عرب وعالم

الأحد - 07 يونيو 2026 - الساعة 01:00 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


تدرس الولايات المتحدة خطوة غير مسبوقة في إطار إدارتها للصراع المستمر مع إيران، تقوم على استخدام أصول إيرانية خاضعة للقيود أو التجميد لتمويل عمليات إصلاح الأضرار التي لحقت بدول الخليج جراء الهجمات الإيرانية الأخيرة.

ويعكس هذا التوجه تحولا لافتا في المقاربة الأميركية، إذ لم تعد واشنطن تكتفي بالردع العسكري والعقوبات الاقتصادية، بل باتت تبحث عن آليات تجعل طهران تتحمل بصورة مباشرة كلفة ما تصفه الإدارة الأميركية بالأضرار الناجمة عن سياساتها العسكرية في المنطقة.

وجاء الكشف عن هذا التوجه في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيدا جديدا رغم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران.

وقال مصدر مطلع إن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت كلف فريقا مختصا بتقييم حجم الأضرار التي لحقت بحلفاء واشنطن في الخليج، تمهيدا لبحث إمكانية استخدام أصول إيرانية للمساهمة في إعادة الإعمار وإصلاح المنشآت والبنى التحتية المتضررة.

ويحمل هذا الطرح أبعادا سياسية واقتصادية تتجاوز مسألة التعويضات المباشرة، إذ يضع ملف الأصول الإيرانية في قلب المفاوضات الجارية حول مستقبل الحرب والتسوية المحتملة بين واشنطن وطهران.

وفي الوقت الذي تطالب فيه القيادة الإيرانية بالإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال المجمدة باعتبارها جزءا من أي اتفاق سلام، تبدو الإدارة الأميركية وكأنها تلوح باستخدام تلك الأموال في اتجاه معاكس، عبر تخصيصها لمعالجة تداعيات الهجمات التي تعرضت لها دول الخليج.

وتزامن الحديث عن هذا المقترح مع موجة جديدة من التوترات الأمنية في المنطقة. فقد أعلنت الكويت اعتراض عدد من الصواريخ التي مرت فوق مناطق سكنية وتسببت بأضرار مادية، فيما شهدت البحرين حالة استنفار أمني واسعة بعد إطلاق صفارات الإنذار ودعوة السكان إلى التوجه نحو الملاجئ.

وعلى الرغم من محدودية الخسائر البشرية، فإن هذه التطورات عززت المخاوف من اتساع دائرة الصراع ودفعت إلى تجدد المطالبات بمحاسبة إيران على الهجمات التي تستهدف دولا تستضيف قواعد ومنشآت عسكرية أميركية.

ومن وجهة النظر الأميركية، فإن تحميل إيران جزءا من فاتورة إعادة الإعمار يمثل امتدادا لمبدأ سياسي يقوم على ربط المسؤولية العسكرية بالمسؤولية المالية. فواشنطن ترى أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المدنية والاقتصادية في بعض الدول الخليجية لا ينبغي أن تتحملها الحكومات المتضررة وحدها، بل يجب أن تكون جزءا من أي ترتيبات تتعلق بإنهاء الحرب وإعادة الاستقرار إلى المنطقة.

كما أن هذا التوجه ينسجم مع سعي الإدارة الأميركية إلى تعزيز الردع ضد إيران دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع. فبدلا من الاعتماد حصرا على الضربات العسكرية أو العقوبات التقليدية، يمكن لواشنطن أن تستخدم الأدوات المالية والاقتصادية لزيادة كلفة التصعيد على طهران، بما يجعل أي عمل عسكري مستقبلي مرتبطا بخسائر اقتصادية إضافية.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه إدارة الرئيس دونالد ترامب ضغوطا داخلية متزايدة بسبب تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. فقد أدى الصراع المستمر منذ أشهر إلى اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، كما تسبب في ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاوف بشأن سلاسل الإمداد العالمية.

ومن هنا تسعى الإدارة الأميركية إلى إظهار أنها لا تعمل فقط على إنهاء القتال، بل أيضا على حماية مصالح حلفائها وضمان عدم تحملهم وحدهم تبعات المواجهة.

غير أن تحويل الأصول الإيرانية إلى أداة للتعويض يطرح تحديات قانونية وسياسية معقدة. فإيران تعتبر الأموال المجمدة ملكا للدولة وترى أن الإفراج عنها يمثل حقا سياديا لا يمكن ربطه بشروط إضافية.

ومن المتوقع أن ترفض طهران أي محاولة لإعادة توجيه هذه الأموال نحو أغراض أخرى، معتبرة ذلك شكلا من أشكال المصادرة أو العقاب الاقتصادي.

كما أن تنفيذ مثل هذا التوجه يتطلب إجراءات قانونية ودبلوماسية معقدة، خاصة إذا كانت الأصول موزعة بين عدة دول أو تخضع لأنظمة قانونية مختلفة.

ولذلك فإن الحديث الأميركي لا يزال في إطار الدراسة والتقييم، دون الإعلان عن آلية تنفيذية واضحة أو تحديد نوع الأصول التي يمكن استخدامها في هذا السياق.

وفي المقابل، يرى مراقبون أن مجرد طرح الفكرة يحمل رسالة سياسية مهمة تتجاوز قيمتها المالية المباشرة. فواشنطن تريد أن توضح أن مرحلة ما بعد الحرب لن تقتصر على التفاوض بشأن وقف إطلاق النار أو تخفيف العقوبات، بل ستشمل أيضا البحث في كيفية معالجة الأضرار التي خلفها الصراع، ومن سيتحمل كلفة إعادة البناء والإصلاح.

وتزداد أهمية هذه الرسالة في ظل تعثر المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تهدف إلى التوصل إلى اتفاق مؤقت يضع حدا للمواجهة العسكرية المستمرة منذ أشهر. فكل جولة من التصعيد الميداني تؤكد أن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال طويلا، وأن الملفات العالقة تتجاوز القضايا العسكرية لتشمل قضايا اقتصادية وسياسية معقدة.

وفي حال مضت واشنطن قدما في هذا المسار، فإن المنطقة قد تشهد سابقة جديدة في إدارة النزاعات الإقليمية، تقوم على ربط الأصول الخارجية للدول بمسؤوليتها عن الأضرار الناجمة عن الحروب والصراعات.

وقد يفتح ذلك الباب أمام نماذج مشابهة في أزمات أخرى، حيث تصبح التعويضات وإعادة الإعمار جزءا أساسيا من أي تسوية سياسية.

ويكشف النقاش الدائر حول الأصول الإيرانية عن تحول مهم في التفكير الأميركي تجاه الحرب الحالية. فبدلا من التركيز على وقف القتال فقط، تسعى واشنطن إلى صياغة معادلة جديدة تقوم على تحميل الأطراف المتسببة في التصعيد جزءا من كلفة نتائجه.

وبينما لا يزال مستقبل هذه الفكرة مرتبطا بمسار المفاوضات والتوازنات السياسية والقانونية، فإنها تعكس اتجاها متزايدا نحو دمج أدوات القوة المالية في إدارة الصراعات الإقليمية، وربط السلام بمبدأ المساءلة والتعويض عن الأضرار.