هو لقمان بن عاد بن الملطاط بن السكسك بن وائل بن حمير الحميري نبياً غير مرسل كما قيل .
قال أبو محمد: لقيت عامة من العلماء يقولون إن لقمان وذ القرنين ودانيال أنبياء غير مرسلين، وملوك حميريين ،وعامة يقولون ملوك وعباد صالحين، ولقمان بن عاد هو الذي سمته حمير الرائش لأنه كان متواضعاً لله ،بحسب رواية وهب بن منبه، فإن لقمان بن عاد تولى الحكم بعد وفاة أخيه شداد وتصفه الرواية الأخرى بأنه كان رجلاً استثنائياً في قوته وإدراكه، وحكمته وقضائه حتى قيل إن الله أعطاه من الفطنة والحكمة والإحساس والذكاء وما يهاب به الناس ويوقروه، كما إنه كان طويل القامة ومهيب الهيئة.
وتنسبه الرواية إلى قبائل حمير اليمنية، حسب ماذكره ابن عباس بأنه كان نبياً غير مرسل، أي أوحى الله إليه بالحكمة والموعظة والفطنة ولم يُبعث برسالة إلى قوم،بينما يرى آخرون أنه كان عبداً صالحاً وحكيماً فحسب يفصل بين الناس
أما لقب ( الرائش ) الذي اشتهر به عند الحميريين، فيُفسَّر في الرواية بأنه كان كريماً متواضعاً لله، ولم يكن يلبس التاج أو يتعالى بسلطانه كما كان يفعل كثير من الملوك
ومن خلال هذه الأوصاف التي تثبت أن لقمان الحكيم المذكور في القرآن هو نفسه لقمان بن عاد الحميري الذي تتحدث عنه هذه الروايات لانه لايوجد اسم اقترن بهذا في عهد ما قبل الإسلام حتى بالعصر الجاهل لم تذكر إن هناك ملوك وحكماء في أي منطقة أو بلد ما الا في يمن الحميريين كانوا أهل الفطنة والفصاحة والبلاغة والصناعة وكانوا هم القبائل والعشائر المتعددة المنتشرة ولم تذكر كتب التاريخ عن لقمان اخر سوى جملة أو عنوان لا اكثر دون توضيح
ومن أجمل ما يُروى عن لقمان في التراث اليمني القديم أنه كان يُنظر إليه بوصفه مثالاً للحكمة والتواضع والعدل بالقضاء بين الناس ،ولذلك بقي اسمه حاضراً في الذاكرة الشعبية العربية واليمنية عبر القرون.
وكان لقمان رجلًا تقصده القبائل عند النزاعات، لما عُرف به من الحكمة ورجاحة العقل ،وقد تكون هذه الصورة نابعة من طبيعة المجتمع اليمني القديم الذي كان يمنح مكانة كبيرة للحكماء وأهل الرأي، وليس فقط للملوك والمحاربين.
موطنه الأصلي ونشأته: ولد ونشأ لقمان الحكيم في المرتفعات اليمنية الوسطى، وهي المنطقة التي قامت فيها ممالك حمير لاحقًا، خاصة حول مدينة ظفار التاريخية في محافظة إب.
مركز حكمه: مادام وهو ملكًا حميريًا كما تذكر الروايات المتعددة ، فهذا يدل على أن نشاطه كان بين المرتفعات الوسطى الممتدة من ذمار إلى إب وتعز،لحج ،عدن لأن هذه المناطق كانت قلب النفوذ الحميري في تلك العصور وكذلك وقد جرت أحداثه بين الأودية الخصبة والجبال اليمنية التي كانت تضم التجمعات القبلية القديمة، وامتدت صلاته واحداثه إلى مأرب بحكم أهميتها السياسية والاقتصادية.
كما إن هناك توجد اماكن باليمن ينسبونها إلى لقمان حصونًا وآثارًا وأماكن قديمة في اليمن، كما نُسبت مواقع كثيرة إلى ملوك حمير وسبأ وما تم نسبه مدعومة بأدلة تاريخية أو أثرية ونقوش .
