أخبار وتقارير

الإثنين - 01 يونيو 2026 - الساعة 06:10 م بتوقيت اليمن ،،،

عيدروس المدوري


هذا المقال رد على مقال السياسي اليمني على العمراني المنشور في موقع صحيفة عدن الغد يوم امس الاحد 31 مايو 2026 .

كعادته في قراءة التاريخ بعين واحدة وإسقاط أزمات الحاضر على حقائق الماضي أطلّ علينا الكاتب علي العمراني بمقالٍ يفوح بالوصاية السياسية محاولاً مهاجمة سلاطين الجنوب ويافع تحديداً ومُسوقاً لمفهوم الوحدة كصنمٍ مقدّس لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه غير أن تفكيك المقال يكشف عن تناقضات بنيوية وتزييف مفضوح للحقائق التاريخية والجغرافية سنورد الرد عليها في النقاط التالية :

أولاً خطيئة القياس وتناقضات الجمهورية والقبيلة
يتحدث العمراني عن النظام الجمهوري والمكاسب متناسياً أن بلاده (الجمهورية العربية اليمنية) لم تملك من النظام الجمهوري سوى الاسم فقد تحولت طوال عقود إلى نظام قبلي وعسكري متخلف وعميق التهمت فيه القبيلة ومراكز النفوذ في صنعاء مفهوم الدولة في حين كانت سلطنات ومشيخات الجنوب رغم بساطة الإمكانيات تمتلك حدّاً أدنى من المؤسسية والنظام والقانون اللائق بزمانها وهو ما افتقدته جغرافيا الشمال التي ظل الولاء فيها للشيخ والعسكر قبل الدستور .

ثانياً مفارقة السلاطين وهمجية المشايخ (تفكيك النفوذ والسطوة)
يحذرنا الكاتب بنبرة توجسية من أحفاد السلاطين متناسياً المفارقة الصارخة بين إرث السلطنة وإرث المشيخة فقد أدار السلاطين في الجنوب سلطناتهم بنظامٍ قبلي مؤسسي يحاكي نظام الدولة حيث تحكمهم الأعراف الصارمة والقوانين وكانت مناطقهم نموذجاً للاستقرار النسبي .

وفي المقابل غضّ الكاتب الطرف عن همجية المشايخ في عمق جغرافيا الشمال حيث ابتلع الشيخُ الدولةَ وصار فوق القانون ولعل كوارث غطرسة هؤلاء المشايخ ونفوذهم المطلق مما ملأ وسائل الإعلام وضجت منه آلاف القصص الإنسانية المؤلمة فوصل الحد في بعض مناطقهم إلى سلب حرية المواطن البسيط وإذلاله ومن أقرب الشواهد على ذلك تلك التبعية القهرية التي تجعل المغترب العائد من غربته وشقاء السنين غير قادر على الذهاب مباشرة إلى بيته لرؤية أهله والسلام عليهم ونيل قسط من الراحة بل يُجبر على التوجه أولاً وبشكل مهين لتقديم فروض الولاء والطاعة والسلام على الشيخ في مجلسه ليتجنب غضبه أو بطشه فأي نظام جمهوري هذا الذي يتباكى عليه العمراني وهو يرى المواطن فيه عبداً في إقطاعية الشيخ بينما يرى في أحفاد سلاطين النظام والقانون مشروع فوضى ؟!

ثالثاً تزييف تاريخ حمير والهمداني
يستند الكاتب إلى أحلام الإمام يحيى ووحدة اليمن على يد الدولة الحميرية مستشهداً بكتاب صفة جزيرة العرب للهمداني وهنا يقع في جهل تاريخي أو تغافل متعمد :

هوية التسمية إن الدولة التي أسسها الحميريون لم يكن اسمها اليمن أصلاً فالاسم في النقوش المسندية جاء مجزأً ويدل على التوسع والضم وليس على وحدة طوعية أو هوية قومية واحدة حيث كان اللقب الملكي الشهير ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات .

دلالة يمنات كلمة يمنات في النقوش الحميرية كانت تشير جغرافياً إلى المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية (ساحل حضرموت وشبوة)، ولم تكن تعني القطر المسمى اليوم اليمن .

التوسع الإقليمي إذا كان العمراني يرى في امتداد الدولة الحميرية وحدة يمنية فلماذا يتجاهل أن حدودها تجاوزت البحر الأحمر ووصلت إلى القرن الأفريقي؟ هل كانت إثيوبيا والصومال جزءاً من اليمن التاريخي أيضاً؟ إن محاولة ليّ عنق التاريخ لإثبات شرعية سياسية حديثة هو ديدن القوى التي مارست اجتياح الجنوب في 1994م تحت المبررات ذاتها .

رابعاً الهوية الجنوبية ليست صناعة بريطانية أو إماراتية
يعود الكاتب ليعزف على نغمة المؤامرة الخارجية زاعماً أن مصطلح الجنوب العربي هو مشروع بريطاني قديماً وإماراتي حديثاً لطمس الهوية اليمنية والواقع والتاريخ يكذبان ذلك :

هوية الجنوب العربي هي تعبير عن خصوصية ثقافية واجتماعية وسياسية تشكلت عبر القرون بعيداً عن مركزية الهضبة الزيدية في الشمال .

محاولة اختزال تطلعات شعب الجنوب في استعادة دولته بـ التمويل الخارجي أو الجهالة والضحالة هي إساءة بالغة لملايين الجنوبيين وفشل متكرر في فهم أن الأزمة ليست بروبغندا بل هي نتاج احتلال حقيقي وعسكري دمر الشراكة في عام 1994م وحوّل الوحدة إلى مشروع ضم وإلحاق وفيد .

خامساً عودة السلاطين والتخويف من الفوضى
يبدي الكاتب قلقاً مصطنعاً من ظهور أبناء وأحفاد السلاطين (مثل سلاطين يافع والعوالق والفضلي وغيرهم) ويصف تحركاتهم بأنها مشروع فوضى

الحقيقة أن السلاطين والشيوخ في الجنوب هم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والقبلي الأصيل ولم يكونوا يوماً غزاة أو أمراء حرب بل ان بعضهم كانوا ثوار ضد الاستعمار البريطاني عودتهم وممارستهم لحقهم السياسي والمجتمعي هي لترميم ما دمرته الصراعات السياسية وليس لصناعة الفوضى الفوضى الحقيقية والخراب والدمار الشامل لم يأتِ من أبناء السلاطين بل جاء من مراكز النفوذ في صنعاء التي انقلبت على الإجماع السياسي واجتاحت المدن وسلمت البلاد للمليشيات الطائفية .

إن أضغاث الأحلام الحقيقية هي الاعتقاد بأن الشعوب يمكن قهرها باسم الوحدة المعمدة بالدم أو أن تزوير التاريخ القديم يمكن أن يشرعن لظلم الحديث إن الاعتراف بالحقائق والإقرار بفشل مشروع 1990م الاستعلائي واحترام خيارات شعب الجنوب وهويته هو الطريق الوحيد للاستقرار أما البكاء على أطلال الوحدة المقدسة وشيطنة الرموز الجنوبية فلن يغير من الواقع شيئاً .