منوعات

الأحد - 19 يوليو 2026 - الساعة 11:37 ص بتوقيت اليمن ،،،

طارق حاتم


لم تكن **مصفاة عدن** مجرد منشأة صناعية عابرة، بل كانت واحدًا من أكبر المشاريع النفطية والهندسية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال خمسينيات القرن العشرين، وأسهمت في تحويل عدن إلى مركز عالمي لتكرير النفط وتموين السفن، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد عند ملتقى طرق التجارة بين الخليج العربي والبحر الأحمر وقناة السويس.

## **البداية.. أزمة تأميم النفط الإيراني عام 1951**

بدأت قصة المصفاة نتيجة أزمة سياسية واقتصادية كبرى شهدها الشرق الأوسط.

ففي **مارس 1951** قامت الحكومة الإيرانية بتأميم صناعة النفط، ومن ضمنها منشآت **شركة النفط الأنجلو إيرانية (Anglo-Iranian Oil Company - AIOC)** ومصفاة عبادان، التي كانت آنذاك من أكبر مصافي النفط في العالم.

أدى فقدان الشركة البريطانية لمصفاة عبادان إلى ضرورة البحث العاجل عن موقع بديل لإنشاء مصفاة جديدة تستطيع تعويض جزء من الإنتاج المفقود والحفاظ على إمدادات الأسواق العالمية.

وكانت **عدن** من أبرز المواقع التي دخلت قائمة الدراسة، بسبب موقعها الاستراتيجي بين مناطق إنتاج النفط في الخليج وطريق الملاحة المؤدي إلى قناة السويس وأوروبا، إضافة إلى امتلاكها ميناءً طبيعيًا من أهم موانئ العالم.

## **عدن.. الموقع الاستراتيجي للمشروع**

في ذلك الوقت كانت عدن تحت الإدارة البريطانية، وقد بدأت الدراسات لتحديد الموقع الأنسب لإنشاء المصفاة.

كان من بين الشخصيات البريطانية التي دعمت فكرة المشروع **السير برنارد ريل (Sir Bernard Reilly)**، الذي كان يعمل مستشارًا بعد أن شغل سابقًا مناصب إدارية مهمة في المنطقة، حيث رأى أن المشروع يمكن أن يكون فرصة اقتصادية كبيرة لعدن إذا تم اختيار الموقع المناسب.

أما حاكم عدن آنذاك **السير توم هيكنبوثام (Sir Tom Hickinbotham)** فقد كانت لديه تحفظات مرتبطة بالآثار الاقتصادية والاجتماعية المحتملة، خصوصًا الضغوط التي قد يسببها المشروع على الإسكان والخدمات والأسعار نتيجة تدفق آلاف العمال والمهندسين.

ورغم هذه المخاوف، أثبتت الدراسات أن عدن تمتلك المقومات الأفضل لإنشاء المشروع.

## **اختيار موقع المصفاة: عدن الصغرى أم الحسوة؟**

دُرست عدة مواقع لإنشاء المصفاة والميناء النفطي، وكان أبرزها:

### **منطقة الحسوة (Rubble Mound)**

كان هذا الخيار قريبًا من المناطق السكنية، وكان يمكن أن يحقق اندماجًا أكبر مع المجتمع القائم، لكنه كان يحتاج إلى أعمال بحرية ضخمة، منها حفر قناة جديدة إلى الميناء، الأمر الذي كان سيؤخر المشروع عدة سنوات.

### **عدن الصغرى (البريقة)**

أثبتت الدراسات أن هذا الموقع هو الخيار الأفضل اقتصاديًا وفنيًا، لأنه يسمح بإنشاء ميناء نفطي مستقل قريب من المصفاة، ويختصر مدة التنفيذ.

لذلك وقع الاختيار النهائي على **عدن الصغرى (Little Aden)**، حيث بدأ بناء أحد أكبر المشاريع الصناعية في تاريخ عدن.

