عرب وعالم

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 06:29 م بتوقيت اليمن ،،،

الحبيب الأسود


لا يزال الشارع العماني يعبر، عن استهجانه لتهديدات الرئيس الأميركي دولاند ترامب والتي استهدفت بلادهم بشكل غير مسبوق، وطرحت جملة من الأسئلة المهمة حول الدوافع الخفية لتلك التهديدات، والأسباب الحقيقية لحالة التشنج التي بدا عليها ترامب وهو يواجه مفرداته المرتبكة ضد بلد تعد علاقاته مع الولايات المتحدة من أعرق العلاقات الدبلوماسية في المنطقة، حيث بدأت جذورها التجارية في أواخر القرن الثامن عشر، وتوجت بإبرام معاهدة الصداقة والتجارة في عام 1833، مما جعل عُمان من أوائل الدول العربية التي ترتبط باتفاقيات رسمية مع أميركا.

وفي رد غير مباشر على الموقف الأميركي، أكد وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، في اتصال مع نظيره الإيراني، التزام البلدين بضمان حرية وأمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز وفقًا لمسؤولياتهما السيادية على مياههما الإقليمية بما يتوافق مع القانون الدولي ويحفظ مصالح جميع الأطراف. بينما أكد سفير السلطنة في واشنطن طلال بن سليمان الرحبي، لوزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أن السلطنة لا تخطط لفرض رسوم عبور في مضيق هرمز، مما أسهم في تهدئة التهديدات المتعلقة بفرض عقوبات اقتصادية على مسقط.

وشددت النخب السياسية والإعلامية العُمانية على أن السلطنة لا تخضع لمنطق الابتزاز أو التهور السياسي، مشددة على أن السيادة العُمانية ليست للمساومة. وفي مقالتها الافتتاحية، اعتبرت صحيفة "عمان"، أن العبارة التي أطلقها الرئيس ترامب تجاه سلطنة عُمان بدت صادمة في معناها وسياقها، حتى لمن اعتاد إيقاع تصريحاته الخارجة عن مقتضيات اللغة الدبلوماسية. فصدور مثل هذه اللغة تجاه عُمان تحديدا هو ما يمنح العبارة خطورتها السياسية؛ إذ تتوجه إلى دولة تربطها بالولايات المتحدة صداقة تاريخية، وراكمت في الوقت نفسه دورا ثابتا في نزع فتيل الأزمات في الشرق الأوسط.

وقالت الصحيفة التي عادة ما تنقل وجهة النظر الرسمية. إن العالم عرف عُمان من موقعها السياسي الهادئ رغم الاضطراب الذي يحيط بها. وهي التي صنعت حضورها الخارجي بعيدا عن الاصطفاف والتأجيج. وحضرت في أكثر لحظات الانسداد السياسي بوصفها مساحة ممكنة للكلام تحفظ قنوات الحوار حين تضيق المساحات.

وبحسب الصحيفة، فإن المفارقة هي أن عبارة ترامب جاءت في سياق ملف كانت عُمان جزءا أساسيا من محاولات تهدئته، لا من إشعاله. بحيث يعرف صناع القرار في واشنطن قبل غيرهم أن عُمان ـ في الملف الإيراني تحديدا ـ لم تكن خصما للولايات المتحدة، ولم تكن في الوقت نفسه متماهية مع المواقف الإيرانية. وإنما كانت وسيطا حين احتاجت واشنطن إلى من يتحدث مع طهران، وجسرا حين أغلقت العواصم أبوابها، وقناة هادئة ومتزنة حين كانت اللغة العلنية عاجزة عن إنتاج أي اختراق.

وتابعت الصحيفة أن مسقط وفرت في عهد الرئيس باراك أوباما، المساحة السياسية والدبلوماسية التي ساعدت على فتح الطريق نحو الاتفاق النووي عبر المحادثات غير المعلنة التي استضافتها مسقط. وفي الولاية الحالية للرئيس ترامب نفسه، عادت لتؤدي دور الوسيط بين واشنطن وطهران.

وذكّرت الصحيفة بأن العلاقة بين عُمان والولايات المتحدة، تمتد إلى ما يقرب من قرنين. منذ معاهدة الصداقة والتجارة في القرن التاسع عشر، تشكلت بين البلدين علاقة خاصة، نمت عبر التجارة والملاحة والتعاون السياسي والأمني. غير أن عمق هذه العلاقة لم يحول عُمان إلى تابع؛ كانت الصداقة قائمة على الاحترام، وكانت الشراكة قائمة على إدراك أميركي طويل بأن عُمان تملك قرارها، وتدير سياستها من داخل فهمها لموقعها وتاريخها ومصالحها.

ولفتت الصحيفة إلى أن استقلال القرار العماني لم يكن يوما موقفا عدائيا من أحد، وإنما كان شرطا لبناء الثقة مع الجميع. والدولة التي تستطيع أن تتحدث مع واشنطن وطهران والعواصم الغربية والآسيوية بالقدر ذاته من الهدوء تحتاج إلى رصيد من الاستقلال، فالوسيط الذي يفقد استقلاله يفقد قيمته. والجسر الذي ينحاز كليا إلى ضفة واحدة يتوقف عن كونه جسرا.

