أخبار اليمن

الخميس - 28 مايو 2026 - الساعة 11:37 ص بتوقيت اليمن ،،،

المستشار سالم الوالي


ليست الأزمات إقامةً دائمة في حياة الشعوب، ولا المعاناة قدراً نهائياً على الأوطان. فالتاريخ، في جوهره العميق، لا تصنعه لحظات الانكسار وحدها، بل تصنعه قدرة المجتمعات على تحويل الألم إلى وعي، والارتباك إلى مراجعة، والمحنة إلى مشروع إصلاح.

نعم، ما نعيشه قاسٍ.
قاسٍ على المواطن الذي ينتظر راتبه، وعلى الأسرة التي تحسب كلفة الخبز والدواء والكهرباء، وعلى الشاب الذي ضاقت أمامه فرص العمل، وعلى التاجر الشريف الذي يواجه اضطراب السوق، وعلى مدينة تبحث عن خدمة مستقرة، وعلى وطن ما زال يفتش عن دولة قادرة وعادلة.

لكن هذه الأزمة، على قسوتها، لن تمضي بلا معنى إن أحسنّا قراءتها. فهي تكشف لنا أن السياسة بلا اقتصاد منتج تتحول إلى شعارات، وأن الاقتصاد بلا مؤسسات عادلة يتحول إلى فوضى، وأن المجتمع بلا ثقة يصبح أكثر هشاشة أمام الخوف والغلاء والانقسام.

الأزمة لا تسألنا فقط: ماذا خسرنا؟
بل تسألنا: ماذا تعلّمنا؟
هل أدركنا أن كرامة المواطن تبدأ من أساسيات الحياة: الراتب، والخبز، والدواء، والكهرباء، والأمن، وعدالة الفرصة؟
وهل فهمنا أن بناء الدولة لا يكون بالخطاب وحده، بل بالعمل المنظم، والرقابة، وسيادة القانون، وحماية الناس من الجشع والاستغلال وسوء الإدارة؟

سوف تمضي هذه الأزمة، نعم.
لكن السؤال الأهم: كيف نريدها أن تمضي؟
هل تمضي وتتركنا نكرر الأخطاء ذاتها، أم تمضي وقد جعلتنا أكثر وعياً بأن الأوطان لا تُدار بالارتجال، ولا تُنقذ بالمجاملات، ولا تُبنى إلا بعقل مؤسسي، وإرادة صادقة، وشراكة مسؤولة بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص؟

إن الشعوب الحية لا تنتصر لأنها لا تتألم، بل لأنها لا تسمح للألم أن يهزم وعيها. قد تتعب، لكنها لا تستقيل من واجبها. وقد تصمت تحت ضغط المعاناة، لكنها تختزن في صبرها قوة النهوض.

لذلك لا ينبغي أن يتحول اليأس إلى لغة عامة. فاليأس ليس موقفاً وطنياً، ولا قراءة واقعية، بل استقالة داخلية من المسؤولية. أما الأمل الواعي، فهو ليس وهماً ولا ترفاً عاطفياً، بل طاقة عمل، وإرادة إصلاح، وقدرة على رؤية الطريق وسط العاصفة.

نحتاج اليوم إلى خطاب صادق لا يبيع الوهم ولا يزرع الإحباط؛ خطاب يعترف بعمق الأزمة، لكنه لا يسلّم لها مستقبل الناس. يقول بوضوح: نعم، المعاناة كبيرة، لكن الخروج ممكن. نعم، الموارد محدودة، لكن الإدارة الرشيدة تضاعف أثرها. نعم، الخلافات كثيرة، لكن الحوار الصادق يقلل كلفتها. نعم، الطريق طويل، لكن كل خطوة منظمة تختصر مسافة الفوضى.

وأيضاً… هذا سوف يمضي.
ستمضي الأزمة كما مضت قبلها أزمات كثيرة. وستنجلي هذه الغيمة، مهما طال وقوفها فوق سمائنا. غير أن الأهم ليس أن تنتهي المحنة فقط، بل أن نبقى بعدها أكثر نضجاً، وأكثر صدقاً مع أنفسنا، وأكثر استعداداً لبناء دولة تحمي مواطنيها، وسوق يخدم الناس ولا يستغل حاجتهم، ومجتمع يختار التماسك على التشظي.

ما ينبغي أن يبقى بعد هذه المرحلة هو الدرس:
لا وطن ينهض بلا مؤسسات.
ولا اقتصاد يستقر بلا عدالة.
ولا سياسة تنجح بلا صدق.
ولا مجتمع يصمد بلا ثقة.
ولا مستقبل يُصنع إلا حين تتحول المعاناة من وجع صامت إلى مشروع وطني واعٍ.

سوف تمضي هذه الأيام الصعبة.
وسينجلي هذا الليل، كما انجلى غيره.
لكن الصباح لا يكفي أن يأتي؛ علينا أن نكون جديرين به.

المستشار/ سالم سلمان
نائب وزير الصناعة والتجارة