# **الأعمال البحرية.. الأساس الهندسي للمشروع**

قبل إنشاء وحدات التكرير، كان لا بد من تجهيز الموقع وإنشاء ميناء قادر على استقبال ناقلات النفط.

ولهذا نُفذت أعمال جرف وتعميق واستصلاح بحري واسعة النطاق تحت إشراف عدد من أشهر المكاتب الهندسية البريطانية:

* **Sir Bruce White, Wolfe Barry & Partners**
* **Rendel, Palmer & Tritton**

وشملت الأعمال:

* تعميق الممرات البحرية.
* إنشاء الأرصفة النفطية.
* استصلاح مساحات ساحلية جديدة.
* تجهيز الميناء لاستقبال ناقلات النفط.

وقد نُفذت أعمال جرف واستصلاح لصالح **مؤسسة ميناء عدن (Aden Port Trust)** تضمنت ضخ أكثر من **2,000,000 ياردة مكعبة** من المواد إلى الشاطئ ضمن مشروع تطوير الميناء.

كما أنجزت الشركات المنفذة خلال **20 شهرًا** أعمال جرف واستصلاح تجاوزت **6,000,000 ياردة مكعبة** في منطقة ميناء مصفاة عدن الصغرى لصالح **شركة البترول البريطانية المحدودة (British Petroleum Company Ltd.)**.

ومن الشركات التي شاركت في هذه الأعمال:

* **K. L. Kalis Sons & Co. Ltd.**
* **The Dredging & Construction Co. Ltd.**

## **بداية التنفيذ وبناء المصفاة**

بدأ تنفيذ المشروع في **فبراير 1952**، وفي **15 يوليو 1952** وصلت فرق البناء الأولى إلى عدن.

لم يكن المشروع مجرد مصفاة فقط، بل مدينة صناعية متكاملة شملت:

* وحدات التكرير.
* خزانات النفط.
* شبكة أنابيب.
* محطة ومرافق خدمية.
* ميناء نفطي حديث.
* أرصفة للناقلات.
* مناطق سكنية للعاملين.

بلغت مساحة المشروع حوالي **270 فدانًا**.

## **الشركات المنفذة والمشاركة**

كانت **شركة النفط الأنجلو-إيرانية (AIOC)** صاحبة المشروع والمشرفة عليه، والتي تغير اسمها عام **1954** إلى **British Petroleum (BP)**.

وشاركت في تنفيذ الأعمال شركات هندسية ومقاولات متخصصة، من بينها:

* **Sir Robert McAlpine & Sons Ltd**
* **Costain Ltd**
* **Cleveland Bridge & Engineering Co. Ltd**
* **Whessoe Ltd**
* **Dorman Long & Co. Ltd**

إضافة إلى الشركات المتخصصة في الأعمال البحرية والجرف.

## **العمالة وحجم المشروع**

كان المشروع من أكبر المشاريع التي شهدتها المنطقة آنذاك.

خلال مرحلة البناء شارك آلاف العمال والمهندسين، بينهم:

* نحو **2000 مهندس وفني أوروبي وأمريكي**.
* أكثر من **7500 عامل** من مختلف الجنسيات.

وبعد التشغيل كان من المتوقع أن توفر المصفاة أكثر من **3000 وظيفة**، من بينها مئات الوظائف الفنية والإدارية للخبراء الأوروبيين.

ونظرًا لعدم توفر مساكن كافية في عدن الصغرى خلال فترة الإنشاء، استخدمت الشركة السفينة البريطانية السابقة **Dorsetshire** كسكن مؤقت لبعض العاملين.

## **افتتاح المصفاة عام 1954**

افتُتحت **مصفاة عدن** عام **1954**، وهو العام نفسه الذي أصبحت فيه شركة النفط الأنجلو إيرانية تحمل اسم **British Petroleum (BP)**.