تابعت الصحيفة أن أي تهديد لسلطنة عُمان مهما كان السياق الذي يأتي فيه فإنه يسيء إلى فكرة الوساطة نفسها، والرسالة التي تصل إلى العالم رسالة خطرة؛ لأن أحد أهم معانيها أن الاعتدال قد يصبح عبئا على أصحابه، وأن الدبلوماسية الحكيمة تفقد مكانها حين يعلو منطق القوة. وهذه الرسائل لا تخدم الأمن والاستقرار في الخليج ولا حرية الملاحة ولا مصالح الطاقة، ولا تخدم مكانة الولايات المتحدة لدى أصدقائها.

وتدرك عُمان أن أمن هذا المضيق لا يصان بالتهديدات اللفظية والتصعيد العسكري؛ فالأمر يحتاج، كما تؤكد السياسة العمانية منذ سنوات طويلة، إلى المزيد من التفاهمات والاحتكام للقانون الدولي وتوازن المصالح.

ووفق المقال، فإن أكثر ما تحتاجه المنطقة في هذه اللحظة هو استعادة الذاكرة السياسية، والولايات المتحدة تعرف عُمان جيدا. تعرف أنها دولة لا تذهب إلى المغامرات، ولم تبن سياستها الخارجية على فكرة الاستعراض. وتعرف أنها وظفت رصيدها الهادئ كي تفتح أبوابا كانت مغلقة أمام الدبلوماسية الأمريكية. وتعرف أيضا أن الاحترام المتبادل كان دائما القاعدة التي حفظت هذه العلاقة من التوترات العابرة.

وأوضحت الصحيفة أن مكانة عُمان يثبتها تاريخها السياسي، وردّها الأعمق يكمن في التمسك بما جعل عُمان: عُمانَ الهدوء واستقلال القرار واحترام القانون الدولي والقدرة على تحويل الصمت إلى سياسة والاتزان إلى قوة. ففي منطقة تحيط بها التوترات تظل السياسة الحقيقية هي القدرة على منع النار قبل أن تبدأ.

وإستطردت أن من حق عُمان، ومن واجب أصدقائها، أن يقولوا بوضوح للرئيس الأمريكي إن هذه اللغة لا تليق بعلاقة تمتد قرابة مئتي عام، ولا تليق بدولة جعلت من السلام ركيزة لسياستها، ولا تخدم رئيسا أمريكيا يبحث، في نهاية المطاف، عن اتفاقات لا عن حرائق جديدة.

واختتمت الصحيفة مقالها بالتأكيد على ان عمان ستبقى دولة تصنع الجسور في منطقة كثيرة الفوالق. وستبقى سياستها المستقلة إحدى ضمانات الاستقرار في الخليج. أما الكلمات التي تخرج غاضبة فقد تمضي مع ضجيج اللحظة. والذي يبقى في الذاكرة السياسية هو ما تصنعه الدول من ثقة، وما تحفظه من حكمة، وما تمنعه من حروب.

لم أتفاجأ كثيرًا بتُرَّهات الرئيس ترامب، التي تحدَّث فيها عن سلطنة عُمان، قبل أيام في اجتماع للحكومة الأميركية، مُستخدمًا لغة تهديدٍ، هي بلا شك مرفوضة ومحل استهجان شديد، ومنبع ذلك الشعور لديّ أنَّ هذا الرئيس يتفوّه دائمًا بما لا يعرف، ويتحدَّث في ما يجهل، ويناقش القضايا بسطحية مُفرِطة، فضلًا عن أسلوبه الوقح في كثير من أحاديثه، وهو لا يُفرِّق في وقاحته بين رئيس دولة (مثل الرئيس الأوكراني) أو صحفي يُجادله في نقاش إعلامي مهني.

وتحت عنوان "الحكمة العُمانية والبلطجة الأميركية" نشرت صحيفة "الرؤية" مقالا افتتاحيا بقلم رئيس تحريرها حاتم الطائي ، رأى فيه أن "ترامب ومنذ وصوله لرئاسة أميركا في ولايته الأولى ثم بعد سنوات في ولاية ثانية حاليًا، لم تختلف طريقة تعاطيه في إدارة الحُكم، غير أنَّه صار نسخة أكثر حماقةً وأشد صفاقةً وأعتى صلافةً، فبعد أن طاردته جرائم التَّحرش الجنسي ودفع الرشا المالية والتحريض على استخدام العنف في ولايته الأولى، بات في هذه العهدة الثانية بالبيت الأبيض يُمارس البلطجة السياسية والاقتصادية على الجميع، فتارةً يفرض رسومًا جُمركية غير عادلة ضد القوى الصاعدة عالميًا وعلى رأسها الصين، وتارةً يريد ضم كندا والاعتداء على سيادتها، أو تغيير اسم خليج المكسيك إلى "خليج أميركا"، علاوة على الاستيلاء على جزيرة جرينلاند الخاضعة لسيادة الدنمارك، وما زاد الطين بلة أنَّه هدَّد أوروبا بفرض رسوم جمركية عالية، وسحب القوات الأميركية منها، والتلويح بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي "ناتو".

