أخبار وتقارير

الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 12:47 م بتوقيت اليمن ،،،

إياد الشعيبي


الهجوم الناقم الذي تشنه بعض النخب والأقلام الشمالية على عبدربه منصور هادي، ومحاولة تحميله وحده مسؤولية انهيار المنظومات السياسية والأمنية والعسكرية، ووزر عقود طويلة من الإخفاقات التي راكمتها الأنظمة المتعاقبة والقوى الحزبية ومراكز النفوذ التقليدية، لا يعكس في جوهره سوى أزمة عميقة في ممارسة النقد الذاتي والاعتراف بالمسؤولية التاريخية.

فبدلاً من إجراء مراجعة جادة للأسباب الحقيقية التي أوصلت اليمن إلى هذا المستوى من التدهور، يجري اختزال المشهد المعقد بأكمله في شخص واحد، وكأن الفساد، والمحاصصة، والصراعات الحزبية، والاختراقات التي طالت مؤسسات الدولة، وغياب المشروع الوطني الجامع، كلها بدأت وانتهت عند عبدربه منصور هادي. وهذه قراءة انتقائية لا تهدف إلى فهم الأزمة بقدر ما تهدف إلى البحث عن "كبش فداء" يعفي الآخرين من مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية.

ومن المفارقات اللافتة أن كثيراً من الأصوات التي تهاجم هادي اليوم هي ذاتها التي دعمته وباركت وصوله إلى السلطة، وقدّمته باعتباره رئيس المرحلة الانتقالية، وشاركت في إدارة الدولة خلال سنوات حكمه، واستفادت من نفوذ السلطة ومؤسساتها ومواردها، بل وأشبعونا صراخاً بوحدويته. وعندما كانت المناصب توزع، والامتيازات تمنح، ومراكز القرار تدار من قبل شبكات النفوذ الحزبية والعسكرية والقبلية، لم يكن هؤلاء يشتكون من الرئيس أو من صلاحياته، بل كانوا جزءاً أساسياً من المنظومة التي أحاطت به وأسهمت في صناعة قراراتها ونتائجها.

كما أن هذه الحملات تتجاهل حقيقة أن هادي لم يصل إلى السلطة باعتباره ممثلاً لمشروع جنوبي، بل جاء نتيجة تسوية فرضتها القوى السياسية اليمنية والإقليمية والدولية آنذاك، وحظي بتأييد واسع من القوى الشمالية التي رأت فيه الخيار الأنسب لإدارة المرحلة الانتقالية. أما في الجنوب، فقد كانت قطاعات واسعة من المجتمع تنظر إلى العملية السياسية برمتها بعين الشك والرفض، انطلاقاً من موقفها من مسار الوحدة والحرب وتداعياتهما، وأعلنوا رفض انتخابه بغالبية مطلقة.

والأهم من ذلك أن تحميل هادي وحده مسؤولية ما جرى يتجاهل الدور الذي لعبته الأحزاب والقوى التقليدية ومراكز النفوذ التي أحاطت بمؤسسات الدولة لعقود، والتي ظلت تدير المشهد السياسي والأمني والعسكري حتى بعد انتقال السلطة إليه.

فالرجل لم يحكم في فراغ، ولم يكن صاحب القرار الوحيد، بل كان جزءاً من منظومة واسعة فاشلة ومتشابكة تقاسمت النفوذ والقرار والموارد، ثم تنصل كثير من أطرافها لاحقاً من مسؤولياتهم عندما انهارت الدولة وتفجرت الأزمات.