أخبار عدن

الإثنين - 10 أغسطس 2026 - الساعة 01:18 م بتوقيت اليمن ،،،


أنا كنت في عدن لما بدأت الحرب ،ةكنت في بيتي، وفجأة الدنيا كلها قفلت..

الأسواق قفلت، الخضرة انعدمت، المي انقطع، الكهرباء راحت ..وصرنا زي أي بيت بعدن يعاني، نجري وراء دبة مي بارد ، وراء شمعة..

بدأنا نسمع الأخبار اللي تقطع القلب.. فلان مات في جبل حديد، فلان استشهد قدام مستشفى عدن، شباب بعمر الورد راحوا بمدخل التواهي..

كل يوم نسمع مات فلان، مات فلان استشهد ، والله و الجنايز كانت تمر من تحت بيتنا باليوم أكثر من واحدة، أكثر من تنتين و ثلاث ..

وبعدين اجا المرض.. حمى الضنك دخلت كل بيت.
لا كهرباء، لا مي، لا مستشفيات تفتح أبوابها.
والشباب يجروا لبنك الدم يتبرعوا، والزبالة بالشوارع والشباب يحرقوها والدخان مليان عدن، والنامس ياكل فينا أكل..

أنا مرضت.. طحت بحمى الضنك ، لا قادر أوقف ولا قادر أمشي. وابن عمي الدكتور محمد الله يحفظه، كان يجي كل يوم لعندنا البيت، يعمل لي كمادات ويجيب لي علاج من بين الموت..

خلاص.. الدنيا ضاقت.
العائلات بدأت تنزح، ناس راحت الشيخ، ناس راحت المنصورة، ناس راحت دار سعد..

وأنا لي أهل في المنصورة، بيت جدي هناك، أخوالي وخالاتي. قلت لزوجتي خلاص ما عد نقدرش.. بننزح..

أتذكر ذاك اليوم زي اليوم..
أنا وزوجتي وشنطة صغيرة فيها أهم حاجاتنا بس. أنا مش قادر أمشي وربي.
وزوجتي جنبي .. الله يطول بعمرها، كانت كا الجبل ، كانت رجلي اللي أمشي عليها، ماسكة بي وما فلتتنيش..

نزلنا لجولة زكو ندور أي مواصلة تخرجنا.. ما فيش.
قالوا لنا الناس يروحوا التواهي يطلعوا بقوارب الصيد.. مافيش حل..

وفجأة يرن تلفون زوجتي، صهرتي من شعب العيدروس تقول تعالوا عندي، بنتجمع كلنا وبكرة بنستأجر باص ونخرج للشيخ سوا..

ما نعرف إن داك الاتصال هو الدي نقدنا من الموت يوم المجزره القوارب النازحين العائلات ماتوا أطفال ماتوا ..

قررنا نمشي لشعب العيدروس.. مشي!
أمشي شوية وأطيح أجلس، أمشي شوية وأطيح.. عمري ما بنسى ذاك المشي..

دخلنا بداية شعب العيدروس، عماير مكسرة، بيوت محروقة، والناس تمشي بالزغاطيط خايفة من القناصة..

وقفت.. ما عاد قدرت. قلت لزوجتي خليني أجلس هنا شوية..

ألتفت أشوف زوجتي تبكي.. تبكي من الخوف، من التعب، من القهر.. قدامنا بيوتنا مكسرة..

والله منظر ما ينتسيش طول العمر. وصلنا بيت أهلها في شعب العيدروس وبيتنا لثاني يوم، وبعده جبنا باص بالعافية، صاحبه خايف حتى يشتغل..

ومشينا طريق ساحل ابين .. نقط.. تفتيش.. يفتشك داخل مدينتك! إحنا خايفين داخل عدن! داخل مدينتنا اللي المفروض نحس فيها بالأمان..

لما وصلنا بداية الشيخ، لاقينا الشباب واقفين بأكياس مي بارد يوزعوها لنا..

والله شفت الجهال الصغار والحريم يبكوا.. يبكوا عشان لاقوا كيس مي بارد يشربوه! وصلنا لهنا يا عدن؟

وصلنا مدينة التقنية ، استقبلتنا خالتي، بيوت كثير انفتحت للنازحين، اللي مسافر فتح بيته واللي موجود فتح قلبه قبل بيته.. حسينا إننا لسه نحب بعض، لسه نسند بعض..

قدام بيت خالتي كان في بيت واحد اسمه طالب، كان عايش بالأردن، اتصلنا عليه وفتح لنا بيته وسكنا فيه..

بعد أسبوع عشرة أيام لحقنا الوالد الله يرحمه وأختي الوحيدة..

وجلسنا لما سمعنا الخبر.. عدن تحررت..

رجعت بيتي جلست على الأرض في بيتي وانا ابكي ومش عارف على الفرح اما على القهر ..

تحررت؟ تحررت بمن؟
راحوا شباب جبل حديد، راحوا شباب قدام مستشفى عدن، شفت بعيني ولد ماسك آلي مش عارف حتى كيف يضرب به، والله ما يعرف كيف يضرب، بس واقف يحمي حافته..

وبالأخير يجي واحد يقول أنا حررت عدن! أنا حررت عدن!

حررتوها من إيش؟ من من؟
عدن مش حقكم.. عدن حقنا نحنا، حق عيالها اللي ماتوا، حق اللي نزحوا، حق اللي مرضوا وما لاقوا علاج، حق اللي شربوا المي الحامي.

عدن بترجع لأبنائها، هم اللي بيبنوها، هم اللي بيعمروها، هم اللي بيحموها، وبترجع أحسن من أول غصباً عن الكل.

أيام لا ترجع ولا ترجع حمولتها على عدن.

فواز يوسف خان