وتوج ترامب عشوائيته في إدارة الشأن الأميركي، بشن حرب غير مبررة وغير قانونية على إيران، مُنساقًا في ذلك وراء مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، أو بالأحرى تلاقت نزعة البلطجة الراسخة لديهم، وقررا الانزلاق إلى مستنقع الحرب ضد إيران، فكانت النتيجة الحتمية هزيمة نكراء وفشل عسكري وسياسي غير مسبوق؛ بل إنَّ الحرب أفضت إلى عكس ما سعى إليه ترامب ونتنياهو؛ حيث فشلت الحرب في إسقاط النظام الإيراني ومحاولة إحداث ثورة داخلية بعد اغتيال القيادات، وفي المُقابل اتحد الشعب الإيراني خلف قيادته الجديدة، وواجه ببسالة منقطعة النظير هذه البلطجة الصهيوأمريكية، رغم الحصار المفروض ليس خلال الأسابيع الماضية، وإنما منذ ولادة الثورة الإيرانية في 1979.

وتسببت الحرب كذلك في تقوية الموقف الإيراني فيما يتعلق بمضيق هرمز؛ حيث ثبت أنَّه ورقة التفاوض الأقوى على الإطلاق، وليس فقط ملف تخصيب اليورانيوم والبرنامج النووي، أو حتى البرنامج الصاروخي، ولا الموقف من حركات المقاومة في المنطقة، ونتج عن ذلك إغلاق إيران للمضيق في وجه نحو 30 بالمائة من إمدادات النفط الخام العالمي، وحوالي 20 بالمائة من صادرات الغاز العالمية.

وبحسب الطائي، فإن الحرب تسببت كذلك في تقوية الموقف الإيراني فيما يتعلق بمضيق هرمز؛ حيث ثبت أنَّه ورقة التفاوض الأقوى على الإطلاق، وليس فقط ملف تخصيب اليورانيوم والبرنامج النووي، أو حتى البرنامج الصاروخي، ولا الموقف من حركات المقاومة في المنطقة، ونتج عن ذلك إغلاق إيران للمضيق في وجه نحو 30 بالمائة من إمدادات النفط الخام العالمي، وحوالي 20 بالمائة من صادرات الغاز العالمية.

وأضاف الكاتب "على الرغم من الدور الرائد لسلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة؛ حيث قادت مسقط مفاوضات حاسمة أسهمت في التوصل إلى "اتفاق وشيك"، إلّا أن ذلك ربما لم يُعجب البعض، سواء في المنطقة أو لدى الإدارة الأمريكية ذاتها، لا سيما في ظل الموقف العُماني الراسخ من الحرب ولغة الدبلوماسية الجريئة والصادقة والمتوافقة مع الثوابت الوطنية، بجانب الموقف الشعبي الرافض للحرب والمُندِّد بها".

ووفق الطائي، "الخطأ الذي وقع فيه ترامب ودفعه لإطلاق التصريح الأهوج ضد سلطنة عُمان، يُؤكد أنَّه يجهل تمامًا حقائق التاريخ والجغرافيا السياسية؛ فعُمان دولة مستقلة ذات سيادة على مر التاريخ، وحتى في المراحل التي تعرضت فيها للاحتلال، ظلّت مُقاوِمة، حكومةً وشعبًا، ولم يهدأ لها بال إلّا بدحر المُحتل؛ بل وملاحقته في دول أخرى للقضاء عليه تمامًا"، مردفا آن "عُمان هي رمانة ميزان منطقة الخليج، لما تتميز به من حكمة ورجاحة عقل في التعاطي مع الأزمات الإقليمية والدولية، والتاريخ خير شاهد على ذلك ولا يتسع المجال لذكر الأحداث".

ويرى مراقبون، أن سلطنة عمان نجحت في احتواء الموقف من خلال اختيارها القنوات الرسمية للرد على التهديد المباغت الذي أطلقه الرئيس ترامب في لحظة ارتباك سياسي وديبلوماسي وفشل رسمي أميركي في حلحلة الصراع .

ويجمع المراقبون على إن السلطنة كانت دائما ولا تزال وستبقى عنصر توازن في الأوضاع الدولية والعلاقات الجيوسياسية، ومنطلقا لرؤية متقدمة في الدفاع عن مقومات الأمن والعدل والسلام واحترام سيادة الدول وارادة الشعوب في المنطقة والعالم ، وفي تقديم مبدأ الحوار والتفاوض على التصادم والعدوان .

وسعى وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، إلى تهدئة الموقف، عندما أكد إن سلطنة عُمان لن تكون جزءا من أي خطة تهدف إلى فرض رسوم على السفن التجارية المارة عبر مضيق هرمز ، وقال في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض،أن عُمان قدمت ضمانات للولايات المتحدة بأنها لن تكون جزءا من أي ترتيبات جديدة تُجرى مع إيران بخصوص السفن التجارية المارة عبر مضيق هرمز.

العرب