عرب وعالم

الخميس - 19 فبراير 2026 - الساعة 02:16 ص بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


يشكّل المرحلة الراهنة نقطة تحوّل حاسمة في السياسة العالمية بالنسبة إلى كثير من الدول، بما في ذلك الدول العربية. فالتغيرات المتسارعة في بنية النظام الدولي، وتآكل شرعية المؤسسات متعددة الأطراف، وتصاعد النزعات القومية والحمائية، جميعها مؤشرات إلى نهاية مرحلة وبداية أخرى لم تتضح ملامحها بالكامل بعد.

وفي خضم هذا التحول، يبرز سؤال جوهري: هل لعبت الدول العربية الرئيسية دورًا فاعلًا في إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد، أم أنها انساقت ببساطة مع تيارات دولية جارفة لا يمكن التحكم بها؟.

وتشير الوقائع إلى أنها قامت بالدورين معًا، لكن بصورة غير متوازنة تميل في معظمها إلى التكيف أكثر من المبادرة.

ويرى الباحث مهند عياش في تقرير نشره المعهد العربي لواشنطن دي سي أن ما ينقص العالم العربي، كما ينقص غيره من أقاليم الجنوب العالمي، هو رؤية جريئة ومتماسكة لإقامة نظام عالمي جديد كليًا، لا يكتفي بإعادة تدوير موازين القوى القديمة في أثواب مختلفة.

ويتجلى هذا التحدي بوضوح خاص حين توضع القضية الفلسطينية في صلب فهم الجغرافيا السياسية في المنطقة، باعتبارها الاختبار الأوضح لمدى استقلال القرار العربي.

;برز إعلان لافت خلال المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2026 في دافوس، حين صرّح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأن النظام الدولي القائم على القواعد قد انتهى.

;لم يكن تصريحه مجرد توصيف عابر، بل اعترافًا صريحًا بأن ما عُرف بـ"النظام الليبرالي الدولي" لم يكن يومًا شاملًا أو عادلًا في تطبيقه لمبادئ التجارة الحرة وحقوق الإنسان والمساءلة.

وأقرّ بأن هذا النظام لم يستحق الرثاء، لأنه أخفق في تحقيق الازدهار للجميع، وسمح بازدواجية المعايير.

;في هذا السياق، بدا الخطاب كأنه نزع للغطاء عن مرحلة كاملة أُخفيت تناقضاتها خلف شعارات "السلام الليبرالي"، فيما كانت تُدار عمليًا بما يخدم مصالح القوى الغربية الكبرى.

;دعا كارني إلى تسمية الواقع كما هو، والعمل على تجاوزه من خلال تعاون القوى المتوسطة لبناء بنية تحتية اقتصادية وأمنية وسياسية جديدة تضمن إنتاج رأس المال والاستقرار على المدى الطويل.

وانتقد في الوقت نفسه نهج بعض القادة الذين يسعون إلى استرضاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر مخاطبة نزعاته الشخصية أملاً في تحقيق مكاسب ضيقة.

ووفق منطقه، فإن الدول في النظام الجديد تواجه خيارين: إما السيادة القائمة على امتلاك عناصر القوة التي تضمن مقعدًا على الطاولة، أو التبعية التي تجعلها على "القائمة" لا حول لها ولا قوة.

غير أن هذا الطرح، على أهميته، لا يخلو من مفارقة. فالدعوة إلى نظام أكثر عدالة تصدر من دولة كانت جزءًا من البنية الغربية التي دعمت سياسات أفضت إلى اختلالات عميقة، بما في ذلك الصمت أو التواطؤ إزاء مآسٍ إنسانية في الشرق الأوسط.

ومع ذلك، يبقى نقد كارني لسياسة الاسترضاء ذا وجاهة. فقد كشفت السنوات الأخيرة، خاصة في ظل إدارة ترامب، عن ميل واسع لدى دول كثيرة إلى تجنب المواجهة مع واشنطن، حتى عندما تعارضت سياساتها مع القانون الدولي أو المصالح الإقليمية لتلك الدول.

;لم تغيّر إدارة ترامب جوهر الدور الأميركي في العالم العربي، لكنها كشفت طبيعته بصورة أكثر صراحة. فالولايات المتحدة ما تزال القوة المهيمنة التي ترسم ملامح الأمن الإقليمي وتتحكم في مفاتيح الاقتصاد والسياسة عبر شبكة تحالفات وقواعد عسكرية واتفاقيات استراتيجية.

ونصّت استراتيجية الأمن القومي الأميركية على ضرورة منع أي قوة معادية من الهيمنة على الشرق الأوسط وموارده وممراته الاستراتيجية، مع تجنب "الحروب الأبدية".

