أخبار وتقارير

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - الساعة 05:52 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


بحثت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة مع وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام روزماري ديكارلو، خلال اتصال هاتفي الاثنين، مستجدات التصعيد في اليمن وتطورات المنطقة، في وقت تتسع فيه دائرة الهجمات الحوثية لتشمل مواقع عسكرية ومدنية وموانئ ومناطق قريبة من باب المندب، بما يضع الأمم المتحدة أمام مهمة أكثر تعقيداً لاحتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

ويأتي التحرك الأممي في لحظة حساسة، بعدما انتقل التصعيد من الجبهات اليمنية التقليدية إلى مناطق ترتبط بصورة مباشرة بأمن السعودية والممرات البحرية الدولية. فالحكومة اليمنية تحدثت عن هجمات استهدفت القوات المسلحة ومخيمات النازحين والأعيان المدنية في مأرب، وامتدت إلى نجران في السعودية، قبل أن تصل إلى مدينة وميناء المخا والمنشآت المدنية والاقتصادية القريبة من باب المندب، بالتزامن مع استمرار تهديد الملاحة في البحر الأحمر.

وتفسر هذه التطورات ارتفاع مستوى القلق الدولي، إذ إن خطورة التصعيد لا تكمن فقط في حجم الأضرار التي يمكن أن تلحق بالداخل اليمني، وإنما في موقع العمليات الجديدة. فالمخا تقع بالقرب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ما يجعل أي تصعيد عسكري في محيطها قابلاً للتحول سريعاً من أزمة يمنية إلى مشكلة ذات أبعاد إقليمية ودولية.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن الأمم المتحدة تحاول التحرك قبل أن تتسع دائرة التصعيد إلى درجة يصعب معها إعادة الأطراف إلى مسار التهدئة.

ويعكس تأكيد روزماري ديكارلو اهتمام الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بمتابعة التطورات إدراكاً بأن الملف اليمني لم يعد منفصلاً عن التوترات الإقليمية، وأن استمرار الهجمات قد يهدد ما تبقى من فرص تثبيت الهدوء الذي يمكن أن يشكل أرضية لمسار سياسي.

غير أن المهمة الأممية تبدو أكثر صعوبة من مجرد إصدار دعوات لوقف التصعيد. فالأزمة اليمنية أصبحت مرتبطة بتوازنات إقليمية معقدة، فيما تتهم الحكومة اليمنية إيران بتوفير الدعم للحوثيين، وتطالب المجتمع الدولي بالضغط عليها لوقف تسليح الجماعة. وبذلك، فإن أي محاولة لاحتواء التصعيد داخل اليمن تصطدم عملياً بحسابات تتجاوز الحدود اليمنية.

وتحاول الحكومة اليمنية استثمار التحرك الدولي للانتقال من مرحلة الإدانة السياسية إلى الضغط العملي، وهو ما ظهر في مطالبة الزوبة بترجمة المواقف الدولية إلى إجراءات، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن، والضغط على إيران لوقف دعم الحوثيين.

وتحمل هذه المطالب دلالة سياسية مهمة، لأنها تعكس اعتقاد الحكومة اليمنية بأن التعامل مع الهجمات الحوثية باعتبارها مشكلة داخلية لم يعد كافياً. فالهجمات على السعودية والسفن التجارية، إلى جانب استهداف مناطق قريبة من باب المندب، تجعل الأزمة جزءاً من منظومة أمن إقليمي تتداخل فيها مصالح عدة دول.

وكان مجلس الأمن قد أدان الهجمات الصاروخية التي شنها الحوثيون على السعودية منذ 13 يوليو، فضلاً عن الهجمات على السفن التجارية منذ 22 يوليو، كما أدان هبوط طائرات دون تصريح في مطاري صنعاء والحديدة، معتبراً ذلك انتهاكاً لقواعد الطيران المدني الدولي.

لكن السؤال الأساسي الآن يتعلق بمدى قدرة هذه المواقف على إحداث تغيير فعلي في سلوك الأطراف. فالإدانات الدولية، رغم أهميتها السياسية، لم تتمكن في مراحل سابقة من إنهاء الصراع اليمني أو منع تكرار التصعيد. ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي للتحرك الأممي سيكون في قدرته على بناء آلية تهدئة يمكن أن تصمد أمام الضغوط الإقليمية.

ويكتسب هذا الاختبار أهمية أكبر مع دخول البحر الأحمر وباب المندب في صلب المواجهة. فالممر البحري يمثل نقطة استراتيجية للتجارة العالمية، وأي تهديد مستمر للسفن التجارية يمكن أن يرفع كلفة النقل والتأمين، ويؤثر في حركة التجارة، ويدفع المزيد من الدول إلى تعزيز وجودها العسكري والبحري في المنطقة.

