عرب وعالم

الإثنين - 01 يونيو 2026 - الساعة 12:11 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


فرضت الحرب الإيرانية نفسها كأحد أكبر الاختبارات التي تواجهها السعودية منذ إطلاق رؤية 2030، إذ وجدت الرياض نفسها أمام واقع إقليمي مضطرب يهدد سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة وحركة الملاحة في الخليج، ويضع مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى أمام تحديات غير مسبوقة.
لكن في المقابل تبدو المملكة قادرة على امتصاص الصدمة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية وخياراتها الاقتصادية التي بدأت تتجه نحو قدر أكبر من الواقعية حتى قبل اندلاع الحرب.

ومنذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في فبراير 2026، دخلت منطقة الخليج مرحلة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعطل جزء مهم من حركة التجارة والطاقة العالمية.

وبالنسبة إلى دول الخليج التي تعتمد بشكل شبه كامل على المضيق في صادراتها النفطية ووارداتها التجارية، شكلت الحرب تهديدا مباشرا للاستقرار الاقتصادي.

غير أن السعودية بدت أقل تعرضا للارتدادات مقارنة بالكويت وقطر على سبيل المثال، بفضل امتلاكها منافذ إستراتيجية على البحر الأحمر وشبكة بنية تحتية تسمح بتحويل جزء من صادرات النفط والبضائع بعيدا عن هرمز.

وقد برز خط أنابيب الشرق – الغرب بوصفه أحد أهم عناصر الصمود السعودي، إذ مكّن المملكة من الحفاظ على نسبة معتبرة من صادراتها النفطية رغم تراجعها عن مستويات ما قبل الحرب.

ورغم أن الطاقة الاستيعابية للخط لا تعوض بالكامل خسائر النقل عبر مضيق هرمز، فإن وجود هذا البديل منح الرياض هامشا أكبر للمناورة مقارنة بجيرانها الخليجيين.

كما ساعد العمق الجغرافي للمملكة في تقليل تأثير الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، الأمر الذي حافظ نسبيا على استمرار الأنشطة الاقتصادية والسياحية والرياضية داخل البلاد.

وفي مؤشر على هذا التماسك، واصلت السعودية استضافة فعاليات جماهيرية ورياضية كبرى حتى في ذروة التوتر الإقليمي، في وقت اضطرت فيه دول خليجية أخرى إلى إلغاء عدد من الفعاليات بسبب المخاوف الأمنية.

وتعكس هذه الصورة محاولة سعودية للحفاظ على زخم التحول الاقتصادي وعدم السماح للحرب بعرقلة مشروع الانفتاح الذي تقوده رؤية 2030.

لكن رغم مظاهر الصمود، فإن الحرب كشفت أيضا حجم التحديات التي تواجه النموذج الاقتصادي السعودي. فقد أدى اضطراب أسواق الطاقة وتعطل بعض المنشآت الصناعية والبتروكيماوية إلى ضغوط مالية متزايدة، بالتزامن مع ارتفاع الإنفاق الحكومي لمواجهة تداعيات الأزمة.

كما أن استمرار إغلاق هرمز أو اتساع رقعة التهديدات في البحر الأحمر قد يضعان الاقتصاد السعودي أمام اختبارات أكثر تعقيدا خلال الفترة المقبلة.

وفي هذا السياق تبدو الرياض كأنها دخلت بالفعل مرحلة إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، وهي عملية كانت قد بدأت قبل الحرب لكنها تسارعت بفعل الضغوط الإقليمية الجديدة. فالمملكة التي راهنت خلال السنوات الماضية على مشاريع “جيغا” عملاقة مثل “ذا لاين” و”نيوم” و”تروجينا”، بدأت تتجه تدريجيا نحو تبني مقاربة أكثر براغماتية تقوم على ترشيد الإنفاق والتركيز على القطاعات ذات العائد الأسرع والأكثر استدامة.

وتشير المعطيات الاقتصادية الأخيرة إلى أن القيادة السعودية باتت أكثر حساسية تجاه الاعتبارات المالية والضغوط المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية، خصوصا بعد أن أظهرت الحرب هشاشة الاقتصادات المعتمدة بشكل مفرط على الممرات البحرية والطاقة التقليدية.

ولذلك، يبدو أن الرياض تسعى إلى إعادة توجيه استثماراتها نحو قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والصناعة والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية، باعتبارها أكثر قدرة على توفير عوائد مستقرة وتعزيز المرونة الاقتصادية.