ويعكس هذا الخطاب تصورًا راسخًا بأن المنطقة مجال نفوذ أميركي، وأن المنافسين، مثل الصين أو روسيا، يجب إقصاؤهم أو احتواؤهم.

ومن هذا المنظور، رأت إدارة ترامب أن النظام الدولي القديم سمح لخصوم الولايات المتحدة باستخدام أدوات القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف لمساءلة حلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل.

ولذلك بدا أن التوجه الجديد يفضّل نظامًا أقل تقييدًا بالقواعد وأكثر خضوعًا لمنطق القوة الصلبة.

وفي ظل تفوق عسكري واقتصادي أميركي واضح، بدت اللحظة مواتية لإعادة تثبيت الهيمنة عبر أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات وإعادة ترتيب التحالفات.

وفي مواجهة هذا الواقع، حاولت بعض الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية، إعادة تموضعها استراتيجيًا. فقد انتهجت الرياض خلال السنوات الأخيرة سياسة تنويع الشراكات، من التقارب مع إيران إلى توسيع التعاون مع تركيا وباكستان والصين، مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقاتها الوثيقة بواشنطن.

ويعكس هذا المسار سعيًا إلى توسيع هامش المناورة وتقليل الاعتماد الأحادي على الولايات المتحدة، لكنه لا يصل إلى حد القطيعة أو إعادة صياغة جذرية للمنظومة الأمنية القائمة.

وتظل الولايات المتحدة شريكًا أمنيًا واقتصاديًا لا غنى عنه لكثير من دول الخليج، سواء من حيث صفقات السلاح أو الاستثمارات المتبادلة أو المظلة الأمنية.

وبالتالي، فإن التحركات العربية نحو تعددية في العلاقات الدولية تبدو أقرب إلى موازنة دقيقة بين مراكز القوى، لا إلى مشروع متكامل لإعادة صياغة قواعد اللعبة.

كما أن بعض الشركاء الجدد، مثل باكستان، يرتبطون هم أيضًا بعلاقات استراتيجية مع واشنطن، ما يحدّ من إمكان تشكل محور مستقل فعليًا.

وتتضح حدود هذا التحول بصورة أكبر حين توضع القضية الفلسطينية في مركز المعادلة. فإسرائيل تمثل حجر الزاوية في بنية الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط، بوصفها حليفًا استراتيجيًا متقدمًا وقاعدة لإسقاط القوة.

وأي استراتيجية عربية جادة لتقليص النفوذ الأميركي أو إعادة تشكيل النظام الإقليمي لا يمكن أن تتجاهل هذه الحقيقة. غير أن المواقف العربية، رغم تأكيدها اللفظي المتكرر على مركزية حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية، لم تُترجم إلى سياسات ضاغطة أو تغييرات ملموسة في العلاقات مع إسرائيل.

وأعادت الحرب في غزة تسليط الضوء على اختلال موازين القوى، وعلى حدود القدرة العربية في التأثير في مسار الأحداث. فاستمرار الدعم الأميركي لإسرائيل، سياسيًا وعسكريًا، أظهر أن أي مسعى لبناء نظام إقليمي أكثر استقلالًا يظل مقيدًا ما لم يُعالج هذا الخلل البنيوي. كما أن انتهاكات إسرائيل لسيادة دول في المنطقة، في ظل غياب ردع فعال، تعكس استمرار التفوق الاستراتيجي المدعوم أميركيًا.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن العالم العربي لم يحسم خياره بعد بين التكيف مع نظام يتشكل على أساس منطق القوة، أو المبادرة إلى بلورة رؤية بديلة بالتعاون مع قوى الجنوب العالمي.

وقد يمنح الاكتفاء بالموازنة بين واشنطن وبكين، أو بين تحالفات متقاطعة، هامشًا تكتيكيًا، لكنه لا يرقى إلى مشروع استراتيجي يعيد تعريف موقع المنطقة في العالم.

وما يحتاجه العالم، والعالم العربي جزء منه، ليس مجرد انتقال من هيمنة أحادية إلى تعددية شكلية، بل نظام عالمي ديمقراطي حقيقي يتيح مشاركة أوسع في صنع القرار، ويعيد الاعتبار لمبدأ المساواة بين الدول.

ويتطلب ذلك إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة، واستعدادًا لتحمل كلفة الاستقلال النسبي، وبناء تحالفات أوسع مع دول الجنوب وقوى صاعدة. فالمسألة لا تتعلق بفلسطين وحدها، رغم مركزيتها، بل بقدرة الدول العربية على تحويل لحظة التحول الدولي إلى فرصة لإعادة صياغة دورها، بدل الاكتفاء بالتكيّف مع نظام يُعاد إنتاجه بأدوات جديدة ومنطق قديم.