بلغت الطاقة التصميمية للمصفاة حوالي **170 ألف برميل يوميًا**، وجعلها ذلك واحدة من أكبر المصافي في الشرق الأوسط، ومركزًا رئيسيًا لتزويد السفن بالوقود والزيوت في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.

## **أهمية المصفاة لعدن**

أسهمت المصفاة في:

* تعزيز مكانة ميناء عدن عالميًا.
* توفير آلاف فرص العمل.
* تطوير عدن الصغرى وتحويلها إلى منطقة صناعية حديثة.
* دعم النشاط التجاري والخدمات البحرية.
* جعل عدن محطة رئيسية في شبكة الطاقة العالمية.

## **بعد استقلال جنوب اليمن**

بعد استقلال الجنوب في **30 نوفمبر 1967**، استمرت المصفاة في العمل، وانتقلت إدارتها تدريجيًا إلى الدولة الجديدة.

وفي إطار سياسات التأميم التي اتبعتها **جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية** خلال سبعينيات القرن العشرين، انتقلت ملكية المصفاة إلى الدولة، لتصبح واحدة من أهم المؤسسات الاقتصادية في البلاد.

## **الخاتمة**

تمثل مصفاة عدن قصة تداخل بين السياسة والاقتصاد والهندسة؛ فقد بدأت نتيجة أزمة نفطية عالمية، وتحولت إلى مشروع عملاق أعاد تشكيل اقتصاد عدن ومكانتها الدولية.

واليوم تبقى المصفاة شاهدًا على مرحلة كانت فيها عدن مركزًا صناعيًا وتجاريًا عالميًا، وعلى قدرة المشاريع الكبرى على تغيير شكل المدن ودورها في التاريخ.

الخاتمة:

## **الخاتمة.. من مشروع وُلد بقرار سياسي إلى صرح ينتظر قرارًا سياسيًا آخر**

المفارقة في قصة **مصفاة عدن** أن بدايتها كانت مرتبطة بحدث سياسي كبير؛ فقد جاءت نتيجة أزمة تأميم النفط في إيران عام 1951، والتي دفعت شركة النفط الأنجلو-إيرانية إلى البحث عن موقع جديد لمشروعها العملاق، فاختارت عدن لما تمتلكه من موقع استراتيجي وإمكانيات استثنائية.

وكما كانت بداية المصفاة نتيجة قرار وظروف سياسية دولية، فإن مسيرتها اللاحقة لم تكن بعيدة عن التأثيرات السياسية. فبعد عقود من العمل والإنتاج، توقفت المصفاة عن أداء دورها التشغيلي الكامل، وأصبحت تستخدم بشكل محدود كخزانات لتخزين المشتقات النفطية مقابل عوائد مادية، بينما بقيت طاقاتها الإنتاجية معطلة.

اليوم يقف هذا الصرح الصناعي العملاق، الذي شهد عقودًا من العمل والخبرة، شاهدًا على مرحلة ازدهار اقتصادي وهندسي، بينما ينتظر **جيش من الكفاءات والخبرات الوطنية** عودة المصفاة إلى العمل واستعادة دورها كأحد أهم شرايين الاقتصاد.

ليست المشكلة في غياب الخبرة، ولا في غياب البنية التحتية؛ فالمصفاة ما زالت تحمل إرثًا صناعيًا كبيرًا، لكن عودتها مرتبطة قبل كل شيء بـ **قرار سياسي** يعيد لهذا الصرح دوره الطبيعي، ويحوّل خزانات صامتة إلى منشأة إنتاجية نابضة بالحياة.

فمصفاة عدن ليست مجرد مبانٍ وخزانات وأنابيب، بل هي ذاكرة مدينة واقتصاد وطن، وقصة مشروع بدأ بقرار سياسي… وما زال ينتظر قرارًا سياسيًا آخر ليعود إلى الحياة.

بحث وتدقيق: Tareq Hatem(طارق حاتم)