقمة تتمثل في شح المياه، وتلوث مصادرها، وتلوث السواحل بالنفايات والمخلفات، فضلًا عن تدهور البيئة الحضرية وارتفاع مستويات تلوث الهواء، وهي عوامل تهدد مستقبل التنمية والصحة العامة.

وكلما طالت الحرب، تراجعت فرص الوصول إلى تسويات سياسية، بينما يفتح الغياب الأمني الباب أمام تمدد التنظيمات المتطرفة، مثل القاعدة وداعش، التي تستفيد من الانقسامات الداخلية وضعف مؤسسات الدولة. كما أن استمرار التدخلات الإقليمية والدولية يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا، ويحول دون الوصول إلى مشروع وطني جامع.

والحقيقة التي تفرض نفسها هي أن هذه الحرب لا تملك منتصرًا واضحًا. فلا الحوثيون قادرون على فرض سيطرة كاملة على البلاد، ولا الحكومة استطاعت استعادة الدولة، كما أن القوى الجنوبية تمتلك بدورها مشروعًا سياسيًا مختلفًا. ونتيجة لذلك، يستمر الصراع في استنزاف الجميع، ويبقى الشعب اليمني هو الخاسر الأكبر.

إن التجارب تؤكد أن الحروب الأهلية لا تنتهي عادة بانتصار عسكري، بل بتسويات سياسية تعترف بالوقائع الجديدة وتؤسس لشراكة وطنية. وهذا ما يجعل حالة “اللاسلم واللاحرب” وصفة للفوضى وتعميق الانقسام، بدلًا من بناء دولة قادرة على تلبية تطلعات مواطنيها.

إن مستقبل اليمن ينبغي أن يقوم على حوار وطني شامل يراعي مصالح جميع المكونات السياسية والاجتماعية، ويؤسس لدولة لامركزية تحترم خصوصية المناطق وتنوعها السياسي والمذهبي، بعيدًا عن منطق الاستقواء والغلبة. فالوحدة لا تُفرض بقوة السلاح، وإنما تُبنى بالتوافق والإرادة الوطنية.

لقد آن الأوان لإنهاء دوامة الحرب والانقسامات، والانطلاق نحو مشروع وطني يعيد للدولة مؤسساتها، ويمنح اليمنيين فرصة لاستعادة الأمن والاستقرار والتنمية. فالحوار وحده، وليس السلاح، هو الطريق الذي يستعيد فيه اليمن دولته الواحدة ومكانته، وأن يعيد مجددًا اسمه الذي طالما ارتبط بالأمل والازدهار… اليمن السعيد.


كاتب عراقي