منوعات

الأربعاء - 10 يونيو 2026 - الساعة 10:03 م بتوقيت اليمن ،،،

عبدالكريم عويضة


قرأت مقالة رائعة للأستاذ غسان شربل في صحيفة الشرق الأوسط تحت عنوان “من بوتين إلى السنوار مروراً بصدام”، تتمحور حول ما يمكن أن تؤدي إليه القرارات الخاطئة من كوارث. واستوقفني فيها تعبير أن قيادياً فلسطينياً وصف طوفان السنوار بأنه أكبر عملية انتحار في التاريخ، وأنا أتفق تماماً مع هذا الطرح.

فالانتحار الاستراتيجي لا يختلف عن الانتحار الفردي في نتائجه، لكنه يفوقه فداحة لأنه يجر معه شعوباً وأوطاناً بأكملها إلى الهاوية. فعلى مر التاريخ الفلسطيني المعاصر، مرت القضية الفلسطينية بمنعطفات خطيرة تطلبت حكمة وشجاعة من قيادتها.

وما حدث في عام 1982 على سبيل المثال أكبر دليل يعبر عن حكمة القيادة الفلسطينية في حينها، بعد أن رأت كيف تسير الحرب وتدخلات الأطراف المختلفة، وأصبحت معادلة القوة واضحة تماماً، فاتخذت قرار الانسحاب حفاظاً على حياة الناس (لبنانيين وفلسطينيين) وحفاظاً على الحركة الوطنية الفلسطينية من الانتحار تحت وطأة الشعارات. وعلى الرغم من الألم الذي شعر به الجميع، إلا أنه كان قراراً صائباً بنسبة 100%.

أولئك القادة أدركوا أن البقاء للقضية لا للأشخاص، وأن الانسحاب التكتيكي ليس هزيمة بل حكمة تمنح المستقبل فرصة جديدة. ولكن بعد أكثر من أربعين عاماً من تلك الحادثة، لم تتعلم حركة حماس الدروس من الآخرين، وكأن التاريخ يبدأ من عندها.

وحسب رأيي، فهي لم تكن يوماً تجيد قراءة المتغيرات ولا كتابة التاريخ، فحكمت على شعبها بالموت والدمار والتشرد، وحكمت على نفسها بالانتحار، وحكمت على المحور الذي تتبعه بالدمار، جراء الخطأ الكارثي الذي ارتكبته يوم 7 أكتوبر 2023. والتاريخ يعج بالكثير من تلك الحوادث التي أدت إلى تدمير إمبراطوريات ودول نتيجة لسوء التقدير وسوء الفهم للمتغيرات، ورفض التغيير المخطط له تفادياً للهلاك.

إن المقارنة هنا ضرورية من حيث تأثير القرار الكارثي على مجريات الأحداث: فكما قاد هتلر ألمانيا إلى التدمير حين راهن على حرب لا يمكن ربحها ولم يستطع التوقف حتى مُني بهزيمة نكراء، وكما أن قادة اليابان في أربعينيات القرن الماضي أوقعوا بشعبهم كارثة نووية بسبب تقدير خاطئ للتوازنات، فإن قادة حماس الذين تناولوا ما جرى في الحرب العالمية الثانية كما لو كانوا قوى عظمى، مثل طاهر النونو الذي كان ينتظر إنزال النورمندي معتمداً على قوارب النشطاء التي انطلقت لفك الحصار عن قطاع غزة، والتي لم تكن تحمل جنوداً أو أسلحة وإنما بعض المؤن لشعب محاصر لا يجد ما يأكله، وأسامة حمدان الذي استشهد بحكومة فيشي برئاسة الماريشال بيتان لإبراز أن أي حكومة ستأتي غير حماس هي حكومة عميلة للاحتلال، ارتكبوا ذات الخطأ المأساوي.

لكن هذه المرة في زمن تكنولوجيا الفضاء والذكاء الاصطناعي، حيث صار الفارق في القوة أكثر فداحة، والقدرة على فهم الأمور أكثر دقة، ولكنهم لم يستفيدوا من هذا، وهو ما عبّر بشكل فاضح عن مدى السذاجة وقصر النظر وعدم القدرة على فهم مجريات الأمور التي يتمتعون بها.

ولكن رب ضارة نافعة. فمن وجهة نظري الشخصية، وعلى الرغم من القتل والدمار الذي خلفه ذلك الخطأ الغبي على الشعب الفلسطيني وعلى شعوب المنطقة، فإني أرى أن هذا بلا أدنى شك بداية فشل واندراس المؤامرة التي استمرت لأكثر من ثلاثة عقود على فلسطين وعلى المنطقة العربية برمتها. فها نحن نرى حماس، ومعها كل الحركات التي سيطرت على شعوب منطقتنا وحولتها إلى دول مليشيات خلال الحقبة الماضية، تقوم بعملية انتحار جماعي؛ فقد خسرت قادتها، وخسرت شعوبها، وخسرت كل شيء، وأصبحت في انتظار النهاية التي لن تطول. حيث إن المتآمر الرئيس (إيران) يعاني ويفقد كل يوم الكثير، وأصبح يتسول المفاوضات ويبحث عن مخارج بعد أن كانت شعاراته تملأ الفضاء بأنه قوة عظمى، وأصبح جاهزاً لأن يتخلى عن برنامجه النووي وعن محوره ليستطيع الصمود.

بل إن ما يحدث اليوم يشبه لحظة انكشاف حقيقة لعبة الأوراق: إيران التي راهنت على الوكالة وحروب الظل، ها هي تكتشف أن وكلاءها أصبحوا أعباءً ثقيلة عليها، وأن برنامجها النووي الذي كان ورقة ضغط تحول إلى نقطة ضعف تستغلها المفاوضات.

ومن وجهة نظري، انتهى الأمر. فقد أصبحت إيران جاهزة لأن تتخلى عن كل شيء من أجل النجاة، بعد أن تيقنت أن الجميع قد فهم اللعبة. فها نحن نرى لبنان وقد عقد العزم على أن تكون السيادة للدولة فقط، وهذا ما سيحدث. كذلك العراق التي اتخذت قرار تسليم سلاح الميليشيات للدولة، وسوريا من قبلهم. أما حماس، رأس الحربة في الانتحار الجماعي، فلم يتبق لها سوى أن تسلم بما كانت ترفضه، وأن تخرج من المشهد الفلسطيني ومن حياة الشعب الفلسطيني إلى الأبد، وهذا ما سنراه في الأيام القادمة.

الخلاصة أن التاريخ لا يرحم المغامرين بمصائر الشعوب، وأن الدول التي تتعلم من دروس الماضي فقط هي التي تستحق البقاء. أما من يظن أن الشعارات تصنع النصر، فسينتهي به المطاف درساً عابراً في كتب التاريخ التي تروي كيف تموت الأفكار الخاطئة على يد أصحابها قبل أن يقتلها أعداؤها.