وحسب السرد الروائي والقصص عند المؤرخين فإن تحليل حياة وشخصية لقمان وهيئته كان شيخًا حكيمًا وملكًا متواضعًا يقيم في حصن جبلي مرتفع قرب ظفار القديمة( يريم, يحصب )، يطل على مدرجات زراعية وأودية خضراء، ويقصده الناس من القبائل للفصل في الخصومات وإسداء المشورة، أكثر من كونه ملكًا يقيم في قصر فخم أو مدينة ساحلية والآثار تدل على ذلك التي مازالت موجوده حتى يومنا هذا من نقوش (لقمن بعدم صلحهم يتمن)
اي (لقمان قضى بصلح بينهم بحكمه)
وفي زمن لقمان لقد أصاب القحط فخذ من بني عاد بن قحطان فصاروا إلى لقمان يشكوه الويل، فأخذهم لقمان واتجه بهم إلى بيت التوحيد بيت الإله ( بكة ) إلى المقام الرفيع ذات القواعد والأحجار العظيمة فسأل لقمان الإله القطر المطر فاستجاب دعوة لقمان الحكيم القاضي المتواضع لربه.
وأماوصايا لقمان لابنه لا تعطي أحكامًا مجردة فقط، بل تفتح نافذة على طبيعة المجتمع الذي عاش فيه الناس آنذاك.
وكذلك،ما ذكره الهمداني عن لقمان من أكثر الموضوعات إثارة في التراث اليمني
فللحديث بقية وشرح أكثر تفصيلاً
تابع لقمان الحكيم الجزء الثاني
هنا حقائق قد تعرفها لأول مرة في هذا السرد التاريخي
( حقائق ودلائل تثبت أن لقمان المذكور بالقران الكريم
ملك من ملوك وحكماء اليمن )
قال الله تعالى(وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا)(وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ)
عندما نتأمل هذه الوصايا نجد أنها لا تعالج عبادات أو عقائد فقط، بل تعالج سلوكًا اجتماعيًا كان موجودًا بين الناس.
لا تمش في الأرض مرحًا(المرح) ليس مجرد الفرح، بل التكبر والزهو بالنفس، وهذا يوحي بأن المجتمع كان يعرف التفاخر بالمكانة والقوة والمال والنسب وهذا صفات من قبائل وعشائر اليمن التفاخر بالانساب والفخوذ والمكانة والملك والمال
فهم كانوا ولا زالوا بعضهم إلى اليوم من أصحاب الجاه والسلطان يسيرون بين الناس بخيلاء،بمواكب ومدرعات يريدون أن يشعر الآخرون بعظمتهم ،لذلك جاءت الوصية لتقول ،مهما بلغت من قوة أو مال أو سلطان، تذكر أنك إنسان من تراب وإلى تراب ، ولا تصعر خدك للناس ،التصعير هو إمالة الوجه عن الناس احتقارًا لهم، وهذه صورة اجتماعية دقيقة جدًا، فالمتكبر لا يحتاج أن يتكلم أحيانًا، يكفي أن يدير وجهه عن الفقير أو الضعيف ليشعره بالدونية،وهذا يدل على أن لقمان كان يربي ابنه على التواضع في مجتمع كانت فيه الفوارق القبلية والاجتماعية ظاهرة.
واقصد في مشيك ،أي كن معتدلًا في مشيتك ،فلا مشية المتكبر المتبختر، ولا مشية المتكاسل الذليل ،وهنا نرى أن الإسلام والقرآن ينظران حتى إلى طريقة المشي باعتبارها تعبيرًا عن أخلاق الإنسان الداخلية ، واغضض من صوتك ،هذه الوصية عجيبة في عمقها
فالصوت المرتفع كان غالبًا علامة من علامات الغلبة أو الغضب أو الرغبة في فرض الذات على الآخرين،ولذلك لم يقل، اخفض صوتك فقط، بل قال،اغضض من صوتك، أي خفف منه وأدبه
وكأن لقمان يقول لابنه، ليس كل من ارتفع صوته ارتفع قدره، وليس كل من صرخ كان أقوى حجة ، ولهذا ختمها بقوله:(إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)فالقوة ليست في الضجيج، بل في الحكمة ،إذا جمعنا الوصايا كلها نجد أنها تشير إلى مجتمع: توجد فيه العصبية والمفاخرة بالأنساب,يعرف التفاوت بين الأغنياء والفقراء يقدّر الهيبة والمكانة الاجتماعية ،تظهر فيه مظاهر الكبر والتعالي ،تنتشر فيه المجالس العامة والأسواق والتجمعات القبلية حيث يبرز الكلام والصوت والحضور الشخصي ،ولهذا ركز لقمان على ما نسميه اليوم "الحس الاجتماعي" قبل أن يوصي ابنه بأمور عده.
