أخبار وتقارير

الإثنين - 11 مايو 2026 - الساعة 11:57 ص بتوقيت اليمن ،،،

توفيق جوزوليت


بعد تسع سنوات على تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، لم يعد أخطر ما يواجهه المجلس هو خصومه السياسيون أو تعقيدات المشهد الإقليمي فحسب، بل خطرٌ آخر أشد تأثيرًا: غياب المراجعة الداخلية الجادة، وتأجيل لحظة النقد الذاتي التي تحتاجها أي تجربة سياسية تريد البقاء والتطور.

فالتجارب الوطنية الكبرى لا تسقط عادة بسبب الضغوط الخارجية وحدها، بل حين تفقد القدرة على رؤية أخطائها من الداخل، وتتحول مع الوقت إلى كيانات تدافع عن بقائها أكثر مما تدافع عن أهدافها الأصلية. وهنا تحديدًا يكمن السؤال الذي بات يفرض نفسه بقوة داخل الشارع الجنوبي: هل ما يزال المجلس قادرًا على مراجعة ذاته قبل أن تفرض الوقائع مراجعة قاسية عليه؟

لقد نشأ المجلس باعتباره حاملًا سياسيًا لقضية الجنوب، واستطاع خلال سنواته الأولى أن يملأ فراغًا سياسيًا حقيقيًا، وأن يتحول إلى عنوان رئيسي للقضية الجنوبية في الداخل والخارج .

لكن ما حدث خلال السنوات الماضية يكشف بوضوح أن المجلس دخل تدريجيًا في حالة من الجمود السياسي والتنظيمي، حيث تراجعت مساحة النقد الداخلي، وضعفت آليات التقييم والمحاسبة، وتحولت كثير من القرارات إلى ردود أفعال مرتبطة بإدارة اللحظة لا ببناء مشروع استراتيجي طويل المدى.

والأخطر من ذلك أن أي صوت يطالب بالمراجعة أو النقد كثيرًا ما يُقابل باعتباره تهديدًا للمشروع الجنوبي نفسه، في حين أن الحقيقة السياسية يحميها النقد الذاتي، والشفافية، والقدرة على تصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات بنيوية يصعب احتواؤها.

إن القضية الجنوبية أكبر من أي كيان سياسي، وأوسع من أي قيادة مهما كان دورها أو رمزيتها. ومن هنا فإن حماية هذه القضية لا تكون بتجميد النقاش أو إغلاق باب المراجعة، بل بإعادة فتح المجال أمام تقييم حقيقي للتجربة بكل شجاعة ومسؤولية.

فبعد تسع سنوات، تبدو الأسئلة الجوهرية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى:
أين أصبحت المؤسسات داخل المجلس؟ كيف تُتخذ القرارات؟
ما حجم المشاركة الحقيقية في صناعة السياسات؟أين آليات المحاسبة؟ ولماذا بقيت المطالب الشعبية بإعادة هيكلة الأداء مجرد شعارات مؤجلة؟

إن أي حركة سياسية تمر بمرحلة انتقالية طويلة دون مراجعة حقيقية تصبح مع الوقت مهددة بالتحول من “أداة للتحرير” إلى “منظومة لإدارة الأزمة”. وعندما يحدث ذلك، يبدأ التآكل من الداخل حتى لو بدا المشهد الخارجي متماسكًا.

المشكلة ليست في وجود الأخطاء، بل في الإصرار على تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها ملفات محرّمة لا يجوز الاقتراب منها. فالنقد الذاتي ليس ضعفًا، بل أحد أهم شروط النضج السياسي. والكيانات التي تخاف من مراجعة نفسها تتحول تدريجيًا إلى هياكل مغلقة تفقد صلتها بالشارع الذي منحها الشرعية في الأصل.

لقد دفعت الجماهير الجنوبية أثمانًا باهظة خلال سنوات الصراع، ومن حقها اليوم أن ترى مشروعًا سياسيًا أكثر نضجًا ووضوحًا وكفاءة، كما أن حجم التضحيات يفرض على قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي أن تنتقل من عقلية “الحفاظ على التوازنات” إلى عقلية “بناء الدولة”، لأن الفارق بينهما كبير جدًا.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: هل أخطأ المجلس أم لا؟ فذلك أمر طبيعي في أي تجربة بشرية وسياسية. السؤال الأهم هو: هل يمتلك شجاعة الاعتراف بالأخطاء، والقدرة على تصحيحها، والإرادة لإعادة صياغة نفسه بما ينسجم مع حجم القضية التي يدّعي تمثيلها؟

فهنا فقط تتحدد المسافة بين مشروع يريد أن يبقى حيًا، ومشروع بدأ يستهلك نفسه بنفسه.