عرب وعالم

الخميس - 28 مايو 2026 - الساعة 11:09 ص بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


أعاد التصعيد العسكري الأخير قرب مضيق هرمز المخاوف من انزلاق الولايات المتحدة وإيران إلى مواجهة مفتوحة جديدة، بعدما تبادل الطرفان الضربات العسكرية في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، وسط تراجع الآمال بإمكانية تثبيت وقف إطلاق النار الهش الذي دخل حيز التنفيذ قبل أسابيع فقط.

وأعلن الحرس الثوري الإيراني الخميس استهداف قاعدة جوية أميركية رداً على غارات أميركية قرب مدينة بندر عباس الساحلية، قالت واشنطن إنها استهدفت طائرات مسيّرة إيرانية كانت تستعد لتنفيذ عمليات هجومية بالقرب من مضيق هرمز.

وبحسب مسؤول أميركي، فإن القوات الأميركية أسقطت أربع مسيّرات هجومية وقصفت مركز تحكم أرضياً لمنع إطلاق طائرة خامسة، مؤكداً أن العملية جاءت “لدواع دفاعية” بهدف حماية وقف إطلاق النار ومنع أي تهديد للملاحة أو للقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.

لكن الرد الإيراني السريع عكس حجم التوتر المتراكم بين الجانبين، وأظهر أن الهدنة القائمة ما زالت شديدة الهشاشة وقابلة للانهيار في أي لحظة. فطهران اعتبرت الضربات الأميركية تجاوزاً خطيراً وخطوة تستهدف تقويض توازن الردع الذي تحاول فرضه في الخليج، بينما ترى واشنطن أن التحركات الإيرانية قرب المضيق تشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي ولحركة التجارة الدولية.

ويكشف هذا التصعيد أن الصراع بين واشنطن وطهران لم يعد يقتصر على الملف النووي فقط، بل بات مرتبطاً أيضاً بمعادلة النفوذ والسيطرة الأمنية في الخليج، خصوصاً في منطقة مضيق هرمز الذي يمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي.

وقبل اندلاع الحرب الأخيرة، كان نحو خُمس صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم يمر عبر هذا الممر البحري، ما يجعل أي اضطراب أمني فيه قادراً على إحداث صدمات واسعة في أسواق الطاقة.

وقد انعكس ذلك سريعاً على الأسواق العالمية، إذ ارتفعت أسعار النفط مجدداً بعد ساعات من الإعلان عن تبادل الضربات، بينما تراجعت الأسهم وارتفع الدولار بفعل مخاوف المستثمرين من توسع المواجهة العسكرية.

ويؤكد هذا التفاعل السريع للأسواق أن هرمز ما زال يمثل نقطة الاختناق الأخطر في معادلة أمن الطاقة العالمية.

وفي خضم هذا التصعيد، جاءت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتضيف مزيداً من التوتر إلى المشهد. فقد نفى التقارير التي تحدثت عن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن إدارة الملاحة في المضيق، مؤكداً أن “لا أحد سيسيطر على هرمز”، في رسالة مباشرة إلى طهران التي تسعى إلى تكريس دورها الإقليمي في أمن الخليج.

كما أثارت تصريحات ترامب بشأن سلطنة عمان اهتماماً واسعاً، بعدما لوّح باستخدام القوة إذا لم تتصرف مسقط وفق الرؤية الأميركية المتعلقة بالمضيق.

ورغم أن عمان لعبت تاريخياً دور الوسيط بين واشنطن وطهران، فإن إدخالها في دائرة التهديد يعكس حجم الحساسية التي أصبحت تحيط بأي ترتيبات أمنية تخص الممر البحري.

وفي المقابل، تمسكت إيران بمواقفها الأساسية، سواء فيما يتعلق بحقها في تخصيب اليورانيوم أو بدورها في حماية المضيق.

وأكد مسؤولون إيرانيون أن الضغوط الأميركية لن تدفع طهران إلى التراجع، معتبرين أن واشنطن تحاول الجمع بين التهديد العسكري والضغط السياسي للحصول على تنازلات استراتيجية.

ويبدو أن الأزمة الحالية تكشف فشل الجانبين في بناء أرضية تفاهم مستقرة رغم أشهر من الحرب والتفاوض غير المباشر. فالولايات المتحدة تريد اتفاقاً يضمن أمن الملاحة ويقيد البرنامج النووي الإيراني ويقلص نفوذ طهران الإقليمي، بينما تسعى إيران إلى رفع العقوبات والحصول على اعتراف بدورها الإقليمي والحفاظ على قدراتها النووية والعسكرية.

لكن الجمع بين التفاوض والتصعيد العسكري في الوقت نفسه يجعل فرص الوصول إلى اتفاق شامل أكثر صعوبة. فكل ضربة عسكرية جديدة تعمق أزمة الثقة بين الطرفين، وتمنح التيارات المتشددة داخل البلدين مبررات إضافية لرفض أي تسوية سياسية.

كما أن المشهد الإقليمي يزيد من تعقيد الأزمة، خصوصاً مع دخول إسرائيل بشكل غير مباشر على خط التوتر، بعدما أعلنت رصد نشاط لطائرات معادية في شمال البلاد.

ويعكس ذلك المخاوف من أن تتحول أي مواجهة محدودة في الخليج إلى صراع إقليمي أوسع يمتد إلى أكثر من جبهة، خاصة في ظل استمرار الحرب في جنوب لبنان والتوترات المتصاعدة في المنطقة.

ويخشى مراقبون من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى انهيار كامل لوقف إطلاق النار، خصوصاً إذا سقط قتلى أميركيون أو إيرانيون في مواجهات مباشرة جديدة. فالتجارب السابقة بين البلدين أظهرت أن الحوادث العسكرية المحدودة يمكن أن تتدحرج بسرعة نحو مواجهات أكبر يصعب احتواؤها دبلوماسياً.

وتزداد خطورة الوضع بسبب الطبيعة الاستراتيجية لمضيق هرمز، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات الاقتصاد العالمي. فالولايات المتحدة تعتبر حماية الملاحة الدولية جزءاً أساسياً من حضورها العسكري في الخليج، بينما ترى إيران أن أي ترتيبات أمنية لا تراعي مصالحها تمثل تهديداً مباشراً لنفوذها وأمنها القومي.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو فرص العودة إلى التهدئة مرتبطة بقدرة الطرفين على منع التصعيد الميداني من تجاوز حدود الرسائل العسكرية المتبادلة. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن التوتر مرشح للاستمرار، خاصة مع غياب أي اختراق سياسي حقيقي في الملفات الخلافية الأساسية.

ولا يمثل ما يجري قرب مضيق هرمز مجرد حادث أمني عابر، بل يعكس صراعاً أوسع على شكل النظام الأمني في الخليج وعلى موازين القوة في الشرق الأوسط.

وبين محاولات واشنطن فرض قواعد جديدة للمنطقة، وإصرار طهران على تثبيت نفوذها الإقليمي، يبقى الخليج مفتوحاً على احتمالات متعددة، تبدأ من العودة إلى طاولة التفاوض، لكنها قد تنتهي أيضاً بمواجهة عسكرية أوسع تعيد المنطقة إلى حافة الانفجار الكبير.