كما أن الحرب عززت أهمية تطوير الممرات البديلة للتجارة والطاقة، سواء عبر البحر الأحمر أو من خلال مشاريع النقل والسكك الحديدية والمناطق الصناعية الجديدة.

وفي هذا الإطار يُنظر إلى إعادة توظيف مشروع نيوم ومينائه كمركز صناعي ولوجستي بعيد نسبيا عن نقاط الاختناق التقليدية مثل هرمز وباب المندب، باعتبارها جزءا من رؤية أوسع لتقليل الاعتماد على المسارات المعرضة للتوترات الجيوسياسية.

ولم تقتصر إعادة ترتيب الأولويات على المشاريع الاقتصادية فقط، بل شملت أيضا مراجعة بعض الاستثمارات الخارجية والأنشطة ذات الكلفة العالية والعائد المحدود.

وبدأت الرياض في تقليص أو إعادة تقييم عدد من المبادرات الترفيهية والرياضية الدولية، في خطوة تعكس اتجاها نحو ضبط الإنفاق وربط الاستثمارات بشكل أوثق بالأهداف الاقتصادية المحلية.

ويرى مراقبون أن هذا التحول لا يعني تراجعا عن رؤية 2030 بقدر ما يمثل إعادة صياغة لأدوات تنفيذها. فبدلا من التركيز على المشاريع الرمزية العملاقة وحدها، يبدو أن السعودية تتجه نحو بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع الأزمات الإقليمية والعالمية.

وفي الوقت نفسه تواجه الرياض معضلة سياسية تتعلق بطبيعة علاقتها مع الولايات المتحدة، خاصة بعد أن أظهرت الحرب أن الاستقرار الإقليمي يمكن أن يتعرض للاهتزاز رغم الشراكة الإستراتيجية الطويلة بين الطرفين. فالسعودية، التي استثمرت بقوة في تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع واشنطن، وجدت نفسها أمام مواجهة إقليمية واسعة النطاق تهدد مصالحها الحيوية، ما يثير تساؤلات داخل دوائر صنع القرار الخليجية حول حدود الضمانات الأميركية في أوقات الأزمات الكبرى.

ومع ذلك، لا تبدو السعودية في وارد تغيير تحالفاتها بشكل جذري، بل تسعى على الأرجح إلى تعزيز قدرتها الذاتية على الصمود وتقليل تعرضها للصدمات الخارجية.

وهذا ما يفسر التركيز المتزايد على الصناعات المحلية، وسلاسل التوريد الداخلية، والمشاريع اللوجستية، إضافة إلى مواصلة الاستثمار في التكنولوجيا والطاقة البديلة.

وتبدو حرب إيران بمثابة اختبار قاسٍ لرؤية السعودية 2030، لكنها في الوقت ذاته دفعت الرياض إلى تسريع مراجعات كانت قد بدأت بالفعل داخل النموذج الاقتصادي السعودي.

وبدلا من تغيير المسار بالكامل، يبدو أن المملكة اختارت التكيف مع الواقع الجديد عبر إعادة ترتيب الأولويات وتبني قدر أكبر من الواقعية المالية، في محاولة للحفاظ على مشروع التحول الاقتصادي وسط بيئة إقليمية تتسم بقدر متزايد من الاضطراب وعدم اليقين.

في المحصلة، لا تبدو الحرب مع إيران مجرد أزمة عابرة بالنسبة إلى السعودية، بل لحظة كاشفة لاختبار قدرة مشروع التحول الاقتصادي على الصمود في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب. فقد أثبتت الأشهر الماضية أن امتلاك الموارد المالية وحده لا يكفي لضمان الاستقرار، وأن مرونة البنية التحتية وتنوع مسارات التجارة والطاقة والقدرة على التكيف السريع أصبحت عوامل لا تقل أهمية عن الثروة النفطية نفسها.

وبينما نجحت الرياض حتى الآن في احتواء جزء كبير من التداعيات، فإن التحدي الحقيقي يكمن في قدرتها على تحويل دروس الحرب إلى سياسات دائمة تعزز مناعة الاقتصاد أمام الصدمات المقبلة. لذلك قد لا تكون حرب إيران قد أوقفت مسار رؤية 2030، لكنها دفعتها إلى مرحلة أكثر واقعية ونضجا، حيث يصبح الهدف ليس فقط بناء اقتصاد أكبر، بل بناء اقتصاد قادر على الاستمرار والازدهار في منطقة بات عدم اليقين فيها هو القاعدة لا الاستثناء.