في التراث اليمني القديم، والرويات تقول إن لقمان المعمر (طويل العمر)من أشهر ما روي عنه أنه عاش عمرًا طويلًا جدًا حتى صار مضرب المثل في طول العمر ، وكان اليمنيون يقولون ،لست (أعمر من لقمان) ولا ( أفطن من لقمان) ولا ( أحذق من لقمان)وتذكر بعض الروايات الأسطورية أن الله خيره بين أعمار نسور، فكان كلما مات نسر عاش بعده زمنًا طويلًا حتى مات آخرها وانتهى أجله. وهذه الرواية من أخبار التراثية فهو الحكيم الذي تفصل عنده القبائل قضاياها وتحل مشاكلها.
اليمنيون القدماء ولقمان في الوجدان اليمني القديم ليست صورة قائد جيوش فاتح، بل صورة ،شيخ وقور،حكيم صاحب رأي،ملك أو زعيم متواضع،طويل العمر كثير التجارب ،يقصده الناس للفصل في الخصومات ،ولهذا بقي اسم لقمان في التراث اليمني والعربي رمزًا للحكمة أكثر من كونه رمزًا للسلطة أو القوة العسكرية ،فحين يُذكر لقمان، لا يتبادر إلى الذهن الملك المتوج، بل الرجل الذي صقلته التجارب حتى أصبحت كلماته تُروى جيلاً بعد جيل.
نعم، وقد يكون ما ذكره الهمداني عن لقمان من أكثر المواضيع إثارة للاهتمام في التراث اليمنين ،لكن هناك نقطة مهمة فالأجزاء المفقودة من كتاب الإكليل كانت تحتوي على كثير من أخبار ملوك حمير الأقدمين، ولذلك فإن ما وصلنا من كلام الهمداني عن لقمان ليس كاملًا، بل متناثر في مواضع مختلفة أو منقول عبر مؤرخين جاءوا بعده ،ومن خلال ما نُقل عن الهمداني ، تتحدث إن ،لقمان شخصية يمنية عظيمة في الذاكرة الحميرية ،الهمداني كان يميل إلى حفظ الأنساب وقد تعامل مع لقمان بوصفه شخصية مرتبطة بتاريخ حمير والملوك القدماء، لا مجرد شخصية وعظية أو دينية.
وقد ذكر وهب بن منبه إنه في زمن لقمان الحكيم أصاب بنو كركر بن عاد بن قحطان القحط فصار لقمان إلى بيت بكة وصار مع قيل يستسقيان ويدعوان في مقام بكة بيت الآلة فسأل لقمان القطر اي المطر فأحيبت دعوة لقمان الحكيم القاضي بين الناس ،وبعد عودة لقمان من صلح بني كركر بن قحطان وطردهم من ارض حمير واستسقى لهم الله، فسقاهم وأثناء عودته من أرض إرم من أرض الأحقاف بعد إن أقام بها فترة من الزمن وعاد إلى مأرب وهناك استعصى عليه المرض
وفاته ودفنه هناك ثلاث روايات تذكر مكان دفنه
الرواية الأولى: فأوصى أبناءه مالك وفوط وأخيه الهمال بن عاد الملقب (ذو شدد)أن يدفنوه دون نصب بحفرة من الحصى إلى جوار النبي هود في الاحقاف، وتم دفن لقمان الحكيم في حضرموت بالأحقاف إلى جوار النبي هود عليه السلام ولم يكمل طريقة إلى ظفار عاصمة الدولة الحميرية.
رواية الثانية:ذكر إنه توفي معتلا وتم دفنه في مغارة إحدى الجبال حول مدينة ظفار الحميرية جوار أخيه الملك شداد بن عاد صاحب التاج الذهبي الذي دفن مع أملاكة
الرواية الثالثة: وبعد أن استعصى عليه المرض في مأرب وجعله طريح الفراش توفي هناك وتم دفنه في مأرب جوار معبد اوام واقاموا عليه الصلاة في معبد اوام إلى جوار الملكة بلقيس ورحبعام وأخيه يربيعام وعبدشمس والملكة لميس والمملكة نادين والعديد من ملوك سبأ وهي مقبرة الملوك قريبةمن المعبد وهي إلى اليوم مازالت مطمورة لم يتم التنقيب عنها وقيل إن لقمان هو الملك الحميري الذي قُبر مع ملوك سبأ.
وبالأخير نجد أن الروايات العربية والإسلامية واليمنية القديمة ، تجعل نسبه يعود إلى حمير، وتربطه بسلسلة الملوك والحكماء الذين سبقوا الإسلام بقرون طويلة
إعداد/نصيب محمد الحارثي