منوعات

الأربعاء - 03 يونيو 2026 - الساعة 03:19 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


أعلنت مجموعة "إم.بي.سي" رسميًا عن إغلاق قناة "وناسة" الفضائية المتخصصة في الموسيقى العربية والخليجية، لتطوي بذلك صفحة امتدت لتسعة عشر عامًا من البث التلفزيوني المستمر.

وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع إطلاق العلامة التجارية الجديدة "إم.بي.سي مود" (MBC Mood) كبديل عصري يدمج بين الشاشة التقليدية والمنصات الرقمية. ويعكس هذا التحول الإستراتيجي للمجموعة الإعلامية الأكبر في الشرق الأوسط نهاية العصر الذهبي لمحطات الأغاني المصورة، والتحول الكامل نحو نماذج الترفيه الرقمي التفاعلي لمواكبة التغيير الجذري في أذواق المستهلكين وعادات الاستماع.

وتأسست قناة وناسة عام 2007 في دبي كمشروع فني مشترك مع الفنان السعودي راشد الماجد، وشكّلت لسنوات طويلة الحاضنة الأولى للجلسات الغنائية والأغاني المصورة الخليجية، حيث ساهمت في صناعة نجومية جيل كامل من المواهب العربية.والآن تحل علامة"إم.بي.سي مود" الجديدة بديلة للمحطة عبر القمر الصناعي عرب سات والمنصات الرقمية، رافعةً شعار "على مودك" لتقديم مزيج من الأغاني العربية والعالمية المصورة، إلى جانب البث المرئي المباشر للاستوديوهات الإذاعية والبرامج الحوارية والترفيهية.

وفقًا لمسؤولين في المجموعة، فإن التغيير يعود بشكل رئيسي إلى أولويات سوق الإعلانات وهجرة المشاهدين من التلفزيون المجدول نحو منصات البث الفوري والتطبيقات الذكية والبودكاست. كما أن انتقال معركة الانتشار الموسيقي من الشاشات الفضائية الثابتة إلى الهواتف المحمولة وقوائم التشغيل التفاعلية المخصصة فرض على المجموعة ربط منصاتها ببعضها، حيث ستتاح بعض برامج وبودكاست المنصة الجديدة بالتكامل مع منصة شاهد الرقمية.

بدأ البث الفعلي لقناة "MBC Mood" عبر الترددات الرسمية لعرب سات بهدف خلق تجربة بصرية وصوتية تفاعلية تتيح للمشاهدين التواصل المباشر مع المذيعين عبر الرسائل النصية والصوتية. وتعد هذه الخطوة إعلانًا رسميًا لإنهاء نموذج القنوات الغنائية التقليدية التي هيمنت على الساحة الإعلامية مطلع الألفية، والتحول نحو إعلام رقمي تفاعلي بالكامل.

وارتبطت قناة "وناسة" تاريخياً بنشر "الجلسات الخليجية" المدمجة بالإيقاعات التراثية والدفوف، والتي كانت تمتد لساعات طويلة وتجمع كبار فناني الخليج. وساهمت القنوات الموسيقية الكبرى سابقاً في فرض أسماء معينة واحتكار ذوق المستمع من خلال تكرار بث أغاني نجوم الصف الأول. أما المنظومة الرقمية الجديدة تمنح المواهب الخليجية الشابة والإنتاجات المستقلة فرصة متساوية للبروز بناءً على خوارزميات الاستماع وتفضيلات الجمهور المباشرة، مما ينهي زمن "الحارس الإعلامي" ويفتح الباب أمام موجة جديدة من الموسيقى الخليجية البديلة والهجينة.

يعكس إغلاق منصات تلفزيونية عريقة مثل "وناسة" التحول الكامل في صناعة الموسيقى، حيث فرضت الهواتف الذكية وتطبيقات مثل "تيك توك" قوانين بصوت وصورة جديدة غيرت وجه الإنتاج والتسويق الموسيقي.

انتقلت معايير الإخراج الفني من الصيغة السينمائية الأفقية العريضة المصممة لشاشات المنازل، إلى الكاميرا العمودية المتوافقة تمامًا مع قبضة اليد وهيكل الهاتف المحمول. هذا التحول لم يغير زوايا التصوير وحسب، بل فرض إيقاعًا إخراجيًا سريعًا يعتمد على اللقطات الخاطفة والمبهرة بصريًا في أول ثلاث ثوانٍ، وذلك لتفادي قيام المستخدم بالتمرير السريع (Swipe) والانتقال إلى مقطع آخر.

ويقول محللون إن زمن الكليبات التي تحاكي الأفلام القصيرة بميزانيات تبلغ مئات آلاف الدولارات، والتي كانت تعتمد على استئجار مواقع تصوير خارجية وفرق عمل ضخمة قد انتهى. وبدلاً من ذلك، بات الفنانون يعتمدون على الفيديوهات التوضيحية البسيطة، أو المقاطع العفوية المصورة خلف كواليس الاستوديوهات باستخدام الهواتف الذكية، مما يمنح المحتوى طابعاً حيوياً وقريباً من الواقع اليومي للمتابع الشاب.

ولم يعد صناع الموسيقى ينتظرون نجاح الأغنية ليقوم الجمهور بالتفاعل معها، بل يتم الآن تصميم الأغنية المصورة وهندستها موسيقياً لخدمة "التحديات" على منصات التواصل الاجتماعي. ويتعاون المخرجون مع مصممي رقصات وصناع محتوى لابتكار حركات تعبيرية محددة داخل الكليب قابلة للتقليد السريع، مما يحول المشاهد من مستهلك سلبي أمام التلفزيون إلى شريك أساسي في نشر الأغنية وتسويقها عالمياً.

يؤكد خبراء الإعلام أن التحول من "وناسة" إلى "إم.بي.سي مود" يعكس استجابة حتمية للتغيرات العميقة في سلوكيات المشاهدين، وتحديدًا فئة الشباب التي باتت تفضل المنصات الرقمية الذكية على الشاشات التقليدية. فالأجيال الجديدة لم تعد تكتفي بدور المتلقي السلبي الذي ينتظر بث الأغنية المفضلة عبر التلفزيون المجدول، بل تبحث عن محتوى تفاعلي فوري يمنحها حرية الاختيار والتحكم الكامل في وقت وكيفية الاستماع، وهو ما يفسر الهجرة الجماعية نحو تطبيقات الموسيقى والبودكاست.

ويمثل هذا التوجه الإستراتيجي محاولة جادة من "إم.بي.سي" لإعادة صياغة مفهوم الإعلام الصوتي والبصري في المنطقة العربية، عبر خلق منظومة ترفيهية متكاملة تجمع بين قوة الانتشار الفضائي ومرونة التطبيقات الذكية. هذا الاندماج الرقمي لا يسهم فقط في الحفاظ على القاعدة الجماهيرية الشابة، بل يعزز أيضًا الجاذبية الاستثمارية للمنصة الجديدة أمام الشركات الإعلانية التي تبحث عن جمهور مستهدف، متفاعل، ومتصل بالإنترنت بشكل دائم.