ومن هنا، فإن التصعيد الحوثي يحمل مفارقة واضحة: كلما اتسعت الهجمات بهدف فرض معادلات سياسية أو أمنية جديدة، زادت احتمالات تدويل الأزمة وتعزيز التحالفات العسكرية في محيط اليمن، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى مزيد من التوتر بدلاً من فرض تهدئة مستدامة.

وتبرز في هذا السياق الخطوة السعودية الأخيرة المتعلقة بتشكيل تحالف بحري دفاعي لحماية حرية الملاحة في باب المندب، بمشاركة عدد من الدول، بينها الولايات المتحدة واليمن والكويت وسلطنة عُمان والأردن والسودان والمغرب والمالديف وبنغلاديش ونيوزيلندا.

ويعكس هذا التوجه أن أمن البحر الأحمر بات يُنظر إليه باعتباره قضية جماعية تتطلب ترتيبات تتجاوز حدود الدولة الواحدة.

لكن توسيع الحضور البحري الدولي قد يؤدي أيضاً إلى زيادة احتمالات الاحتكاك العسكري إذا استمر الحوثيون في استهداف السفن أو شن الهجمات بالقرب من الممرات البحرية.

ولذلك، يصبح المسار الدبلوماسي أكثر إلحاحاً، ليس فقط لتخفيف التوتر داخل اليمن، وإنما لمنع البحر الأحمر من التحول إلى ساحة مواجهة إقليمية دائمة.

وفي قلب هذه المعادلة يبقى الوضع الإنساني اليمني. فأي تصعيد جديد يعني عملياً مزيداً من الضغوط على السكان، وتعقيد حركة المساعدات، ورفع المخاطر أمام العاملين في المجال الإنساني، فضلاً عن احتمال تضرر البنية التحتية والمنشآت المدنية.

وهنا تكتسب دعوة ديكارلو إلى إعطاء الملف اليمني أولوية دولية أهمية خاصة. فالأمم المتحدة لا تنظر إلى وقف القتال باعتباره هدفاً أمنياً فقط، بل باعتباره شرطاً ضرورياً للحفاظ على قنوات الإغاثة ومنع تدهور الوضع الإنساني، الذي يبقى أحد أكثر جوانب الأزمة اليمنية حساسية.

وفي المقابل، فإن احتواء التصعيد لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط. فالخبرة اليمنية خلال السنوات الماضية أظهرت أن العمليات العسكرية قادرة على تغيير موازين القوة مؤقتاً، لكنها لا توفر وحدها حلاً للصراع.

ولذلك، فإن أي تحرك أممي فعال يحتاج إلى الجمع بين الضغط لوقف الهجمات وإعادة تنشيط المسار السياسي.

وتبدو الحاجة اليوم أكبر إلى مقاربة تربط بين ثلاثة مسارات متوازية: وقف التصعيد العسكري، حماية الملاحة الدولية، وإعادة الأطراف إلى مسار تفاوضي يعالج جذور الأزمة. فالفصل بين هذه الملفات قد يؤدي إلى إدارة مؤقتة للأزمة، لكنه لن يمنع عودة التوتر.

كما أن منع اتساع التصعيد يتطلب التعامل مع المخاوف الأمنية للدول المجاورة لليمن، وفي مقدمتها السعودية، بالتوازي مع معالجة الملفات السياسية والاقتصادية داخل اليمن. وأي تسوية تتجاهل أحد هذه الأبعاد ستبقى عرضة للانتكاس مع أول موجة جديدة من التوتر الإقليمي.

وعليه، فإن التحرك الأممي الحالي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، لكنه يواجه اختباراً حقيقياً يتمثل في تحويل الاتصالات والبيانات الدولية إلى أدوات ضغط وتهدئة قابلة للتنفيذ. فالمشكلة لم تعد مجرد هجوم هنا أو استهداف هناك، وإنما خطر تشكل حلقة تصعيد تربط اليمن بالسعودية والبحر الأحمر وباب المندب والتوترات الإقليمية الأوسع.

وفي النهاية، تبدو مهمة الأمم المتحدة واضحة: منع التصعيد من التحول إلى مسار دائم، وإبقاء باب الحل السياسي مفتوحاً، وحماية المدنيين والممرات البحرية من تداعيات المواجهة. لكن نجاح هذه المهمة لن يتوقف على الموقف الأممي وحده، بل على قدرة القوى الإقليمية والدولية على توحيد ضغوطها، وعلى استعداد الأطراف اليمنية والإقليمية للعودة من منطق التصعيد إلى منطق التفاوض.

وكلما طال أمد المواجهة في اليمن، تراجعت فرص التسوية وارتفعت كلفة الأزمة على المنطقة.

وأما احتواء التصعيد في هذه المرحلة، فقد لا يكون مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة لمنع تحول اليمن وباب المندب والبحر الأحمر إلى بؤرة صراع إقليمي مفتوحة يصعب التحكم في تداعياتها.